في فقد بيروت وانقسامها تحت التغطية
Arab
2 hours ago
share
ليس مألوفاً أن تعود إلى بلدك الغارق في الموت والدمار والعدوان بصفتك موفداً. لا سائحاً ولا مغترباً، بل موفداً بمهمّة واضحة: أن تعمل مراسلاً في تغطية الحرب فترة محدّدة، لكنّك سرعان ما تجد نفسك موفداً إلى مكان فيه ماضيك وأهلك ورفاقك، حتى يفرض السؤال نفسه: هل أكتفي بأن أراه بعين صحافي ابن البلد؟ أم بعين مغترب يحمل تصوّراته وذاكرته تجاهه؟ ثم تتذكّر أنّك لست مغترباً عتيقاً. عامان من غربة متقطّعة، في بلد لم تتوقّف فيه الحرب، بل كانت تتراكم حتى لحظة انكشاف وتحوّلاتٍ تحتاج في أصلها سنوات أو عقوداً. ثلاثة أسابيع أمضيتها في بيروت وعلى مشارف الضاحية الجنوبية لتغطية الحرب وتداعياتها كانت كفيلةً بصدمة المكان. ليست هذه بيروت التي نعرفها، أو ربّما التي نرفض أن نراها على هذا النحو. وجوه الناس ومشاعرهم وهواجسهم… والخوف من الآخر. وسؤال يؤرّق الجميع: "من أين أنت؟". لم يعد حبّاً في المعرفة والتعارف، بل صار تعبيراً يومياً عن الخوف. سؤال أرادت له إسرائيل في هذه الحرب أن يحكم علاقات اللبنانيين فيما بينهم، ناظماً للاحتقان والتفرقة وحصار النازحين. والإجابة عنه كفيلة بأن تكشف طائفتك وميولك ومواقفك. سؤال لتعليب الناس وفرزهم بأحكام مسبقة، وفي قضاءٍ ممنهجٍ حتى على التمايزات كلّها والفردانية... في الحي أو العمل أو حتى المبنى الذي استأجرته بأضعاف قيمته لأنّك نزحت قسراً بفعل أوامر الإخلاء. بهذا المعنى، لا تبقى الحرب في الجبهات فقط، بل تحتها، وعلى هامشها، تتشكّل "حروباً صغيرةً"، هي حروب غير معلنة، لكنّها حاضرة في التفاصيل اليومية، وتلامس بذور صدام داخلي، كاشفةً انقسامات طائفية وسياسية ومناطقية. الحرب هي اختبار حقيقي لكيفية تعامل اللبنانيين معها ومع مآلاتها وتداعياتها تُذكّر هذه الحرب اللبنانيين، يومياً، بأن الماضي لم يغادرهم، وبأن النجاة من الحرب الأهلية لا تعني أنّ إسرائيل لا تعرف كيف تستدعيها وتستثمر فيها في عدوانها المستمرّ على لبنان. في هذا السياق تحديداً، لا تبدو الطائفية في الحرب مجرّد واقع سياسي، بل هُويّة قسرية وملازمة للفرد والجماعات ومختلف المكوّنات، وتعيد فرض نفسها بوصفها أحد أكثر العناصر ثباتاً في بلد يواجه أخطر حرب جغرافية وديمغرافية تشنّها إسرائيل. ومن هنا، لا يعود النزوح مجرّد نتيجة مباشرة للقصف والعدوان والعمليات العسكرية، بل يتحوّل إلى مساحة تنكشف فيها هذه الانقسامات بوضوح. مساحة اختبار يومي للعلاقات بين الناس، ولحدود القبول والرفض، ولشكل العيش المشترك تحت ضغط الخوف. خلال التغطية، أجريت جولات كثيرة بين النازحين، في مراكز الإيواء والمدارس، وعلى أرصفة وسط بيروت التي كانت بعد الحرب الأهلية رمزاً هشّاً لإعادة الإعمار. بعضهم اختبر أكثر من تجربة نزوح، من الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 إلى حروب التسعينيّات، ثم حرب 2006، ثم حرب 2024. لكنّ هذا النزوح مختلف. هذه المرّة، لا يبدو الأمر مجرّد هروب من القصف، بل مواجهة مع إعادة تشكيل المكان والوجود نفسه. أكثر من 20% من اللبنانيين أُجبروا على ترك منازلهم في الأسابيع الأولى من الحرب. يروي هؤلاء شعور الخيبة، وهم يحاولون إخفاءها بالغضب والسخط. قالت لي إحدى النازحات من قرى الحافّة الأمامية، وهي تفترش الأرض مع عائلتها في وسط بيروت تحت المطر: "نشعر أنّ لا أحد يريدنا"، ثم بكت وروت أنّها لا تصدّق عدم القدرة على العودة إلى قريتها في كفركلا. قالت أيضاً: "هذه الحياة (أي النزوح) لا تشبهنا". لم تكن مشكلتها فقط في ارتفاع