Arab
أثار تعليق نشاط الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان مدة شهر جدلاً واسعاً في تونس، إذ أكد سياسيون ونشطاء أن هذا التعليق قرار سياسي وهو مواصلة للتضييق على نشاط الجمعيات والمنظمات الحقوقية. وأكد رئيس الرابطة بسام الطريفي، في تدوينة له، أن "هذا الصرح الحقوقي هو الأعرق والأقدم في الوطن العربي والقارة الأفريقية، خمسون سنة من النضال والصمود في الدفاع عن الحقوق والحرّيات تحت كل الأنظمة ورغم كل العقبات"، مضيفاً أن الرابطة "لا تنحني ولن تنال منها الملاحقات الأمنية والقضائية وسيواصل الرابطيون والرابطيات النضال من أجل الدفاع على الحقوق والحريات كما عهدتموهم".
جمال الدين السبع: الرابطة صامدة ولديها واجبات في الدفاع عن حقوق الإنسان، وعازمة على القيام بدورها مهما كانت الظروف
من جهته، أكد نائب رئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان جمال الدين السبع، في تصريح لـ"العربي الجديد"، تعليق نشاط الرابطة مدة شهر. وأوضح السبع أن الرابطة تتعرض منذ مدة إلى تضييقات، من ذلك المنع من زيارة بعض السجون، وقد قدمت قضيتين في هذا الغرض، مشيراً إلى أن القرار سياسي. واعتبر السبع أن ما حصل سابقة في تاريخ الرابطة، مبيناً أن السلطة طلبت مدّهم بوثائق وتمّ الامتثال لذلك، مؤكداً أن القرار جائر وظالم. ولفت إلى أن الرابطة صامدة ولديها واجبات في الدفاع عن حقوق الإنسان وحماية المواطنين، مؤكداً عزمهم القيام بدورهم مهما كانت الظروف.
الرابطة التونسية: قرار خطير
وأكدت الرابطة في بيان لها، مساء أول من أمس الجمعة، أنه "بلغ إلى علم الهيئة المديرة، مساء 24 إبريل/نيسان (الحالي)، خبر يفيد بتعليق نشاطها مدة شهر"، مؤكدة التزامها التام باحترام جميع التراتيب القانونية والإدارية الجاري بها العمل، مبينة أن هذا القرار "إجراء تعسفي وخطير، ويشكل انتهاكاً صارخاً لحرية التنظيم والعمل الجمعياتي، ومساساً مباشراً بأحد أهم المكاسب الديمقراطية والحقوقية التي ناضل من أجلها التونسيون والتونسيات". وقالت الرابطة إن هذا الإجراء "لا يمكن اعتباره معزولاً عن سياق عام تعيشه البلاد يتسم بتصاعد التضييق الممنهج على المجتمع المدني والأصوات الحرّة والمستقلة، ومحاولة مكشوفة لإخضاع كل من ظل وفياً للمبادئ الكونية لحقوق الإنسان، ومدافعاً عن دولة القانون والمؤسسات، وعن حرية التعبير وحرية التنظم والتعددية، ومواصلة لسعي السلطة للتضييق على عمل الرابطة، والذي برز في الفترة الأخيرة، خصوصاً من خلال تعليق العمل بمذكرة التفاهم المتعلقة بزيارة السجون، في استهداف واضح للدور الرقابي والحقوقي الذي تضطلع به الرابطة في كشف الانتهاكات والدفاع عن الضحايا".
وشدّدت الرابطة على أنها ستتولى الطعن في هذا القرار الجائر وتقديم كل المعطيات التي تؤكد احترامها جميع القوانين والتراتيب ذات العلاقة بنشاطها، محملة السلطات المسؤولية الكاملة عن كل ما قد يترتب عن هذا القرار من مساس بالحرّيات العامة وبسلامة الفضاء المدني، داعية مكونات المجتمع المدني والقوى الديمقراطية والحقوقية كافة إلى التكاتف والتجند دفاعاً عن الرابطة وعن حرية التنظيم والتعبير.
وعن هذا القرار، قال المتحدث باسم الحزب الجمهوري وسام الصغير إنه تمّ المرور إلى طور جديد من الاستهداف الذي طاول العديد من المنظمات والجمعيات ونشطاء المجتمع السياسي، مبيناً في تصريح لـ"العربي الجديد" أن استهداف الرابطة، وهي المنظمة العريقة التي لديها أكثر من 50 عاماً من الخدمة، والأقدم في الدفاع عن الحقوق والحريات، يندرج في إطار المزيد من ملاحقة الأجسام الوسيطة، مؤكداً أن جميعها مستهدف تقريباً بالأسلوب نفسه، وهذا دليل على وجود أزمة لدى السلطة، ومحاولة لإلهاء الرأي العام للتغطية على الفشل الاجتماعي والاقتصادي. كما بيّن الصغير أن هذا دليل على فشل إيجاد سياسات تنموية واجتماعية قادرة على ضمان مقومات العيش الكريم، مضيفاً أن استهداف الرابطة عنوان للاستبداد السياسي واستهداف لكل صوت وهيكل له رأي مخالف للنظام، مشيراً إلى أن الرابطة لا تزال تمارس دورها في الدفاع عن الحقوق والحرّيات التي هي عنوان الاستهداف من قبل منظومة الحكم، وبالتالي كان لا بد من إسكات هذه المنظمة التي تندد بالانتهاكات والخروق. وعدّ استهدافها محاولة لإسكات كل الأصوات المنددة بالانحدار الحاصل.
طبقة إضافية من التضييق
أما القيادي في حركة النهضة محسن السوداني، فقال لـ"العربي الجديد" إنه ليس هناك وضوح حول الأسباب التي تقف وراء هذا الإجراء إلى حد الآن، خصوصاً الدوافع القانونية التي حملت الجهات الرسمية على تعليق نشاط الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان مدة شهر، مؤكداً أنه مهما يكن من أمر، فإنه كان يُفترض ألا تتخذ إجراءات إلا بعد التثبت والتحقق من وجود مخالفات من عدمها.
وسام الصغير: الرابطة منظمة عريقة لديها أكثر من 50 عاماً من الخدمة، والأقدم في الدفاع عن الحقوق والحريات
أما من الناحية السياسية، فاعتبر السوداني أن هذا الإجراء يأتي في سياق استهداف كل المنابر المدافعة عن الحريات والحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية، والتضييق على النشاط المدني، وهو ما يمثل انتهاكاً لحرية التنظم والنشاط الجمعياتي، مع العلم أن هذا الإجراء ليس الأول من نوعه، فقد سبق أن اتُخذت إجراءات مماثلة بحق جمعيات ومنظمات وهيئات من المجتمع المدني. وتابع أنه إذا استمرت الإجراءات التعسفية التي تنال من المكاسب الوطنية، فإنها ستؤدي إلى تجريد الفضاء العام من كل الرموز والهيئات الوطنية، مشدداً على أن جود المنظمات والجمعيات لا يضعف الدولة، بل يقوّيها ويحقق التوازن الاجتماعي والسياسي.
أما عضو الفرع الجهوي للرابطة سابقاً الناشطة الحقوقية نائلة الزغلامي، فرأت أن استهداف الرابطة يندرج في إطار مواصلة التضييقات على الأجسام الوسيطة من منظمات وجمعيات، والفاعلين في الحقل الحزبي والسياسي، والمحامين، والإعلاميين، مؤكدة في حديث لـ"العربي الجديد" أن التضييقات على المجتمع المدني والأجسام الوسيطة والتهديد بالإغلاق وإيقاف النشاط، يأتي في إطار التخويف والترويع، وهناك قضايا عدة مفتوحة في حق العديد منها، كجمعية النساء الديمقراطيات والمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية ومنامتي.
وبيّنت الزغلامي أن الهدف من هذا التضييق هو تقليص مجال الحريات والفضاء العام الناشط في الدفاع عن الحقوق والحريات. وتابعت أن "دور المجتمع المدني يتمثل تاريخياً في معاضدة جهود الدولة لبناء الديمقراطية الفعلية التي تحترم المواطنة والحقوق والحرّيات، ولكن للأسف اليوم، فإن الجمعيات والمنظمات الناشطة تلاحق، وهناك منع سفر بحق بعض الفاعلين والناشطين في المجال السياسي"، مؤكدة أن "هذا المناخ لا يساعد على الحرّيات واحترام الحقوق خصوصاً حرية التعبير والتنظم والديمقراطية الناشئة في بلد كان من المفروض أن يكون نموذجاً في الحقوق".
وفي السياق، عبّرت المنظمة العالمية لمناهضة التعذيب عن تضامنها المطلق ودعمهما الكامل للرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان على إثر قرار تعليق أنشطتها مدة شهر. وأكدت المنظمة في بيان: "تواصل الاعتداء على الحريات العامة والتضييق الممنهج على مكوّنات المجتمع المدني في تونس"، مبينة أن الرابطة التونسية واصلت نضالها الوطني والدولي دفاعاً عن كونية حقوق الإنسان منذ ما يقارب نصف قرن بصفتها أوّل جمعية عربية وأفريقية تُعنى بحقوق الإنسان.
بدورها، أكدت الجمعية التونسية للعدالة والمساواة "دمج"، في بيان، أنها "تلقت بغضب شديد خبر تعليق نشاط الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان مدة شهر"، مؤكدة أن هذا القرار "يأتي في سياق متكامل من التضييقات على الفضاء المدني ومحاصرة الفضاءات التي يبنيها المدافعون والمدافعات عن حقوق الإنسان في محاولة مستمرة لإخضاع الشارع وترهيبه". ورأت أن "هذا القرار المتسلط لا يمكن إلا أن يزيد التمسك في المطالبة بالحرية والعدالة والمساواة والدفاع عن حقوق الإنسان أمام بطش النظام وجوره"، معتبرة أنه "اعتداء على الفضاء المدني وعلى حرية التنظم".
