غاب بلا شريعة
Arab
2 hours ago
share
الأهداف الأساسية المشتركة للحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران قدّمها ترامب ونتنياهو، كلٌّ منهما من منطلق حساباته، على الشكل التالي: تغيير النظام، وضرب المشروع النووي الإيراني: لن تملك إيران سلاحاً نوويّاً، وممنوع تخصيب اليورانيوم والكمية المخصّبة يجب السيطرة عليها بالاتفاق أو بالقوة، والسيطرة على النفط، واستئصال أذرع إيران. الرئيس ترامب حدّد بين أربعة وستة أسابيع للحرب. انتهت المدّة، والحرب لم تتوقف، ولم يتحقّق أيٌّ من الأهداف على نحوٍ نهائيّ، بل أضيفت مشكلة أساسية استراتيجية إلى ما كان قائماً: مضيق هرمز، والسيطرة والسيادة عليه، بعد أن أقفلته إيران وتحكّمت به، وهي تقرّر حتى كتابة هذه السطور استنسابياً، هُويّة البواخر وناقلات النفط التي يمكن أن تمرّ من خلاله، وهل تدفع الرسوم أم لا، وتشترط فرض رسوم، وأعدّت مشروع قانون لإقراره في البرلمان يكرّس حقّها في هذا المجال. مع التذكير بأنّ ترامب أكّد أكثر من مرّة أن ليس ثمّة خيارات أمام إيران سوى "الاستسلام غير المشروط"، ثم ذهب إلى التفاوض. لم تستسلم إيران في الحرب، ولم تستسلم بالتفاوض، بل أصرّت على شروطها لم تستسلم إيران في الحرب، ولم تستسلم في التفاوض، بل أصرّت على شروطها. صحيحٌ أنّ دماراً هائلاً أصاب منشآتها وبناها التحتية في مختلف المناطق والمجالات، وأنّ إسرائيل تمارس استباحةً حقيقيةً لأجوائها وتحقّق ضرباتها نتائج كبيرة، إن على مستوى الضرر الذي يلحق بها أو الخسائر البشرية في صفوف قواها الأمنية والعسكرية وعلمائها النوويين، لكنّها فاجأت إسرائيل وأميركا بقدراتها على المواجهة وإطلاق الصواريخ النوعية، وألحقت أضراراً جسيمة بالكيان الإسرائيلي، وفضحت أميركا وأنظمتها الدفاعية ("ثاد" وباتريوت)، وضربت قواعدها وهدّدت عسكرها في كلّ مكان. وأضافت إلى باب المندب، وسيطرة "الذراع الحوثية" على أمن الملاحة فيه، "باب هرمز" كما قلنا، وهزّت دول الجوار تحت ذريعة استهداف مصادر النار من القواعد الأميركية أو من الذين "تجرّأوا علينا" كما قال مسؤولوها. الحشد الشعبي لا يزال موجوداً، وحزب الله فاجأ إسرائيل، والحوثي يبقى الاحتياطي الاستراتيجي، والصواريخ من الجهات كلّها "تهطل" على مناطق ومواقع استراتيجية في كيان الاحتلال. وكما قلنا منذ اليوم الأول: "نحن أمام حريق شامل. مصنع مقابل مصنع. مادة مقابل مادة. موقع مقابل موقع. والخطر يهدّد كل شيء وكل مكان". وإذا راجعنا المواقف الإسرائيلية – الأميركية وأحصينا النتائج المعلَنة والأهداف المحقّقة، لقرأنا كلّ مرّة: "دمّرنا 95% من كذا وكذا"، و"لم يعد لدى إيران منصّات صواريخ"، ولا "أسطول بحري وزوارق ومنظومات دفاعية ووو…". إذا جمعنا ذلك كلّه، لتبيّن أنّ أكبر قوتَين في العالم والأكبر في الشرق الأوسط حقّقتا ما يصل إلى 100% من الأهداف، وإيران لا تزال تعاند وتهدّد وتتوعّد… حتى بلغ الأمر بترامب حدّ التهديد بـ"محو الحضارة الإيرانية"، وفي ذلك قمّة الجهل والجنون. حضارة عمرها ثلاثة آلاف سنة يعتقد أنّ بإمكانه محوها بكلّ بساطة، وقد ساعد هذا التهديد إيران لأنّه وحّد الإيرانيين. هذه الحضارة لم تبدأ مع الخميني، ولم تستمرّ فقط لأنّ ثمّة حرساً ثورياً. هذا قصر نظر وانعدام ثقافة، وضيق أمام المضيق والمضائق الأخرى كلّها، وفشل لم يعتد ترامب عليه ولا يمكن أن يتحمّل نتائجه... هذه هي الحقيقة. يُضاف هذا الفشل إلى مشكلات ترامب الكُبرى مع الدول الأوروبية، مع حلف شمال الأطلسي (ناتو)، ومع الحلفاء الأساسيين لأميركا منذ الحرب العالمية الثانية، وقد هدّدهم ترامب بخطّة لمعاقبتهم لأنّهم لم يقدّموا له الدعم الكافي، بل مَن يعارضه، ومَن لا يُلبّي طلباته، معرّض للعقوبات. وروسيا لا تزال موجودةً، وتمارس على الأقلّ حقّ النقض في مجلس الأمن، وبوتين يتّصل بالرئيس الإيراني ويبدي استعداده للتوسّط لحلّ الأزمة، والصين خطر مقلق يؤرّق ترامب وإدارته وتتصرّف بعقل بارد، وموجة انتقادات داخلية في أميركا ضدّه، وقلق من "الحلفاء" و"الأصدقاء" العرب بعد الخيبات والصدمات التي تلقّوها، والضغط الدائم لتدفيعهم ثمن الحرب التي شنّها مع إسرائيل على إيران، واهتزاز الثقة بتوفير الحماية التي عاشوا عليها فترة طويلة، والشعور بالابتزاز المفتوح المتبادل أو المشترك الذي يمارس ضدّهم من بطلَي الحرب: إسرائيل وأميركا. أيّاً تكن نتائج الحرب، نحن أمام خليج جديد، ومنطقة جديدة، وشرق أوسط جديد، بمعايير ومقاييس ورؤى وخطط نتنياهو الذي نجح حتى الآن في الإمساك بمفاتيح اللعبة كلّها. حتى عندما وقع اتفاق وقف إطلاق النار بين أميركا وإيران، وقرار الذهاب إلى باكستان، كنت على يقين بأنّ نتنياهو سينقلب على كلّ شيء، سيخرّب أيّ محاولة لوقف النار أو الوصول إلى اتفاق، وهو قادر للأسف، وهذا ما أثبتته تجارب السنوات الأخيرة. نجح مرّةً جديدةً ليؤكّد أنّه الرابح الأوّل، وكان هذا عنوان مقالي الأسبوع الفائت في "العربي الجديد". ارتكبت إسرائيل مذبحةً في لبنان، اعتبرها ترامب "مناوشة منفصلة" عن اتفاق وقف النار مع إيران. هكذا بكلّ بساطة. وأكّد رئيس الأركان الإسرائيلي أنّ قواته أنجزت الترتيبات والتحضيرات اللازمة لاستكمال الحرب. فشل لقاء باكستان، فعاد ترامب إلى تهديداته، واستقوى نتنياهو بالفشل، لأنّه لم يكن يريد التفاوض أصلاً. وقبل المفاوضات، وعندما هدّد ترامب بمحو الحضارة الإيرانية وسحق إيران خلال ساعات وإدخالها في جحيم لا تتخيّله، وهدّد نتنياهو بضرب محطّات الطاقة كلّها، نزل الإيرانيون إلى الشارع، شكّلوا أسواراً بشرية حول المؤسّسات المستهدَفة، فخرج ترامب بموقف يقول: "دعوات إيران لاستخدام دروع بشرية حول محطّات الطاقة غير قانونية". هو يتصرّف على أساس أنّه "حاكم العالم"، وفق "قوانين ترامب"، العدالة هي ترامب، والمحكمة هي ترامب، والقاضي هو ترامب، والحَكَم هو ترامب... هو رئيس العالم ومحكمته وقانونه. رجل يعيش حالةَ من "هلوسة" و"استكبار" و"جنون عظمة"، ويحيطونه في البيت الأبيض "بصلوات مفتعلة"، فهو الرسول المكلّف إنقاذ البشرية وتعميم السلام بالقوة، وقد خاطبه البابا لاوون الرابع عشر مجدّداً بالقول: "كفى لعبادة الذات والمال. كفى لاستعراض القوة. كفى للحرب. إنّ القوة الحقيقية تتجلّى في خدمة الحياة. حتى اسم الله المقدّس، إله الحياة، يُزجّ به في خطابات الموت". مع ترامب ونتنياهو تبدو المنطقة كلّها في "غاب بلا شريعة" ويستفيد نتنياهو من هلوسات ترامب وانحرافاته. الأسبوع الفائت، في عيد الفصح وذكرى قيامة المسيح حسب التقويم الغربي، منعت قوات الاحتلال الإسرائيلي المصلّين من ممارسة طقوسهم في كنيسة القيامة. ومنذ يومَين مارست "المهنة" ذاتها مع المصلين حسب التقويم الشرقي ومنعتهم من الاحتفال بقيامة السيّد المسيح. في وقت اقتحم بن غفير المسجد الأقصى مع عدد من عصابات المستوطنين في حماية الشرطة، وأدّى "صلوات تلمودية"، واتخذت السلطات الإسرائيلية قرار بناء 34 مستوطنة جديدة في الضفة في سياق مشروع السيطرة على فلسطين كلّها وتهجير أبنائها. ذاهبون إلى فصل جديد من فصول الحرب التي تهدّد كلّ المنطقة والعالم بنتائجها الكارثية بشرياً وسياسياً واقتصادياً ومالياً واجتماعياً. ترامب يهدّد بمنع دخول أو خروج السفن من مضيق هرمز، وبتدمير ما تبقّى من إيران. قال: "لا أريد 90% أو 95%، بل أريد كلّ شيء منها" و"لا مشكلة لديّ في التهديد بموت الحضارة الإيرانية بأكملها" و"أرفض ابتزاز إيران المالي وفرض الرسوم على الحركة في المضيق، ومصرّ على منعها من امتلاك السلاح النووي". ويدعو نتنياهو مجلس وزرائه الأمني المصغّر إلى اجتماع طارئ ليبنى على كلام ترامب المقتضى اللازم للذهاب نحو الأسوأ والاقتراب من الحريق الشامل. مع هذين الرجلَين تبدو المنطقة كلّها في "غاب بلا شريعة"، على حدّ توصيف كمال جنبلاط لأخطر الحالات التي يمكن أن تواجه الكيانات والدول والأمم.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows