من الزامل إلى التابوت.. كيف يستغل الحوثيون مصرع مسلحيهم لحشد مقاتلين جدد؟
حزبي
منذ ساعة
مشاركة
في أحد معسكرات مليشيا الحوثي الارهابية، كان عشرات الشبان يرددون زاملا حماسيا، قبل أن ينتقلوا إلى التدريب على استخدام السلاح واقتحام المباني واستهداف الآليات.

وفي المحاضرات المصاحبة للتدريب، كان الحديث يدور عن غزة وفلسطين وإسرائيل، وعن معركة قادمة قيل لهم إنهم يستعدون للمشاركة فيها.

لكن بالنسبة إلى بعضهم، لم تكن الوجهة التالية فلسطين. بعد أسابيع، وجدوا أنفسهم في جبهات داخل اليمن، ليبدأ سؤال يتردد بينهم: أين فلسطين التي جئنا من أجلها؟

شهادات حصل عليها "الصحوة نت" تكشف جانبا من آليات الاستقطاب التي تستخدمها الجماعة لتجنيد مقاتلين جدد، عبر مزيج من الخطاب الديني والحديث عن غزة، والزوامل الحماسية، والوعود المالية، مستفيدة من البطالة والفقر والحاجة إلى العمل.

ولا تنتهي دورة التعبئة بإرسال المجند إلى الجبهة؛ فعندما يُقتل أحد المقاتلين تبدأ مرحلة أخرى: صورة تُرفع في الشوارع، وزامل يرافق التشييع، وخطاب يمجد "الشهادة" والبطولة، ليتحول القتيل نفسه إلى رسالة موجهة إلى مجندين محتملين آخرين.

وعد فلسطين.. والوجهة جبهة يمنية

كان "سالم "، وهو شاب في بداية العشرينيات من محافظة إب، واحدا ممن التحقوا بدورة عسكرية حملت اسم "طوفان الأقصى"، بعدما سمع أن التدريب يهدف إلى الاستعداد لمواجهة إسرائيل.

استمرت الدورة أسابيع، وشملت، بحسب روايته، التدريب على الأسلحة واقتحام المباني واستهداف الآليات، إلى جانب محاضرات عن الحرب في غزة والصراع مع إسرائيل.

يقول لـ"الصحوة نت": "كانوا يقولون لنا إننا يجب أن نكون جاهزين لأي معركة مع الإسرائيليين". لكن بعد انتهاء الدورة، نُقل سالم مع آخرين إلى إحدى جبهات محافظة تعز.

ويضيف: "قالوا لنا إن القتال في تعز جزء من التدريب، وإننا سنذهب بعد ذلك إلى فلسطين، لكن الأيام مرت ولم يحدث شيء من ذلك".

ومع إدراك عدد منهم أنهم أصبحوا جزءًا من القتال الداخلي، قرر بعضهم الانسحاب، وسلموا أسلحتهم وملابسهم العسكرية، قبل أن يواجهوا، وفق شهادته، اتهامات بالخيانة وتهديدات بسبب قرار المغادرة.

تجربة مشابهة يرويها "ماهر"، وهو شاب من تعز التحق بالتجنيد بعدما سمع أن المهمة مرتبطة بالحرب في غزة. وبعد أسابيع من التدريب، نُقل مع مجموعة من المجندين إلى جبهة داخلية.

يقول: "كنا نعتقد أننا نتدرب من أجل فلسطين، لكننا وجدنا أنفسنا في جبهة يمنية". وبحسب روايته، حاول عدد من زملائه الانسحاب بعد اتضاح طبيعة المهمة، لكن بعضهم واجه ضغوطًا وتهديدات قبل أن يتمكن من المغادرة.

ولا يقول الشابان إن جميع الملتحقين بالدورات كانوا يرفضون القتال؛ لكن اعتراضهما، كما يرويان، يتعلق بالفارق بين ما قيل لهما قبل التدريب وما وجداه بعد الوصول إلى الجبهة.

سرايا المدد

وفي محافظة إب، تحدثت مصادر محلية وأولياء أمور عن عملية تجنيد حملت اسم "سرايا المدد"، استهدفت شبانا من يريم والسدة والنادرة والرضمة.

وبحسب المصادر، قُدمت المهمة لبعض المجندين باعتبارها مرتبطة بنصرة فلسطين ودعم الحرب في غزة، قبل أن يتلقى بعضهم أوامر بالتحرك نحو جبهات داخل اليمن، بينها الضالع ويافع وكرش ومأرب.

وتقول المصادر إن خلافات اندلعت داخل أحد المعسكرات بعد رفض مجندين تنفيذ أوامر التحرك، قبل اعتقال بعضهم وفرار آخرين.

ويقول أحد أقارب المجندين لـ"الصحوة نت" إن أسرا اعتقدت أن أبناءها التحقوا بأنشطة مرتبطة بفلسطين، قبل أن تفاجأ بأنهم في طريقهم إلى جبهات داخلية.

حين يصبح الفقر بابا للتجنيد

لا يبدأ الطريق إلى المعسكر دائمًا بخطاب فلسطين. فبحسب شهادات ومصادر تحدث إليها "الصحوة نت"، تتنوع دوافع الملتحقين بين التأثر بالخطاب الديني والتعبوي، والبحث عن المال، والحاجة إلى فرصة عمل في ظل البطالة والظروف الاقتصادية الصعبة.

يقول مراد، وهو ناشط يتابع عمليات التجنيد في مناطق سيطرة الحوثيين، إن الحاجة الاقتصادية تمثل إحدى نقاط الضعف التي يجري استغلالها.

ويضيف: "الشاب الذي لا يمتلك عملا أو دخلا ثابتا قد يرى في الراتب أو المساعدة فرصة لإعالة أسرته، ثم يجد نفسه بعد ذلك في دورة عسكرية، ومنها إلى الجبهة".

وفي بيئة أنهكتها سنوات الحرب وانقطاع الرواتب وتراجع فرص العمل، قد يصبح العرض المالي مدخلًا لجذب الشباب، لكنه يأتي، وفق الشهادات، ضمن منظومة أوسع من الخطاب الديني والاجتماعي الذي يمنح الالتحاق معنى يتجاوز الحصول على دخل.

وبحسب شهادات وتقارير سابقة، امتد الاستقطاب أيضا إلى مهاجرين أفارقة يعيش بعضهم أوضاعا اقتصادية وإنسانية شديدة الهشاشة.

"سارة"، وهي مهاجرة إثيوبية، روت في شهادة سابقة أن أحد أقاربها ذهب للقتال في صفوف الحوثيين، قبل أن تتلقى الأسرة لاحقا نبأ مقتله في إحدى الجبهات، بينما لم تكن تعرف في البداية أنه تحول إلى مقاتل.

الزامل.. من المعسكر إلى الجنازة

وسط منظومة التعبئة، يحضر "الزامل" بوصفه إحدى أبرز الأدوات المستخدمة في شحذ الحماس. وهو موروث شعبي يمني ارتبط تاريخيًا بالمناسبات الاجتماعية والقبلية والحروب، ووظفته جماعة الحوثي بكثافة ضمن خطابها الإعلامي والعسكري.

تنتشر الزوامل في المعسكرات والتجمعات وعلى منصات التواصل، وترافق المقاتلين في الجبهات، ثم تعود في مراسم تشييع القتلى.

وتحمل كلماتها رسائل قصيرة وسهلة الحفظ عن الحرب والعدو والنصر والتضحية.

تقول فاطمة، وهي ناشطة إعلامية، لـ"الصحوة نت": "يسمعه الشاب في المعسكر، وفي السيارة، وفي الفعالية، ثم يسمعه في الجبهة وفي تشييع القتلى. الرسالة التي تتكرر أمامه هي أن الموت بطولة، وأن التراجع خيانة".

وهكذا يتحول الزامل من خلفية صوتية إلى جزء من البيئة التعبوية المحيطة بالمجند، منذ دخوله المعسكر وحتى وصوله إلى الجبهة.

ويقول عبد الولي، وهو معلم تحدث إلى "الصحوة نت"، إن بعض الشباب لا يبحثون بالضرورة عن الحرب، بقدر بحثهم عن مكان يشعرون فيه بأن لهم قيمة ودورًا.

وبحسب رؤيته، تقدم الجماعة للشاب هوية جديدة؛ "مقاتلا" أو "مجاهدا" أو صاحب قضية، في مقابل واقع يفتقر فيه إلى العمل والدخل والأفق. لكن هذه الصورة، وفق شهادات مجندين سابقين، قد تبدأ في التصدع عند الوصول إلى الجبهة ومواجهة طبيعة المهمة على الأرض.

أصعب من الدخول.. الخروج

تقول شهادات مقاتلين سابقين إن الوصول إلى الجبهة لا يعني دائما القدرة على العودة متى أراد المجند. فبعد استلام السلاح والالتحاق بموقع عسكري، يصبح الانسحاب أكثر تعقيدا.

وبحسب شهادات حصل عليها "الصحوة نت"، تعرض بعض من حاولوا المغادرة للتهديد أو الاتهام بالخيانة، فيما احتاج آخرون إلى وساطات قبلية للخروج أو الإفراج عنهم.

وهكذا قد يجد المجند نفسه أمام خيارين: البقاء في جبهة لم يكن يتوقع الوصول إليها، أو تحمل مخاطر محاولة الانسحاب، لكن بالنسبة إلى آخرين، لا تأتي فرصة العودة أصلا.

عندما يعود الابن في تابوت

خلف الجبهات تقف أسر تنتظر أبناءها، وأحيانًا يصل الخبر قبل أن يعود صاحب الهاتف. تقول أم حاشد لـ"الصحوة نت" إن ابنها خرج من المنزل بحثًا عن فرصة تساعده على تحسين وضعه.

وتلخص ما حدث بجملة قصيرة: "خرج يبحث عن عمل، ثم عاد إلينا في تابوت". وتضيف: "كانوا يقولون لنا إنه ذاهب للتدريب، ولم نكن نعرف أنه سيُرسل إلى الجبهة".

بالنسبة إلى الأسرة، تنتهي الرحلة عند الفقد. لكن في خطاب التعبئة تبدأ عند هذه النقطة حلقة جديدة.

تشيع جماعة الحوثي قتلاها في مناطق سيطرتها وسط الصور والشعارات والخطب والزوامل. وتُرفع صورة المقاتل ويُقدم باعتباره "شهيدًا" و"بطلا"، ثم تنتشر صور التشييع عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل والفعاليات المحلية.

وهنا، بحسب ناشطين، لا يعود المقاتل المقتول مجرد خسارة بشرية، بل يتحول إلى جزء من خطاب الاستقطاب.

يقول ناشط من محافظة إب إن الجماعة "تحاول تقديم موت المقاتل باعتباره قصة نجاح، حتى لا ينظر إليه الشباب باعتباره خسارة". ويضيف: "بدلًا من أن يسأل الشاب: لماذا مات؟ يُراد منه أن يسأل: كيف أصبح مثله؟".

وهكذا تكتمل الدائرة: الشاب الذي استُقبل في المعسكر بالزامل والخطاب التعبوي، قد يعود بعد أشهر في جنازة يتصدرها الزامل نفسه، ثم تتحول صورته وقصته إلى جزء من المشهد الذي يستقبل دفعة جديدة من المجندين.

دائرة لا تتوقف

في مناطق أنهكتها الحرب والفقر والبطالة وانقطاع الرواتب، تتداخل الحاجة الاقتصادية مع الخطاب الديني والحديث عن فلسطين والزوامل والوعود المالية لتشكيل دوافع مختلفة للالتحاق.

وبين المعسكر والجبهة والجنازة، ترسم الشهادات مسارًا متكررًا: شاب يدخل على وقع زامل حماسي، ومقاتل يصل إلى جبهة لم يتوقعها، وقتيل يعود إلى أسرته، ثم تعود صورته إلى الشارع ضمن خطاب يستهدف مقاتلين جددًا، وهكذا، لا يكون التابوت دائمًا نهاية الحكاية؛ فقد يصبح، في ماكينة التعبئة، بداية حكاية أخرى.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية