تعز عاصمة الثقافة في مواجهة النزوح وتآكل النسيج المجتمعي
مجتمع إنساني
منذ 4 ساعات
مشاركة

تجلس أمّ شهد ناصر سعيد راوح أمام منزلها في حي ديلوكس بمديرية القاهرة وسط مدينة تعز، جنوبي غرب اليمن، مستذكرة أيامًا كان فيها “الجار قبل الدار”. تقول بحسرة: “الناس تغيّرت، لم تعد تلك الروح التي غلب عليها التفاهم والتراحم بين الجيران القدماء والجدد”. تعكس هذه الحكاية واقع المدينة التي طالما اعتُبرت عاصمة الثقافة اليمنية، حيث يواجه السكان تحدّيًا مزدوجًا يتجاوز آثار الحرب المستمرّة إلى الحفاظ على الروابط الاجتماعية أمام موجات النزوح المتسارعة، فكيف يمكن لتعز أن تحافظ على هويتها الثقافية والاجتماعية في ظلّ تآكل النسيج المجتمعي التقليدي مع تزايد أعداد النازحين؟!

أدّى النزوح الواسع إلى تراجع ملحوظ في عادات، مثل التكافل والتراحم، مما أثار شعورًا بالاغتراب بين سكان المدينة الأصليين. وفقًا لأحدث البيانات الرسمية، بلغ عدد الأسر النازحة في المحافظة نحو 60,532 أسرة، منها نحو 7,200 أسرة في مديرية القاهرة وحدها، حسب تصريح مدير وحدة النازحين بالمديرية عليّ الدورة.

تصف أمّ شهد كيف انخفض مستوى الانسجام بنسبة تصل إلى 80%، مما انعكس على الأطفال؛ إذ كانت علاقات الكبار أساسًا للوئام بين الصغار، مؤكّدة عدم وجود “اندماج حقيقي” بين النازحين والسكان الأصليين. تكشف هذه الشهادات عن فجوات واضحة في الألفة والترابط الاجتماعي، حيث تراجعت الأمثال الشعبية، مثل “اللمّة رحمة” و “جارك القريب ولا أخوك البعيد“، لكن التغيير يبدأ من الداخل، كما تؤكّد أم شهد، مما يشير إلى أنّ الضغط الديموغرافي يهدّد الروح الاجتماعية المتوارثة.

في المنزل المجاور، تعبر أمّ وليد درهم عن حنين مشابه: “الجار قبل الدار لم تعد موجودة”، تقولها بمرارة مضيفة: “قد تموت في بيتك ولا أحد يعرف”. تروي كيف كان الجيران يتقاسمون الأفراح والأحزان، يزورون المرضى ويجتمعون في المساجد، حيث كانت “المجورة” قوية والتكافل جزءًا من الروتين. أما اليوم، فكلٌ منشغل بنفسه ولم يعد عاقل الحارة، وفق أم وليد، يعرف أحوال السكان؛ إذ ترى أنّ التغييرات طالت الأخلاق والسلوكيات، وتصف المجتمع بأنه “مفكّك”.

ومع إيمانها بمقولة “الجماعة رحمة“، تشكو المرأة من غياب مبادرات حقيقية لإحياء الإرث الشعبي. هذا الوصف يُبرز كيف أنّ النزوح تجاوز تغيير الديموغرافيا، إلى إضعاف الروابط اليومية، مما يستدعي جهودًا لإعادة بناء الثقة قبل أن يصبح الاغتراب دائمًا.

منظور النازحين

من جانب النازحين في مدينة تعز، يبرز شعور بالاغتراب يعيق الاندماج، رغم وجود مقومات مشتركة، مثل الدين واللغة. تسكن أم نبراس باسل، القادمة من محافظة أبين جنوبي اليمن، في الحي نفسه، وتصف شعورها بالانتماء بأنّه “لم يتشكل حتى بنسبة 1%”، و “كل واحد في حاله“، تقولها مختصرةً تجربتها، مشيرة إلى غياب المجاورة والترابط، وتستذكر وصية الرسول بالجار، لكنها ترى أن البعض يستخدم جاره فقط وقت الحاجة.

تتحدّث المرأة عن غربتها الكبرى بعيدًا عن أهلها وافتقادها لدفء العلاقات في أبين، حيث “كُنا يدا واحدة، نأكل معًا ونضحك معًا ونحزن معًا“. في تعز، لا أحد يشعر بجوع الآخر أو حزنه بحسب وصفها، وترى أن الاستقرار كان ضرورة سكنية بسبب شحّ البيوت، قائلة: “تحمّلنا من أجل البيت لا من أجل الجار”. تبين هذه الرواية أن الاغتراب متبادل، ويؤكّد الحاجة إلى جسور ثقافية لتحويل النزوح من عبء إلى فرصة للتعايش.

ورغم التحديات التي يواجهها النازحون في الاندماج داخل المجتمعات الجديدة، فإن وجود مقومات ثقافية مشتركة يمكن أن يفتح الطريق أمام بناء علاقات أكثر تقاربًا وثقة. على سبيل المثال تقدّم نوران، وهي طالبة علم اجتماع نازحة من الحديدة منذ خمس سنوات، رؤية أقلّ حدة؛ إذ تشير إلى أن الدين واللغة والتاريخ تمثل عناصر مشتركة بين الناس، غير أنّ شعور الاغتراب يظلّ مرتبطًا بالبيت القديم وجيران الطفولة. وتوضّح أن البساطة والألفة التي اعتادتها في الحديدة لم تجدها كاملة في تعز، خاصة في تعامل بعض الشابات، لكنّها ترى في المقابل أن الموروثات الثقافية يمكن أن تكون جسرًا للتقارب إذا فُعّلت، داعية إلى نشر الوعي بأنّ “النازحين إخوة، وكلنا معرّضون لمثل هذه الظروف”. ويُبرز هذا الطرح أن تعزيز قيم الجوار والتكافل، كما في المقولة الشعبية “جارك القريب، ولا أخوك البعيد“، يمكن أن يتحوّل إلى ممارسة يومية تُسهم في إعادة بناء الثقة بين النازحين والمجتمع المضيف، وتحول تجربة النزوح من مصدر توتر إلى فرصة لتعزيز التماسك الاجتماعي.

لقد أحدث النزوح في تعز ضغطًا ديموغرافيًا يمتدّ إلى الخدمات الأساسية، مما يعمّق التوترات الاجتماعية. هذا الضغط يمتدّ إلى الصحة والتعليم والمياه والمأوى والأمن الغذائي. ومع محدودية الموارد وتدهور البنية التحتية بفعل الحرب، تواجه المجتمعات المضيفة والنازحون تحديات يومية. وعلى الرغم من وجود بعض المبادرات المجتمعية والدورات التدريبية لتعزيز التعايش، يظلّ نجاحها مرهونًا باستعداد الأفراد للتغيير، كما ترى أم شهد.

هذا الواقع يستدعي توسيع التدخلات الإنسانية والتنموية لتشمل مشاريع مستدامة في البنية التحتية والتمكين الاقتصادي، إلى جانب برامج لدعم التماسك المجتمعي للحد من التوترات. تدعو أم شهد وحدة النازحين الشركاء إلى تكثيف الجهود في تعز، مع أولوية لمديرية القاهرة بالاستثمار في المياه والصحة والتعليم والمأوى، ودعم المبادرات للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. كما تؤكّد هذه الضغوط أنّ الحلول يجب أن تكون شاملة، تجمع بين الإغاثة الفورية والتنمية طويلة الأمد لمنع تفاقم التفكك.

دور القيادات المجتمعية والثقافية

للقيادات المجتمعية والثقافية دور محوري في حماية النسيج الاجتماعي وإعادة بنائه؛ إذ تؤكد زينب القاضي، مديرة إدارة تنمية المرأة بمديرية القاهرة، أنّ استعادة التماسك تتطلّب توحيد الخطاب وفتح الحوار مع تقديم المصلحة العامة. العمل التشاركي في النظافة والإغاثة وتأهيل النساء أمر بالغ الأهمية بحسب زينب، وترى أنّ الفعل المشترك يبني الثقة، مؤكّدة تنفيذ مبادرات لرصد الاحتياجات وحصر النازحين، وتدريب في الخياطة والأمن الرقمي، ودورات في السلام العائلي والدعم النفسي.

أضعفت التغيرات الهيكلية جراء الحرب، مثل تفكّك الأسر وارتفاع الفقر، الروابط الاجتماعية؛ إذ ترى القاضي أن الحكمة الشعبية يمكن أن تبني الثقة إذا تحولت إلى برامج مثل تفعيل التكافل و “الصلح خير”.  وتطرح المسؤولة المحلية خمسة مرتكزات: استعادة الذاكرة المشتركة، تحويل الثقافة إلى حوار، تمكين النخب المعتدلة، تعزيز المواطنة، وإشراك الشباب والمرأة. تبرز هذه الرؤية أنّ القيادات يمكنها تحويل الثقافة من تراث إلى أداة عملية للترميم الاجتماعي.

مع تفكّك النسيج الاجتماعي نتيجة التحوّلات والصراعات، تبرز الحاجة إلى مبادرات ثقافية فاعلة تعزّز ثقافة التعايش وترسّخ الهوية اليمنية وتُعيد إحياء القيم التشاركية في المجتمع. وفي هذا السياق، يوضّح وضاح اليمن، مؤسّس مؤسّسة إرم للتنمية الثقافية، أنّ المؤسسة تعمل على إحياء قيم التعايش بالمناصرة الثقافية، عبر برامج تهدف إلى ترسيخ الهوية اليمنية ودعم الابتكار وبناء شراكات مجتمعية. ويُضيف أن من بين خطط المؤسسة لعام 2026 إطلاق مشروع لتوثيق الحكاية الشعبية وتحويلها إلى برامج تنموية، مؤكدًا أنّ قياس الأثر يمثل عنصرًا أساسيًا في نجاح هذه المبادرات، وأنّ الرهان على المؤسّسات الثقافية يمكن أن يُسهم في ترميم الروابط الاجتماعية رغم التحديات المرتبطة بالتمويل.

فيما يؤكد قاسم إبراهيم، مدير مكتب الثقافة بتعز، أنّ خطة 2026 تعتبر الثقافة خطّ دفاع في معركة الوعي، تشمل توثيق الذاكرة الوطنية وجمع التراث الشفهي والمركزية الثقافة، يركز على التراث غير المادّي مثل جمع الأمثال التعزية وربطها بالقيم لتقديمها بلغة معاصرة للشباب، وذلك بهدف الانتقال إلى مشروع ثقافي متكامل يعزز التماسك.

ويرى الفنان مروان المخلافي الفنّ أداة لمعالجة المشكلات الاجتماعية، لكنه يشكو من غياب أعمال درامية تعالج التقارب بين السكان والنازحين أو نبذ العنصرية، كما يؤكّد ضرورة استعادة القيم الإيجابية مع اختيار الأمثال المناسبة للبناء والسلام.

أما عبد الجبار جويبر المقرمي، المهتم بالموروث، فيصف الأمثال بأنّها خبرة تراكمية تعزّز الترابط، مثل “الجار قبل الدار” و “يد واحدة ما تصفق”، يرجع تراجعها إلى التحولات السياسية وثورة التواصل، كما يدعو إلى توثيق التراث وتداوله مع الحفاظ على الهوية كالأزياء والأكلات.

أدّت التغيرات الديموغرافية والحرب إلى بروز حالة من التوجّس الاجتماعي بين بعض فئات المجتمع، ما يستدعي دورًا أكبر للمؤسسات الثقافية والاجتماعية في معالجة هذه التحديات وتعزيز التماسك. وفي هذا الاتجاه تُشير ألطاف الأهدل، مدير إدارة الإعلام بمكتب الشؤون الاجتماعية، إلى أنّ التوجّس الاجتماعي ناتج عن هذه التحولات، مقترحة نشر ثقافة الانفتاح وتفعيل القوانين، إلى جانب دور الجامعات في إعادة تقييم العلاقات الاجتماعية وتعزيز قيم التعايش. من جانبه يرى رمزي الدميني، مدير الآثار، أن الحرب عمّقت بعض الانقسامات، لكنّها في الوقت نفسه كشفت عن أشكال من التكافل بين الناس في أوقات الأزمات. ويؤكّد أن إدراج الثقافة ضمن خطط السلام، إلى جانب تمويل البرامج الثقافية وتوثيق قصص الحرب، يمكن أن يُسهم في تعزيز الوعي المجتمعي وإعادة بناء الثقة بين أفراد المجتمع. وهذه الرؤى المتقاطعة تؤكّد أنّ القيادات الثقافية قادرة على تحويل التحديات إلى فرص، ببرامج توثيقية وتدريبية تعيد الثقة والتماسك.

ختامًا، تكشف الشهادات والرؤى المطروحة أن مدينة تعز، رغم ما واجهته من موجات نزوح وضغوط ديموغرافية، ما تزال تمتلك فرصة لاستعادة روحها الاجتماعية بالثقافة بوصفها أحد أهم أدوات ترميم العلاقات بين الناس. فحالة الاغتراب المتبادَل بين السكان والنازحين، إلى جانب تراجع بعض العادات التقليدية، تُبرز الحاجة إلى مبادرات مجتمعية مشتركة تُفعّل قيم التكافل وتُعيد إحياء التراث الثقافي؛ لتتحول الأمثال الشعبية من أقوال متداولة إلى ممارسات يومية تعزّز الثقة والتقارب. وفي ظلّ استمرار تحديات النزوح، يصبح التماسك الاجتماعي ضرورة وطنية لحماية النسيج المجتمعي للوطن كله، ما يجعل الأمل معقودًا على قدرة المدينة على استعادة هويتها القائمة على التضامن، لتظلّ تعز فضاءً للثقافة والتعايش لا ساحة للصراع.

  • تم إعداد هذا المقال بدعم من مشروع توظيف الشباب من خلال التراث والثقافة في اليمن، ضمن مكوّن “المناصرة الثقافية”، الذي تنفذه منظمة اليونسكو بالشراكة مع مؤسسة حضرموت للثقافة، وبدعم مشترك من الاتحاد الأوروبي والمؤسسة، وتنشره منصتي 30 في إطار شراكتها الإعلامية مع المشروع.
  • المحتويات هي مسؤولية المؤلف فقط، ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر اليونسكو، أو مؤسسة حضرموت للثقافة، أو الاتحاد الأوروبي.

The post تعز عاصمة الثقافة في مواجهة النزوح وتآكل النسيج المجتمعي appeared first on منصتي 30.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية