Arab
يتجاوز ما يجري اليوم بين الولايات المتحدة وإيران مجرّد حرب يمكن قراءتها ضمن سياق تقليدي، ولا حتى أزمة عابرة يمكن توقّع مآلاتها بسهولة، إذ ما يلفت الانتباه أكثر هذا العجز الواضح، حتى لدى كثيرين من المحللين وصنّاع القرار، في تقديم صورة متماسكة لما يمكن أن يكون عليه "اليوم التالي".
ليست المشكلة في نقص المعلومات، بل في هذا التشابك غير المسبوق في مستويات الصراع، الذي يجعل من الصعب بناء سيناريوهات مستقرّة أو رهانات واضحة، فالمشهد لا يتحرّك في مستوى واحد، بل يتشكّل، في الوقت نفسه، على أكثر من طبقة: دولية، وإقليمية، وداخلية، تتداخل وتتقاطع بصورةٍ تجعل من أي قراءةٍ خطّيةٍ أقرب إلى التبسيط منها إلى الفهم.
في المستوى الدولي، تبدو الحرب كأنها تجري تحت سقف تنافسٍ أوسع بكثير. صحيحٌ أنّ الصين وروسيا ليستا طرفين مباشرين، لكن حضورهما حاضر في الخلفية، عبر هذا التنافس المفتوح مع الولايات المتحدة، الذي ينعكس على حسابات الحرب ونتائجها. فقد يبدو الصراع الحقيقي أحياناً هناك، في مكانٍ آخر، بينما ما يجري في المنطقة ليس سوى أحد تمظهراته. وينطبق الأمر نفسه على العلاقة بين واشنطن وأوروبا، في ظل سياسات ترامب، والغموض الذي يحيط بمستقبل حلف الناتو، وهي تحولاتٌ لا ترتبط فقط بأسلوب إدارة، بل تعكس تغيّرات أعمق في بنية النظام الدولي وموازين القوى.
من جانبٍ آخر، لا ينفصل الصراع، كما تكشفه هذه الحرب، عن الداخل. في إيران، يتقدّم دور الحرس الثوري، وتتداخل حسابات الأمن مع السياسة، بما يجعل من الصعب الفصل بين من يقرّر ومن ينفّذ. وفي الولايات المتحدة، لا يمكن قراءة قرارات الحرب من دون التوقف عند تحوّلات الداخل، وصعود تيارات مثل "أميركا أولاً"، والدور المتزايد للجماعات المسيحية الصهيونية في التأثير بسياسات إدارة ترامب، بخاصة ما يتعلّق بالشرق الأوسط وإسرائيل، بالإضافة إلى تأثير جماعات الضغط، التي باتت جزءاً من معادلة القرار، لا مجرّد عامل هامشي فيها.
تتكرّر هذه الصورة، بدرجاتٍ مختلفة، في أكثر من ساحة. في لبنان، تتداخل حسابات الدولة في الدخول في مفاوضات سلام مباشرة مع إسرائيل مع الأزمة بينها وبين حزب الله، ومع حضور فاعلين من خارجها. وفي العراق، يتشابك الداخل مع الإقليم بصورة يصعب معها رسم حدود واضحة بين الاثنين، وفي أكثر من دولة عربية، يبرُز سؤال الدولة نفسه: إلى أي حدٍّ لا يزال هذا الإطار قادراً على إدارة التوازنات، أم أنه بات يكتفي بردّ الفعل؟ هذه الفجوة تحديداً تفسّر جانباً مهمّاً من حالة الفراغ الاستراتيجي التي تعيشها المنطقة اليوم.
وفوق هذا كله، يتقدّم العامل الاقتصادي ليصبح في قلب المشهد، لا في هامشه، من مضيق هرمز إلى سلاسل الإمداد، ومن الممرّات البحرية إلى المعادن النادرة وأشباه الموصلات، تتشكّل معادلةٌ جديدة، تتداخل فيها المصالح بطريقةٍ تجعل من الصعب الفصل بين الأمن والسياسة والاقتصاد. لم تعد الحروب تُخاض فقط لحسم نزاع، بل لإعادة ترتيب المواقع داخل شبكة عالمية معقّدة، ويصبح وزن العامل الاقتصادي محرّكاً رئيسياً لمشروعات دولية وإقليمية تعمل بصمت في ظل المشهد، لكنها ستكون غداً مفتاحاً مهماً لفهم ما يحدث.
في هذا السياق، تكتسب الدراسة التي أنجزها رئيس الوزراء الأردني الأسبق، عمر الرزاز، مع الخبير الاقتصادي الأردني، حازم رحاحلة، عن "تقهقر النيوليبرالية" (نشرها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات) دلالة إضافية، فهي لا تقرأ التحولات الاقتصادية بوصفها مسألة تقنية، بل جزءاً من تفكك أوسع في الأسس التي قام عليها النظام الاقتصادي العالمي، بما في ذلك الدور الذي لعبته الولايات المتحدة نفسها في رعايته عقوداً. ويمكن أن نضيف إلى ذلك تراجع المظلة القيمية الليبرالية، التي كانت، ولو نظريّاً، توفر إطاراً ناظماً للعلاقات الدولية.
ضمن هذا التداخل، يصبح الحديث عن "اليوم التالي" أقرب إلى التخمين منه إلى التقدير. ليس لأن الصورة غامضة بالكامل، بل لأن عناصرها تتشكّل في أكثر من مستوى في الوقت نفسه، وتتغيّر بسرعة تفوق قدرة أي قراءة واحدة على الإحاطة بها. ما نعيشه ليس لحظة عابرة، بل مرحلة انتقال، تتراجع فيها مسلّمات قديمة، من دون أن تستقر قواعد جديدة بعد.

Related News
ما الذي سيفعله ترامب في بكين؟
alaraby ALjadeed
1 hour ago