Arab
تنظر الصين باهتمام بالغ إلى زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب عاصمتها بكين منتصف الشهر المقبل (مايو/ أيار)، ولقائه المرتقب مع زعيمها القوي شي جينبينغ. يتبدّى هذا الاهتمام في أنها سعت إلى إقناع إيران بالدخول في مفاوضات سلام مع واشنطن لوقف الحرب وقفاً نهائياً، وفتح مضيق هرمز، من دون الظهور طرفاً في صف طهران أو صاحبة كلمة فصل في التأثير على قرارها، والتعهد بوضوح بعدم تقديم أسلحة لها، أي إن بكين أرادت التصرّف وسيطَ سلامٍ يتوفر على علاقات متوازنة مع طرفي الحرب، لا حليفاً لأحدهما، لتهيئة مناخ طيّب يزورها فيه ترامب، ويبحث معها ملفّات شائكة وحسّاسة.
هل يعني هذا أن الصين تعلق آمالاً كبيرة على هذه الزيارة لجعلها نقطة تحوّل كبرى في الأجواء العالمية المتوترة السائدة منذ ثماني سنوات على الأقل، تفصلها عن آخر زيارة قام بها رئيس أميركي إلى الصين عندما وصل إليها ترامب نفسه في فترته الرئاسية الأولى في نوفمبر/ تشرين الثاني 2017؟ لا يمكن أن يكون هذا ممكناً في أي حال، فالقضايا الكبرى عالية القيمة الاستراتيجية، مثل شكل النظام العالمي والنفوذ داخله، والتجارة العالمية، وتطوير التكنولوجيا ومدخلات إنتاجها وبناها التحتية، ستظلّ مثار تنافس بين واشنطن وبكين، حتى لو جرى التوصل إلى تفاهماتٍ بشأنها اليوم، ربما تهدّئ حالة الصراع التي شهدها العالم بشكلٍ عميق منذ خطّة الردع المتكامل تجاه الصين التي اتّبعها بايدن في سنواته الأربع على الصعد العسكرية والاقتصادية والسياسية والتكنولوجية، وحتى رسوم ترامب الجمركية ومساعيه المتواصلة للسيطرة على الطاقة في الدول الصديقة للصين، مثل فنزويلا وإيران.
وهكذا، ستفضي الزيارة، في أحسن نتائجها الممكنة، إلى التفاهم على كيفية إدارة التنافس بين الدولتين الكبيرتين، لا إلى التوافق بشأنه، كذلك التراضي في مسائل تصدير المعادن النادرة الصينية إلى الولايات المتحدة في مقابل امتناع الأخيرة عن إغلاق السوق الأميركية في وجه الواردات الصينية، وذلك بالتراجع عن فرض رسوم جمركية عالية، هذا فضلاً عن إبرام صفقات تجارية يمكن أن تكون تاريخية، وتمكّن ترامب من العودة بصورة المنتصر الذي جلب المال الوفير من بكين، وهو تماماً ما أتاحته الصين سابقاً لقادة كندا وألمانيا وغيرهما، وستتيحه مضاعفاً لترامب، كي ترضي غرورَه وتساعده على تسويق انتصاراته للرأي العام الأميركي، ومن ذلك صفقة ضخمة تشتري الصين بموجبها 500 طائرة من طراز بوينغ، بعد سنوات من امتناع الصين عن شراء طائرات الركاب الأميركية، وتعليقها تنفيذ صفقة سابقة منها.
الصين كانت محقّة حين فضلت عودة ترامب إلى البيت الأبيض في الانتخابات الرئاسية الأميركية في 2024، على استمرار إدارة الديمقراطيين
أما قضية تايوان، التي حرّكت الصين مياهها الراكدة قبل أيام، حين التقى رئيسها في بكين زعيمة الحزب الوطني المعارض في تايوان (كومنتانغ)، تشنغ لي وون، لتؤكد بكين قبل زيارة ترامب إليها أنها لا تفكر في ابتلاع تايوان بالقوة، ولا في ضمّها عسكرياً كما تردّد الرواية الأميركية، بل تهدف إلى إعادة توحيد ضفتي مضيق تايوان عبر التكامل الاقتصادي وتحقيق مصالح الجانبين، فإن الصين نجحت في نزعها من يد واشنطن ورقة ضغط وابتزاز ضدّها، كما ظلت الولايات المتحدة تفعل خلال ولاية جو بايدن. وهذا يعني أنها لن تكون ورقة حسّاسة أو عالية القيمة في قمّة ترامب شي في بكين.
ويؤكّد هذا بحد ذاته أن الصين كانت محقّة حين فضلت عودة ترامب إلى البيت الأبيض في الانتخابات الرئاسية الأميركية في 2024، على استمرار إدارة الديمقراطيين صاحبة "الردع المتكامل" ضد الصين، ذلك أنها تدرك أن التعامل مع ترامب أسهل كثيراً: كثير من الإطراء حول كونه رئيساً استثنائياً، واستقبال فاخر يتجاوز ذاك الذي أقيم له في المدينة المحرّمة في قلب بكين عام 2017، وصفقات تجارية ضخمة ترضي رغباته المالية، ثم في المحصّلة استقرار استراتيجي يضمن للصين عدم المغامرة بمشاريعها التنموية الاستراتيجية، وفي مقدمتها مبادرة الحزام والطريق، وصولاً إلى تحقيق طموحاتها الاقتصادية الضخمة والصناعية المعقّدة، حتى لو تراجعت خطوة إلى الوراء حالياً، في شأن تحويل النظام العالمي أحادي القطبية إلى متعدّد الأقطاب.
ردات الفعل الصينية في السياسة الدولية ليست تقليدية، وتطلعاتها كذلك، فضلاً عن وسائلها وخططها
ولكن هذا التصوّر الصيني لزيارة ترامب المرتقبة، والنتائج المرجوّة منها، يعني أن بكين لا تنظر بقلق عميق إلى السلوك الأميركي المتعلق بالنفطين، الفنزويلي والإيراني، بل لا تعتبر الحصار العسكري الأميركي الموانئ الإيرانية تهديداً موجّهاً إليها وإلى وارداتها من النفط، كما نظرت من قبل إلى استيلاء واشنطن على نفط فنزويلا أمراً يمكن التفاهم بشأنه. وما دام هذا الموقف الصيني يبدو مغايراً ما تقتضيه الصراعات التقليدية بين القوى الكبرى على المواد الخام، يدلّ على أن ردات الفعل الصينية في السياسة الدولية ليست تقليدية، وتطلعاتها كذلك، فضلاً عن وسائلها وخططها، وهو ما يفسّر أولاً تجنّبها الانخراط الحقيقي في السياسة الدولية، ومحاولاتها الدائمة الظهور بمظهر الوسيط في الصراعات الكبرى، حتى وإن كانت مصالحها المباشرة في صفّ أحد أطراف الصراع، ثم تجنّبها استفزاز الولايات المتحدة، حتى وهي تسعى جاهدة إلى عرقلة نمو النفوذ الصيني في العالم، والتطلعات الصينية الإمبراطورية المستقبلية، وسعيها عوضاً عن هذا إلى الحلول الوسط التي لا تهزّ عرش أميركا ولا تؤثر على ريادتها.
من الواضح أن الطرفين سيسعيان إلى إبرام تفاهماتٍ جديدة ترث تلك التي سادت بينهما منذ نهاية الحرب الباردة في مطلع التسعينيات حتى عام 2015 الذي بدأت فيه الصين طموحاتها الكبرى، ثم اختلفا وتصارعا عليه في السنوات العشر اللاحقة. لذا ليس المهم أن تتوصل الدولتان إلى تفاهمات جديدة فحسب، تتناسب والتغيّرات التي شهدتها ظروف كل منهما وشهدها العالم خلال العقود الفائتة، بل أن يكون ممكناً الحفاظ على تلك التفاهمات لاحقاً، حفاظاً على استقرار العالم الاستراتيجي.
