آمال خليل... حين يجرِّم الانهزاميون الشاهد
Arab
1 hour ago
share
بدا غريباً ومستغرباً أن يشكو صحافي لبناني إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب القانون اللبناني الذي يمنع التواصل مع إسرائيل. لم يكن ترامب يعرف عن قانون المقاطعة، فبادره الصحافي نفسه، واسمه أنطوني مرشاق، بسؤالٍ أقرب إلى التحريض، إذا كان سيفعل شيئاً لتغيير هذا، أي وقف تجريم مقاطعة إسرائيل. ولكن الغريب قد لا يبدو غريباً أو مستغرباً في عصر الهرولة إلى إسرائيل، فالمنطق أن نتوقع سؤالاً عن وقف استهداف إسرائيل الصحافيين اللبنانيين، خصوصاً أن السؤال جاء يوم تشييع الصحافية آمال خليل التي اغتالتها إسرائيل في قصف البيت الذي احتمت به، ومنع الإسعاف من الوصول إليها، وفي الأسبوع نفسه عبر مستوطنون إسرائيليون تحت عيون الجيش المحتل جنوب لبنان. ولكن السؤال يبدو امتداداً لرؤية منتشرة، لا ترى في إسرائيل العدو، بل تحصر أزمة لبنان في وجود حزب الله، وكأن إسرائيل دولة شقيقة وصديقة، فغير مفهوم أن يعتبر أي شخص أن إلغاء قانون مقاطعة إسرائيل سيؤدّي إلى السلام، بالرغم من أن إسرائيل بدأت بالتوسّع في لبنان، خصوصاً بعد أن باشر الجيش الإسرائيلي إقامة "شريط أمني وحدودي"، وإعلان خريطة سمّتها إسرائيل "المنطقة الصفراء"، وتشمل قرى لبنانية تبقى تحت سيطرتها، إضافة الى تصريحات وزير المالية، وهو من أهم زعماء المستوطنين، ودعوته العلنية إلى ضم جنوب لبنان إلى "أرض إسرائيل". الغريب، ولم يعد أي شيءٍ غريباً، أن مِن العرب، وهذا ينطبق على بعض الفلسطينيين، مَن لا يرى في هذه التصريحات ولا في هجمات المستوطنين على قرى الضفة الغربية ومخيماتها نذير خطر على فلسطين أو أي دولة عربية. وكيف يمكن تجاهل خطورة التدمير الممنهج لقرى في الجنوب اللبناني وفصل "فئات الشعب اللبناني" بعضها عن بعض دليلاً على جدّية تهديدات إسرائيل؟ إلا إذا كان هناك عرب ولبنانيون، وهم موجودون وصوتُهم واضح، يؤيدون تطويق اللبنانيين الشيعة وعزلهم باعتبارهم خزّان حزب الله وحاضنته. فهمٌ خاطئٌ ومضلَّلٌ ومضلِّل، أن إسرائيل ومن خلفها أميركا تحترم وترحب بمن لا يجد في احتلالها فلسطين أي إشكالية تتعامل إسرائيل مع جنوب لبنان كما تتعامل مع غزّة، والحديث يجري عن مشاريع ولجنة تشرف على "إعادة الإعمار"، وبخاصة بعد طرد سكان الجنوب. تفكّر بصوت عالٍ في خططها، لكن هناك من لا يريد أن يسمع أو يهتم، وكأن جنوب لبنان حالة منفصلة عن بقية لبنان، وكأن "القرى الشيعية" عالم آخر، فـ"المجرّم" حزب الله، وإذا اختفى ينعم لبنان والعالم العربي بصديق حضاري هو إسرائيل. وسبب "جرائم" إسرائيل، إذا أخذنا بمنطق الاستسلام، عدم رغبة الفلسطيني بالسلام، فالخنوع للاحتلال والتهجير هو الحل، وخلافه هو التهور واستمرار الحروب. ولكن الوضع يبدو أبشع مما تقدّم، فقد وصل الانحدار الأخلاقي للتيارات التي تعتبر نفسها أكثر حضارية ممن يصرّ على مواجهة إسرائيل، ولو فكرياً أو علمياً، وصل الانحدار إلى درجة أننا شهدنا وقرأنا شماتة وشتائم ضد الصحافية الشهيدة آمال خليل، فقط لأنها كانت تعمل في صحيفة الأخبار المؤيدة لحزب الله. بل وصلت تعليقاتٌ إلى تبرير الجريمة الإسرائيلية، وكأن بنت الجنوب استحقّت العقاب، لأن من يبرّر جريمة قتل آمال لا يقول هذا تعبيراً عن خلاف في الرأي، بل لأن إسرائيل محقة في سحقها لمن يؤيد حزب الله. وكاتبة هذه المقالة متأكّدة من أنه لو كانت هناك مقاومة مسلحة يسارية علمانية في لبنان لكان هناك الموقف نفسه منها. لا يقف الجدل في لبنان عند إحساس لبنانيين كثيرين بأن حزب الله أقحمهم في مواجهة مع إسرائيل المتوحشة في عدوانيتها، وهذا مفهوم إلى حد كبير، وهو غضبٌ، أو على الأقل خوفٌ مفهوم، لكن تبرير بعضهم استهداف إسرائيل الصحافيين وفقاً لرأيهم السياسي مرعبٌ ومختلفٌ تماماً. وعليه، حرب الإبادة الإسرائيلية على أهل غزّة "مبرّرة"، بل هناك فهمٌ خاطئٌ ومضلَّلٌ ومضلِّل، أن إسرائيل ومن خلفها أميركا تحترم وترحب بمن لا يجد في احتلالها فلسطين أي إشكالية، فهي مجرّد تفصيل لا دخل للآخرين به. ليست القصة داخلية لبنانية محضة؛ فمنذ منتصف التسعينيات نشطت أميركا والمؤسّسات الصهيونية في واشنطن على العمل بين النخب اللبنانية في لبنان وأميركا نفسها، فما بدا أنها أصواتٌ لبنانية معزولة تكتب وتصرّح، ثبت أنها ليست تماماً معزولة أو منفردة، فمؤسّسات مثل معهد واشنطن لأبحاث الشرق الأدنى ومعهد الدفاع عن الديمقراطية ومعهد هدسون نجحت في استقطاب أصوات وخبرات لبنانية وعربية، لا تكتفي بكتابة الأبحاث، بل تفتح الأبواب لهم لاختراق أوساط المثقفين والنخب الاجتماعية في العالم العربي. وهذا ظاهر أكثر وضوحاً في لبنان؛ فهناك ترحيب علني بشخصيات دبلوماسية مؤيدة بقوة لإسرائيل، مثل السفير السابق جيمس جيفري وديفيد شينكر الذي "نشط باحثاً" وتوسّع نشاطه خلال شغل موقع مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط في ولاية دونالد ترامب الأولى (2016-2021)، بل يكادان يكونان عضوين في هذه النخب، فلا حواجز ولا محاذير لنخب تزهو بصداقتهما. شعرت الشعوب العربية بأنها مسلوبة الإرادة، وهذه هي الثغرة الرئيسة التي نفذ من خلالها نشر الاستسلام وانتشاره ولكن جذور قبول إسرائيل كانت دائماً موجودة في الأحزاب المارونية المسيحية "الانعزالية"، وإن كان الفكر الانعزالي يمتد إلى كل مثقفي "الطوائف" بحجة الابتعاد عن التعصّب القومي و"الأحقاد القديمة"، وهي مقولاتٌ يروّجها المبعوثون الأميركيون وبعض مراكز الأبحاث، وهي تتنصل من أي وعي بخطر المشروع الصهيوني، خصوصاً أن الذريعة الأكبر مواجهة "مد الإسلام السياسي" باسم الالتزام بالعلمانية والتعدّدية، وكأن العلمانية تتطلب مهادنة المشروع الصهيوني والقبول به. فقد رأينا تغيرات في تفكير العديد من المثقفين، وتسرّب هذا التفكير إلى غير النخب، تحت شعار "نريد السلام وسئمنا الحروب". ويحقّ للجميع أن يرفض الحروب، ويطمح إلى العيش بسلام وأمان، لكن هذا الطموح أصبح مرتبطاً بقبول إسرائيل ومهادنتها والتخلي ليس عن الفلسطينيين فحسب، بل أيضاً عن حقوق السيادة على الأرض والمياه والثروات. لم يكن هذا كله بفعل عمليات اختراق الوعي، فلم يكن هذا ليصير ممكناً لو أحسّت الشعوب العربية بأن هناك أنظمة وحكومات تحميها من هيمنة أميركا وتوحش إسرائيل، فجذور تفشّي فكر الاستسلام ليس قصّة ارتباط مصالح أفراد بأميركا وإسرائيل، فهذا موجود، وليس مجرّد تأثير مراكز الأبحاث الأميركية والصهيونية. موقع الخلل في الفشل في بناء مجتمعات حرّة وإقصاء المشاركة الشعبية والقمع والاضطهاد، والتخاذل بل التواطؤ مع استمرار العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني، فقد شعرت الشعوب العربية بأنها مسلوبة الإرادة، وهذه هي الثغرة الرئيسة التي نفذ من خلالها نشر الاستسلام وانتشاره. وأن نصل إلى أن يستنجد صحافي لبناني بالرئيس الأميركي، وبالذات ترامب، الذي يساند الجرائم الإسرائيلية ويشارك فيها، لكي يضغط على الحكومة اللبنانية لإلغاء قانون مقاطعة إسرائيل، وتُنشر كتابات وتعليقات تبرّر لإسرائيل اغتيالها الصحافية آمال خليل، فذلكما يعنيان أنه لم يعد هناك وعي، لا بعدوٍّ ولا بحقوق. ... لا يمثل هذا الأغلبية، إنما هي فترة عابرة تعلو أصوات الهزيمة، ولا أقصد هنا نشر الإحباط، بيد أن إدانة ثقافة الهزيمة جزءٌ من وعي الصمود، على الأقل هذا مقصدي.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows