تعثّر السلام في إسلام أباد
Arab
2 hours ago
share
يبدو أنّ الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران لم تصل بعد إلى نهاياتها الممكنة في الوقت الحاضر، على الرغم من الانطباع الإيجابي نسبياً الذي تولّد لدى المراقبين بشأن قرب نهايتها، وذلك في الأجواء التفاؤلية التي سادت الاجتماعات المباشرة بين الأميركيين والإيرانيين في إسلام أباد ضمن إطار وفدين رفيعَي المستوى. وكانت التوقّعات تتمحور حول إمكانية الوصول إلى صيغة من الحلّ الوسط الذي كان من المتوقّع أن يسوّقه كلّ طرفٍ نصراً غير مسبوق. ولكنّ جولة مفاوضات إسلام أباد الأولى المباشرة فشلت، وفق ما أُعلن أميركياً وإيرانياً وبحسب المضيف الباكستاني. لكن الطريف إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب على أنّ النصر قد تحقّق؛ وكذلك يفعل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو؛ والأمر نفسه بالنسبة إلى الجانب الإيراني، ولكلّ من هؤلاء حساباته الداخلية والإقليمية والدولية. الحرب إذاً ستستمرّ ما لم يحدُث اختراق ما، وفي موازاة هذه الحرب يواجه ترامب ضغطاً غير مسبوق من الديمقراطيين في الكونغرس، وحتى من بعض الجمهوريين، بالإضافة إلى ضغط وسائل الإعلام ومراكز البحث والمسؤولين السابقين؛ فهذه الجهات تنتقد بشدّة قراره بشأن الحرب، كما تنتقد سياسته في إدارة الأزمة، ومواقفه اللحظية المزاجية المتقلّبة المتغيّرة المتناقضة بشأن أهداف الحرب وتسويغاتها، والمبالغات والتبسيطات التي يعتمدها. وهذه الأمور كلّها باتت موضوعاً للتندّر والاستغراب لدى المراقبين والمتابعين المتخصّصين. ولكن مع ذلك يصرّ ترامب على تسويق ما جرى انتصاراً غير مسبوق، لولاه لكان النظام الإيراني قد وصل إلى القنبلة النووية، واستمرّ في سياساته التوسّعية التخريبية في دول المنطقة ومجتمعاتها، معتمداً في ذلك على الصواريخ والمسيّرات والأذرع، على الرغم من الوقائع التي تشكّك في تحقّق أيّ شيء فعلي على صعيد تنفيذ الأهداف التي أُعلنت، سواء من ترامب أم نتنياهو بصورة كاملة. تشكّك الوقائع في تحقيق ترامب ونتنياهو أهدافهما من الحرب على إيران  صرّح ترامب مراراً بأنّ النظام في إيران قد تغيّر، وأنّ المسؤولين الإيرانيين الحاليين أكثر عقلانيةً وبراغماتيةً واستعداداً للوصول إلى توافقات، وهو الأمر الذي لا تؤكّده المعطيات الملموسة. ولكنّ ترامب نفسه هو الذي هدّد في الوقت نفسه، وهو زعيم العالم الحرّ كما يُفترض، بإزالة الحضارة الإيرانية، وإعادة البلد إلى العصر الحجري، وهو الأمر الذي أثار زوبعةً من التساؤلات المستهجِنة في الداخل الأميركي والأوساط الدولية. ومع إغلاق مضيق هرمز، وتصاعد الأزمة الاقتصادية العالمية نتيجة انقطاع شحنات الطاقة وسلاسل الإمداد، غابت أهداف الحرب المعنية كلّها، أو تراجعت أهميتها؛ وبات التركيز كلّه على كيفية إعادة فتح مضيق هرمز الذي يستمدّ اسمه من إله النور والخير والحكمة الزرادشتي أهورا مزدا، الذي على الأرجح غادر موقعه بعد تيقّنه من استحالة الاستمرار في مهامه. واللافت الغريب غياب إمكانية إغلاق المضيق عن حسابات ترامب قبل الحرب، ولعلّ هذا ما يفسّر توجّهه إلى الأوروبيين وحلفائه في حلف شمال الأطلسي (ناتو) بعد مفاجأة إغلاق المضيق، ليطلب منهم المساعدة والتحرّك من أجل فتح المضيق، وهو الطلب الذي لم يُلبَّ بسبب مواقف ترامب السابقة من الأوروبيين ومن الحلف، ومن الأنظمة الديمقراطية في أوروبا التي تعاني مشكلات كُبرى على المستوى الداخلي نتيجة تنامي التيارات الشعبوية اليمينية المتشدّدة التي أشاد بها ترامب في استراتيجيته الدفاعية، وهي الاستراتيجية التي أعلنها في نهاية العام المنصرم، ووجّه من خلالها انتقادات لاذعة إلى الأنظمة الأوروبية، واتهمها بالضعف وعدم القدرة على مواجهة التحدّيات، وحمّلها مسؤولية إفساد مجتمعاتها من خلال استقبال الحشود الكُبرى من اللاجئين. ولم يكتفِ ترامب بهذا فحسب، بل هدّد الأوروبيين باحتلال جزيرة غرينلاند الخاضعة للسيادة الدنماركية، وأعلن صراحةً دعمه وتأييده رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان الذي يعرقل المشاريع الأوروبية الخاصّة بدعم أوكرانيا، وذلك إرضاءً لبوتين. بل وصل الأمر بترامب، بعد أن أفادت استطلاعات الرأي بالخسارة المتوقّعة لأوربان في الانتخابات (وهو ما حدث فعلا)، إلى حدّ إرسال نائبه جي دي فانس إلى المجر لدعم حملة أوربان، وأطلق ترامب نفسه في مناسبات عديدة التصريحات الداعمة له، وطالب الناخبين المجريين بالتصويت لصالح أوربان، في حين أنّ الأوروبيين يبحثون في إمكانية إعادة النظر في آليات اتخاذ القرار داخل الاتحاد الأوروبي كي يتمكّنوا من قطع الطريق على أيّ دولة بمفردها تستغلّ حقّ النقض الذي يسمح به نظام الاتحاد الحالي. وبموجب حق النقض هذا تستطيع كلّ دولة إفشال أيّ قرار لا يتوافق مع مصالحها، أو حساباتها التحالفية مع دولة أخرى خارج الاتحاد. تبرز أهمية التركيز الأوروبي على التوصّل إلى حلّ لقضية الشعب الفلسطيني على أساس الدولتَين، الحلّ الذي أقرّته القرارات الأممية والتزمت به الولايات المتحدة يعبّر ترامب اليوم بمرارة عن خيبة أمله من مواقف حلفاء الولايات المتحدة المعهودين، سواء في أوروبا أو في آسيا وأميركا، ويهدّدهم بالمعاملة بالمثل، في حين أنّ المنطق السليم، في مثل هذه الحالة، يقتضي أن يراجع هو نفسه سياساته ومواقفه ليكتشف أسباب ابتعاد حلفائه الأساسيين عنه، وعدم اكتراثهم بدعواته الاستنجادية؛ بل وصل الأمر ببعض القادة الأوروبيين إلى التصريح بمواقفهم علناً والقول إنّ الحرب الحالية مع إيران ليست حربهم. والسؤال الذي يشغل بال كثيرين راهناً: هل السياسات الأميركية الحالية مرتبطة بمزاج ترامب وحسابات المجموعة الضيّقة التي تحيط به، وهي المجموعة التي دخل معظم أفرادها عالم السياسة من باب المال؟ أم أنّها حصيلة إعادة تموضع كُبرى أميركية حدّدت إطارها العام الاستراتيجية الدفاعية الأميركية المشار إليها؛ وهي الاستراتيجية التي همّشت أوروبا وركّزت على شرعنة نفوذ الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية، وأهملت الشرق الأوسط، وتبنّت صيغة من التفاهم مع كلّ من روسيا والصين على الرغم من التنافس والخلاف؟ فإذا كان الموضوع هو موضوع ترامب، فإنّ بمقدور الأوروبيين، وحتى أعضاء حلف الناتو، التكيّف مع الهزّات الترامبية، والانتظار ريثما تنتهي المدّة الباقية من ولايته الأخيرة، لتبدأ بعد ذلك عملية ترميم الجسور بين ضفّتي الأطلسي، وطمأنة الحلفاء في آسيا والشركاء في الشرق الأوسط بأنّهم لن يُتركوا وحدهم في مواجهة النزعات التوسّعية من جانب القوى الإقليمية أو الدولية. أمّا إذا كان الموضوع أعمق وأعقد وأبعد من مزاج رئيس واقع تحت ضغوط خاصّة، ضغوط ربما تتكئ على ماضيه الشخصي، فحينئذ سيجد الأوروبيون أنفسهم مضطرين لاتخاذ قرارات استراتيجية تمكّنهم من الاستعداد لمواجهة التحدّيات الجيوسياسية التي تمثّلها روسيا في الوقت الحاضر، خاصّة أنّ الحرب الأوكرانية ما زالت مشتعلةً، وموقف الإدارة الأميركية الحالي لا يطمئنهم، بل يرجّح الكفّة لصالح الروس. كما يحتاج الأوروبيون إلى اعتماد جملة من الإصلاحات واتخاذ الإجراءات التي تمكّنهم من تجديد أنظمتهم الديمقراطية، وتعزّز تماسك الاتحاد الأوروبي ليكون كتلةً وازنةً تمتلك القدرة على التأثير في المواقف الدولية والإقليمية، وذلك لن يتحقّق من دون وجود قوة دفاعية مدعومة بسياسات توازنية، تستمدّ مصداقيتها وقوتها من عملية إعادة الاعتبار للمبادئ الإنسانية والقيم الأخلاقية التي لا تنسجم مع سياسة الكيل بمكيالين في التعامل مع حقوق الشعوب والجماعات والأفراد، بغض النظر عن الانتماءات العرقية أو الدينية أو التوجّهات السياسية. وفي هذا السياق، تبرز أهمية التركيز الأوروبي على ضرورة التوصّل إلى حلّ عادل لقضية الشعب الفلسطيني على أساس حلّ الدولتَين، الحلّ الذي أقرّته القرارات الأممية والتزمته الولايات المتحدة. فمن دون هذا الحلّ لن يتحقّق الاستقرار في الشرق الأوسط، وستكون هناك باستمرار قوى إقليمية، وربّما دولية، الآن ومستقبلاً، تستغلّ هذا الموضوع لحساباتها الاستراتيجية من دون أن تكون الحقوق الفلسطينية في قائمة أولوياتها، كما تفعل إيران وأذرعها حالياً. وستكون أوروبا المتضرّر الأكبر من غياب الاستقرار في المنطقة، وذلك بفعل القرب الجغرافي والتداخل الديموغرافي، والمصالح الاقتصادية المشتركة بين أوروبا والمنطقة، وهي مصالح لا يمكن أن تتحقّق وتزدهر إلا في أجواء الاستقرار بكلّ صيغه وأبعاده. تراكمت أدلة تثبت إخفاق سياسات إيران في التوسّع وخلخلة مجتمعات المنطقة ودولها أمّا بالنسبة إلى إسرائيل، فهي لن تتمكّن في أيّ يوم، بفعل عاملَي الجغرافيا والديموغرافيا، من الحصول على الأمن المطلوب بالقوة العسكرية العارية وحدها، ولهذا فهي تحتاج إلى حلّ عادل متوازن للقضية الفلسطينية، حلّ يمكن التوافق عليه إذا ما توافرت الرغبة والإرادة والرؤية المستقبلية والانفتاح على الآليات الإبداعية. ومثل هذا الحلّ سيفتح الآفاق أمام إسرائيل للاندماج بصورة طبيعية سلسة في محيطها الإقليمي، وتوظيف إمكاناتها البحثية العلمية والتكنولوجية لصالح تنمية المنطقة وازدهارها ولمصلحة سائر شعوبها من دون أيّ استثناء. أمّا إيران فقد ثبت، بناء على تراكمات الأدلة القاطعة نصف قرن، إخفاق سياساتها في التوسّع وخلخلة مجتمعات المنطقة ودولها، وهي السياسات التي تسبّبت بالكوارث في الداخل الإيراني وعلى مستوى المنطقة بأسرها. فالإمكانات الهائلة التي تمتلكها إيران، من ثروات وكتلة بشرية وخبرات إنتاجية وإرث حضاري متميّز، وُظفت في ميدان إثارة الأحقاد وإحداث النزاعات وإشعال الحروب الداخلية والإقليمية، وذلك كلّه أسفر عن كوارث متلاحقة شملت الاجتماع والعمران. هل سيكون إعلان فشل مفاوضات إسلام أباد عودةً للحرب، أم حافزاً لإجراء حوارات إقليمية دولية تمهّد لانعقاد مؤتمر دولي إقليمي خاص بمنطقتنا؟ مؤتمر هدفه ترسيخ أسس سلام عادل مستدام لصالح شعوب المنطقة ودولها، ولصالح تعزيز الأمن والاستقرار على المستوى الدولي. ألم يحن الوقت لتتنفّس شعوب المنطقة الصعداء، وتحظى، في ظلّ إدارات حكم رشيدة، بمقوّمات العيش الكريم لتتمكن من ضمان مستقبل أفضل لأجيالها المقبلة؟

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows