تقرير أعده لـ”يمن ديلي نيوز” عارف الواقدي: من أهازيج المزارعين في الحقول اليمنية إلى منصات “تيك توك” و”يوتيوب” و”إنستغرام وفيسبوك.. قطعت عبارة “دق دق سبعتين.. سبعة صفر مرتين”، مسافة طويلة، قبل أن تتحول خلال فترة وجيزة إلى واحدة من أكثر العبارات تداولًا على منصات التواصل الاجتماعي، وتدخل نسخها المختلفة إلى المحتوى العربي والأجنبي.بدأت القصة من مقطع عفوي لشاب يمني يردد كلمات وإيقاعًا شعبيًا إلى جانب مزارعين، بإحدى مزارع القات في صنعاء، قبل أن يعاد تداول المقطع على نطاق واسع، ثم يدخل عليه صناع المحتوى توزيعات موسيقية حديثة ومقاطع مصورة وأداءات مختلفة، وصولًا إلى استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في إعادة إنتاجه بأصوات وألحان متعددة.لكن خلف العبارة التي يرددها الملايين قصة أقدم بكثير من منصات التواصل؛ قصة مرتبطة بفن شعبي يمني يعرف باسم “المهجل اليمني”، ظل لعقود جزءًا من الحياة اليومية للمزارعين والعمال في الحقول.من أين جاءت “سبعتين”؟تتردد في النسخة التي تحولت إلى ترند عبارة “دق دق سبعتين.. سبعة صفر مرتين”، في إشارة فكاهية إلى الأرقام التي تبدأ بها أرقام الهواتف في اليمن، فيما أصبحت كلمة “سبعتين”، هي المفتاح الذي عُرفت به الأغنية على منصات التواصل.أما النسخ الأقدم من الأهزوجة فتتضمن عبارات مختلفة، من بينها: “سبعتاي دق دق سبعتاي.. صباح الخير جلجلة.. على البيض المحجلة.. على كم من سفرجلة”، وهي عبارات تنتمي إلى نمط الأهازيج الشعبية التي تتناقلها الأجيال شفهيًا ولا ترتبط، في أصلها، بعمل فني حديث أو إنتاج موسيقي معاصر.وتشير الروايات المتداولة إلى أن مقطعا صُوّر في إحدى المزارع اليمنية، أثناء مشاركة الشاب مع المزارعين في ترديد الأهزوجة، كان من بين المقاطع التي ساهمت في دفع اللحن إلى واجهة منصات التواصل، قبل أن يتولى مستخدمون إعادة إنتاجه وتوظيفه في مقاطع مختلفة.ومع اتساع الانتشار، خرج اللحن من سياقه اليمني المحلي، وبدأ صناع محتوى عرب وأجانب في استخدامه بأشكال مختلفة، ما جعله حاضرًا في مقاطع الرقص والمحتوى الترفيهي، وفي نسخ موسيقية تعتمد على التعديل الرقمي والذكاء الاصطناعي.”المهجل”.. الأغنية التي وُلدت في الحقوللا تمثل “دق دق سبعتين” أغنية منفصلة عن سياقها الشعبي، بقدر ما تكشف عن جانب من فن المهجل اليمني، وهو أحد أشكال الفلكلور الشفهي الذي ارتبط تاريخيًا بالعمل الزراعي.وكان المزارعون يرددون هذه الأهازيج أثناء العمل في الحقول، بما في ذلك مواسم جني المحاصيل والقات، بهدف كسر رتابة العمل والتخفيف من مشقته وبث الحماس بين العاملين.وبخلاف الأغنية الحديثة التي تُكتب وتُسجل وتنتج داخل الاستوديوهات، انتقل المهجل بصورة أساسية من جيل إلى آخر عبر الذاكرة والممارسة اليومية، وهو ما جعله جزءًا من المشهد الاجتماعي في مناطق زراعية يمنية عديدة.ومع تغير أنماط الحياة وتراجع بعض أشكال العمل الزراعي التقليدي، واجه هذا النوع من الفنون الشعبية خطر التراجع والاندثار، قبل أن تأتي المفارقة من المكان الذي لم يكن متوقعًا أن يعيد إليه الحياة: التكنولوجيا ومنصات التواصل الاجتماعي.فالمقطع الذي خرج من بيئة زراعية محدودة، أصبح قادرًا عبر هاتف محمول ومنصة رقمية على الوصول إلى جمهور يتجاوز الحدود الجغرافية لليمن.من أغنية شعبية إلى ظاهرة رقميةساعدت طبيعة اللحن القصيرة والقابلة للتكرار على انتشار “دق دق سبعتين” بصورة واسعة، إذ أعاد مستخدمون تركيبها في مقاطع مختلفة، بينما استُخدمت تقنيات حديثة لإنتاج نسخ جديدة منها، بعضها بأصوات وأداءات لا علاقة لها بالبيئة اليمنية التي خرج منها اللحن.ومع كل إعادة إنتاج، ابتعدت الأغنية تدريجيًا عن شكلها الأصلي، لكنها في الوقت ذاته حافظت على الإيقاع الأساسي الذي ارتبط باسم “دق دق سبعتين”.واستفاد بعض صناع المحتوى من موجة الانتشار في الترويج لأنفسهم، وظهرت نسخ تضمنت أسماء وأرقام هواتف، في محاولة للاستفادة من الشهرة الواسعة التي حققها الترند.وهكذا لم تعد “دق دق سبعتين” مجرد أهزوجة يعاد نشرها، بل تحولت إلى قالب مفتوح يعيد كل مستخدم تشكيله وفق المحتوى الذي يريد تقديمه.من الترفيه إلى السياسةلم يبق اللحن بعيدًا عن الاستقطاب الذي يطبع المشهد اليمني، إذ دخل الترند لاحقًا في سياقات سياسية، وأعيد استخدامه في نسخ تحمل رسائل ومواقف مختلفة.ومن بين أبرز أشكال هذا الاستخدام إعادة جماعة الحوثي المصنفة إرهابية، توظيف اللحن في محتوى دعائي ذي طابع عسكري، من خلال تغيير الكلمات وربطها بالصواريخ والسفن والرسائل الحربية.وأثار هذا التوظيف انتقادات من يمنيين رأوا أن الانقسام السياسي الذي يطبع البلاد امتد حتى إلى فن شعبي بسيط كان أصله مرتبطًا بالحقول والعمل والحياة اليومية، بينما رأى آخرون أن انتشار اللحن، بصرف النظر عن الاستخدامات التي طرأت عليه، يمثل فرصة لإعادة تقديم جزء من الفلكلور اليمني إلى جمهور عربي وعالمي.ومع اتساع رقعة الانتشار، خرج اللحن من سياقه اليمني إلى محتوى عالمي متنوع، وظهرت مقاطع مركبة أضيف إليها الترند، من بينها فيديو متداول للرئيس الأمريكي دونالد ترامب يظهر فيه وهو يتراقص، مع تركيب الأغنية على المشهد، في نموذج يعكس مدى انتقال اللحن من سياقه المحلي إلى المحتوى الرقمي العالمي.ولم يقتصر استخدام الترند على الجانب الترفيهي، إذ دخل أيضًا في السجال السياسي اليمني. فقد استخدم فنانون ساخرون مؤيدون للحكومة اليمنية والشرعية اللحن والكلمات المتداولة في إنتاج مقاطع ساخرة من جماعة الحوثي، وإعادة توظيف عبارات الأغنية في سياقات تنتقد الجماعة وخطابها العسكري.https://x.com/ydnnews1/status/2087225888656007466?s=20الشهرة التي تحولت إلى عبءالمفارقة الأبرز في قصة “دق دق سبعتين” لا تتعلق بالانتشار وحده، وإنما بما رافق الشهرة من ضغوط على صاحب المقطع الذي ساهم في انتشار النسخة الحديثة من الترند.ففي مقطع مصور نشره الشاب لاحقًا، عبّر عن أسفه لتسجيل المقطع وانتشاره، متمنيًا لو أنه لم يتحول إلى ترند، بعدما قال إنه أصبح يواجه مضايقات واستدعاءات متكررة في منطقته.https://ydn.news/?p=129102وبحسب ما ذكره، تلقى استدعاءات من مشايخ في قريته ومن أجهزة الشرطة، إضافة إلى ملاحقات واتهامات من أشخاص آخرين قالوا إنه “سرق الترند”، أو استولى على فكرة يزعمون أنها تعود إليهم.
وتكشف هذه الواقعة جانبًا آخر من الوجه غير المتوقع للشهرة الرقمية؛ فالمقطع الذي منح صاحبه انتشارًا واسعًا، وضعه في الوقت ذاته أمام خلافات وضغوط لم تكن جزءًا من حياته قبل أن يتحول اللحن الشعبي إلى ظاهرة رقمية.
تراث أعادته التكنولوجيا
وبعيدًا عن الجدل الذي رافق الترند، أعادت “دق دق سبعتين” الاهتمام بفن المهجل اليمني، وفتحت نقاشًا حول مصير الأهازيج الشعبية التي ظلت لسنوات بعيدة عن التوثيق الرسمي والإنتاج الفني الحديث.
والمفارقة أن التكنولوجيا التي ساهمت في تغيير أنماط الحياة التي هددت هذا الفن بالاندثار، كانت نفسها الأداة التي أعادته إلى دائرة الاهتمام.
وبالنسبة لكثير من اليمنيين، فإن وصول مهجل زراعي إلى منصات عالمية لا يمثل مجرد نجاح لأغنية عابرة، بل فرصة لتعريف الجمهور الخارجي بجانب من التراث الشعبي اليمني الذي ظل طويلًا محصورًا في القرى والحقول.
لكن هذا الانتشار يطرح في المقابل سؤالًا أكثر أهمية: هل ستتحول هذه الظاهرة العابرة إلى مشروع حقيقي لتوثيق المهاجل اليمنية وحفظها ونسبها إلى بيئاتها وأصحابها، أم أن “دق دق سبعتين” ستبقى مجرد ترند ينتهي بانتهاء موجة التداول؟.
في كل الأحوال، خرجت الأهزوجة من الحقل إلى العالم، وأثبتت أن جزءًا من التراث اليمني الذي ظل مجهولًا خارج بيئته قادر، بإيقاع بسيط وكلمات عفوية، على الوصول إلى جمهور واسع يتجاوز الحدود.
وربما تكون المفارقة الأكبر أن “المهجل” الذي ارتبط قديمًا بأصوات المزارعين لتخفيف مشقة العمل، وجد في عصر المنصات الرقمية وسيلة جديدة للحياة؛ من الحقول اليمنية إلى ملايين الشاشات حول العالم.
ظهرت المقالة “دق دق سبعتين”.. “مهجل” يمني خرج من حقول القات إلى الترند العالمي أولاً على يمن ديلي نيوز Yemen Daily News.