Arab
رصدت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو) ارتفاع أسعار الغذاء العالمية خلال شهر مارس/ آذار الماضي إلى أعلى مستوى لها منذ ديسمبر/ كانون الأول 2025، مسجلةً ارتفاعاً شهرياً للمرة الثانية على التوالي، وبلغ متوسط مؤشر المنظمة لأسعار خمس مجموعات من السلع الغذائية الأساسية المتداولة عالمياً، الحبوب واللحوم ومنتجات الألبان والزيوت النباتية والسكر، 128.5 نقطة في مارس، بزيادة قدرها 2.4% مقارنةً بمستواه في فبراير/ شباط. وهو الأعلى منذ سبتمبر/ أيلول الماضي، والأعلى بنسبة 1% من قيمته في الشهر نفسه من العام الماضي. ويعود ذلك إلى تأثير الحرب على إيران على ارتفاع أسعار الوقود والغاز الطبيعي والأسمدة الزراعية وتوقف مرور السفن عبر مضيق هرمز.
وارتفعت أسعار القمح العالمية بنسبة 4.3% في مارس، ويعود ذلك إلى انخفاض مستويات الزراعة في أستراليا بسبب ارتفاع تكاليف الأسمدة، وتدهور حالة المحاصيل ومخاوف الجفاف في الولايات المتحدة. وارتفعت أسعار الزيوت النباتية بنسبة 5.1%، مسجلةً ثالث ارتفاع شهري متتالٍ، وبلغت أسعار زيت النخيل أعلى مستوى لها منذ منتصف عام 2022. ويعكس ارتفاع أسعار زيت النخيل وفول الصويا وعباد الشمس وبذور اللفت تأثير ارتفاع أسعار الطاقة العالمية وتوقعات زيادة الطلب على الوقود الحيوي.
وارتفعت أسعار السكر بنسبة 7.2% لتصل إلى أعلى مستوى لها منذ أكتوبر 2025، حيث دفعت أسعار النفط الخام المرتفعة التوقعات بأن البرازيل، أكبر مُصدِّر للسكر في العالم، ستوجه المزيد من قصب السكر لإنتاج الإيثانول، ما يذكر بأهم أسباب أزمة الغذاء العالمي سنة 2008. وارتفعت أسعار منتجات الألبان بنسبة 1.2% مقارنة بشهر فبراير، وارتفعت أسعار اللحوم بنسبة 1%. وتتوقع الأمم المتحدة أن ترتفع الأسعار العالمية بنسبة تراوح بين 15% و20% في المتوسط خلال النصف الأول من عام 2026 إذا استمرت الأزمة.
الطاقة والأسمدة
من الواضح أن الآثار السلبية للحرب على الاقتصاد العالمي لم تكتمل بعد. ورغم أن الحرب تُؤثر على الاقتصاد العالمي من طرق وبطرق مختلفة، تؤدي جميعها إلى ارتفاع أسعار كل شيء وفي كل مكان حول العالم، وكذلك تباطؤ النمو وزيادة معدل البطالة. في المدى القصير من الحرب، ارتفعت أسعار النفط والغاز بشكل كبير أعجز أسواق كثير من الدول الكبرى على التكيف وامتصاص الصدمة. يتوقع خبراء "فاو" أن يؤدي نزاع طويل المدى، أكثر من 40 يوماً، إلى إبقاء الطاقة باهظة الثمن ومن ثم إرهاق ميزانية الدول المنتجة للغذاء والدول التي تعتمد على الواردات أيضاً. وفي ظل غياب مسارات بديلة للطاقة وقدرة محدودة على تعويض العجز فيها، قد يستقر العالم في مكانٍ ما بين هذين الخطرين، حيث تستمر التوترات، وتبقى الطاقة مُكلفة، ويُصبح التضخم صعب السيطرة عليه مع استمرار عدم الاستقرار والمخاطر الجيوسياسية. يعتمد ذلك على مدة استمرار النزاع، ومدى اتساعه، وحجم الضرر الذي يلحقه بالبنية التحتية لإنتاج النفط والغاز والأسمدة وسلاسل التوريد والشحن البحري.
يمر عبر مضيق هرمز المغلق حالياً ثلث الأسمدة المتداولة عالمياً و20% من الغاز الطبيعي المسال، والذي يدخل مادةً أساسيةً في صناعة سماد اليوريا في الدول التي تستورد الغاز الطبيعي. يساهم الغاز الطبيعي بنسبة 65% من تكلفة إنتاج سماد اليوريا. وبسبب الحرب، زادت تكلفة اليوريا التي تشكل 75% من الأسمدة المستخدمة في الزراعة. أظهرت بيانات منصات تجارة الأسمدة ارتفاع أسعار اليوريا بنسبة 40% خلال موسم الربيع الحالي. فزادت من 450 دولاراً للطن قبل الحرب إلى 700 دولار. كما تعرضت الخدمات اللوجستية للأمونيا لضغوط، حيث أثرت تأخيرات السفن وتوقف حركة المرور في مضيق هرمز على ما يقرب من 24% من صادرات الأمونيا المنقولة بحراً. يقول خبراء مركز التنمية العالمية إنه عندما ترتفع أسعار الأسمدة، يصبح المحصول التالي أصغر حجماً وأكثر تكلفة.
وإذا كانت الآثار الكاملة لارتفاع أسعار الأسمدة سوف تظهر في موسم الحصاد الذي يبدأ بعد ستة شهور ويستمر 12 شهراً، لكن الوقت المناسب لعلاج تلك الآثار هو الآن، وهو وقت نمو المحصول وليس بعد أن تستقر الأسعار المرتفعة، وهذا الوقت يضيق في ظل استمرار الأزمة. ومن المتوقع أن تؤدي تكاليف الزراعة المرتفعة إلى ارتفاع أسعار المحاصيل مثل القمح والذرة، ما يزيد من أسعار السلع الغذائية الأساسية في الشهور المقبلة أكثر مما أظهرته منظمة فاو خلال شهر مارس الماضي. ومن المتوقع في الدول المنتجة للغذاء، مثل البرازيل والصين والهند، والتي تستورد الأسمدة من منطقة الخليج العربي، أن المزارعين سوف يخفضون مساحة المحاصيل التي تحتاج إلى كميات كبيرة من اليوريا مثل القمح والذرة وقصب السكر والمحاصيل الزيتية، أو يقللون من استهلاك الأسمدة، أو يتحولون إلى زراعة محاصيل غير أساسية، ولكنها أقل كثافة في استخدام الأسمدة.
وفي ظل غياب البدائل، ستؤثر هذه الخيارات جميعها على المحصول في منتصف هذا العام، وستحدد إمدادات المحاصيل أسعار السلع الغذائية في بقية هذا العام والعام المقبل بأكمله. كذلك، يمر عبر مضيق هرمز 20 مليون برميل من النفط يومياً، تعادل 20% من الاستهلاك العالمي، وفقاً لإدارة معلومات الطاقة الأميركي. وأدى ارتفاع أسعار الطاقة إلى ارتفاع تكاليف إنتاج ونقل ومعالجة وتصنيع الأغذية في جميع أنحاء العالم. تجاوزت أسعار الديزل 5 دولارات للغالون في الولايات المتحدة. وهو الوقود الأساسي للمزارعين، الذين يستخدمونه في تشغيل المعدات الزراعية، ولشركات الشحن، المسؤولة عن نقل 83% من جميع المنتجات الزراعية و92% من منتجات الألبان والفواكه والخضراوات والمكسرات في الولايات المتحدة، وفقاً لوزارة الزراعة الأميركية. وفي المملكة المتحدة، يتوقع اتحاد الأغذية والمشروبات ارتفاع أسعار المواد الغذائية بنسبة 9% على الأقل بحلول نهاية العام، وفق صحيفة ذا غارديان، وهو ارتفاع كبير مقارنة بنسبة 3.2% التي كانت متوقعة قبل بدء الحرب.
سلاسل التبريد
من التكاليف غير المرئية وترفع الأسعار، الأغذية سريعة التلف وذات الصلاحية القصيرة مثل الأغذية المجمدة والفواكه الطازجة والخضراوات والخضراوات الورقية، أن تكلفة الخدمات اللوجستية لسلاسل التبريد والتجميد طوال مراحل النقل والتسويق أصبحت أكثر تكلفة بسبب زيادة استهلاك الطاقة التي ارتفع سعرها بسبب الحرب. يقول نائب المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، لكارل سكو، إن ارتفاع أسعار الوقود وطول مسارات سلاسل التوريد أدى إلى زيادة تكاليف النقل البحري بنسبة 18%، ومن ثم تُضاف رسوم إضافية إلى تكاليف الوقود المتزايدة في سلسلة التوريد. كما تستهلك الخدمات اللوجستية لسلاسل التبريد المتصلة بتشغيل المطاعم ومرافق المستشفيات والفنادق كميات كبيرة من الكهرباء والطاقة، ما يزيد من تكاليف التشغيل وأسعار الأغذية.
ومن المفاجآت التي كشفتها الحرب على إيران، أن منطقة الخليج العربي مورد أساسي لمواد تعبئة الأغذية والسلع التجارية وتغليفها. حيث تُشتق المواد المستخدمة في تغليف الأطعمة والوجبات السريعة والسلع من البتروكيماويات التي ترتبط أسعارها ارتباطاً وثيقاً بأسعار النفط. وتُظهر بيانات معهد رالف للطاقة أن دول مجلس التعاون الخليجي تُنتج حوالي 150 مليون طن من بتروكيماويات التعبئة والتغليف سنوياً، ما يُمثل نحو 12% من الإنتاج العالمي، ويُصدر معظمها عبر مضيق هرمز. وتُقدّر شركة ألتانا لتحليل سلاسل التوريد أن مواد بتروكيماوية بقيمة 733 مليار دولار تمر عبر منطقة الخليج العربي سنوياً وتستخدم في تعبئة وتغليف سلع استهلاكية بقيمة 3.8 تريليونات دولار. هذه البتروكيماويات، زادت أسعارها بسبب وقف المرور في المضيق، وزادت تكلفة السلع الاستهلاكية بما فيها الأغذية الطازجة والمصنعة.
الأسرة تعاني
وفقًا لمركز التنمية العالمية، ستكون تداعيات الحرب على الدول الفقيرة أكبر من الدول الغنية، فمقدار ما تنفقه الأسر الفقيرة في البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط على الغذاء يصل إلى 65% من ميزانية الأسرة، مقارنة بنسبة 20% من ميزانية أغنى الأسر، ما يعني أن الزيادات نفسها في أسعار المواد الغذائية تؤثر على الفقراء بثلاثة أضعاف ما تؤثر على الأغنياء. ومع ارتفاع تكاليف الطاقة، غالباً ما يكون الإنفاق على تناول الطعام في المطاعم من أوائل النفقات التي يتم تقليصها. وقد بدأ هذا التوجه يؤثر بالفعل على سلاسل المطاعم الكبرى، حيث تواجه انخفاضاً في عدد الزبائن.
كما يؤدي ارتفاع تكاليف الطاقة والمواد الخام إلى تضييق هوامش الربح وتراجع الطلب الاستهلاكي في الدول الغنية. وكشف تقرير حديث صادر عن شركة الأبحاث الاستثمارية الأميركية، بيرن شتاين، أن التداعيات الاقتصادية طاولت شركات الوجبات السريعة العملاقة، مثل سلاسل مطاعم ماكدونالدز وبرغر كينغ وبوبايز، وأصبحت تواجه ارتفاعاً في التكاليف وتراجعاً في الطلب، وقدرة محدودة على استيعاب المزيد من الصدمات إذا استمرّت أسواق الطاقة العالمية في الارتفاع ولم يضع الرئيس دونالد ترامب حداً لهذه الحرب غير المبررة.

Related News
غاب بلا شريعة
alaraby ALjadeed
27 minutes ago
تعثّر السلام في إسلام أباد
alaraby ALjadeed
27 minutes ago
في فقد بيروت وانقسامها تحت التغطية
alaraby ALjadeed
28 minutes ago