الإيجارات وبلوغها مستويات قياسية بعد نحو يومَين فقط من الحرب، بل في رفض استقبال النازحين خوفاً من استهداف مضيفيهم، خصوصاً أنّ إسرائيل نفّذت عشرات عمليات الاغتيال في منازل من المفترض أنّها في مناطق خارج دائرة الاستهداف، وهو ما حدث في مناطق عدّة في بيروت الإدارية وجبل لبنان. في يوميات بيروت في الحرب، الخوف يعمّ المدينة. ليلها لم يعد كما كان، ونهارها مثقل بالضغط والتوتّر والاكتظاظ. كأنّ المدينة تختنق بأهلها، وتضيق ذرعاً من أصوات المسيّرات التي تحتل ذاكرتها السمعية، ومن الطيران الحربي الذي يهدّدها في كلّ لحظة. هي حربٌ لا تشبه سواها، لأنّها أكثر من أيّ وقت مضى، حرب جغرافيا وديمغرافيا بامتياز أيضاً، تتجلّى في تفاصيل النزوح والاحتقان الشعبي. أوامر الإخلاء ليست فقط إجراءات عسكرية، بل كانت (وما زالت) أوامر إخلاء سياسية وطائفية. الضاحية وحدها، أكبر حاضنة شعبية لحزب الله، وصاحبة أعلى معدّل اكتظاظ سكّاني في بيروت (900 ألف نسمة)، أصدر جيش الاحتلال الإسرائيلي أوامر لإخلاء كلّ أحيائها منذ الأيام الأولى للحرب. وفي هذا الواقع، يصبح العمل الصحافي نفسه جزءاً من الاختبار. خلال تغطيتي مراسلةً لـ"التلفزيون العربي"، وفي مناطق عدّة عند تخوم الضاحية الجنوبية عقب القصف، شعرتُ، في مرّات كثيرة، أنّ الانتماء إلى هذا المكان كان حصانةً مهنيةً بقدر ما هو تحدٍّ. أن تتعاطى بحساسية مع المصطلحات، وأن تنقل المشاهدات الميدانية بدقّة، هو اختبار يومي في بلد على شفير انفجار داخلي. وهذا الاختبار لا يقلّ صعوبةً عن تغطية الجبهات الحدودية، بل قد يكون أكثر حساسية في بلد كلبنان، بتنوّعه وتعقيداته وانقساماته كلّها. لم تكن أوامر الإخلاء الإسرائيلية إجراءات عسكرية فقط، بل كانت وما زالت سياسيةً وطائفيةً في الضاحية كما في مناطق أخرى، يشعر الناس بتهديد فعلي، حتى من معظم وسائل الإعلام، وتحديداً المحلّية، بعد أن انخرط جزء كبير منها في تغذية الانقسام بأشكاله كلّها. في إحدى المناطق التي زرناها، وتحديداً منطقة الرحاب في الغبيري في الضاحية، عقب استهداف إحدى شققها بغارة عنيفة جدّاً، كانت الحياة مستمرّة على نحو غريب رغم الدمار الكبير، لكنّ الحذر كان حاضراً: الخوف من الكاميرا، ومن الصورة، ومن كيفية نقل ما يجري. سألتُ أحدَ العابرين على دراجته النارية: "ألم تنزحوا من هنا؟"، ضحك وقال: "هون أحسن لنا". ضيق الخيارات دفع آلاف العائلات إلى البقاء في منازلها وفي أحيائها المهدّدة بالقصف في أيّ لحظة. وفي هذا السياق، كان لافتاً حجم الثقة التي يبديها الناس تجاه "التلفزيون العربي" عند التواصل معهم. وهذه ثقة تتحوّل، في لحظات كهذه، إلى جزء من المسؤولية المهنية نفسها، لأنّ التغطية هنا لا تقتصر على نقل ما يجري، بل على كيفية قوله، وبأيّ أثر. ليست هذه الحرب فقط تحوّلاً في مشهد لبنان جغرافياً وديمغرافياً، بل اختبار حقيقي لكيفية التعامل معها ومع مآلاتها وتداعياتها. حرب ترتكب فيها إسرائيل مختلف أشكال جرائم الحرب: تهجير قسري، تدمير واسع، قتل للمدنيين والصحافيين والمسعفين، والتوغّل والاحتلال، واستباحة الأراضي والأجواء، وحتى الأمن في شبكات الإنترنت. وفي موازاتها، يبرز مسار التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل اختباراً آخر في لحظة مفصلية في تاريخ لبنان، داخلياً وإقليمياً. لكنّ أخطر ما تكشفه هذه الحرب، ليس فقط حجم الدمار الذي تخلّفه، ولا النتائج التي قد تترتب على المفاوضات التاريخية، بل ما فعلته وتفعله في الداخل اللبناني.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows