الأمر الواقع
Arab
1 hour ago
share
حين يرِد تعبير "حكومة الأمر الواقع" في السياق السوري، يتبادر إلى الذهن، ما يحمله من معنى سلبي، المقصود منه عدم توافر الشرعية، أو على الأقل خللاً في الحضور السياسي. أما إذا أدركنا أن الشرعية ليست جائزة تمنح عبر الانتخابات كما عرفناها، وإلا كانت سلطة الأسد شرعية، عندما كانت صناديق الانتخاب غطاء للبوط العسكري، لم تكن الشرعية إلا خدعة صناعة مخابراتية. في حالات الاضطرابات الكبرى، لبلد عاش مرحلة من الدكتاتورية الرثة، لا تتوافر عند سقوطها نقطة يمكن الانطلاق منها، إلا الفوضى المتخلفة عنها، مع خطر دائم بالانزلاق إلى الأسوأ. لا يكون السؤال: هل هذه الحكومة شرعية أم لا؟ بل: هل تسدّ الفراغ أم تعمّقه؟ هل تُدير ما هو قائم أم تتركه يتفكك؟ سورية ليست بلداً جاهزاً كي ينفرط الى مكوناته فقط، بل إلى تفتت مكوناته نفسها أيضاً. منذ التحرير، كان لا بد من مراعاة فترة انتقالية شديدة التعقيد، لا يمكن أن تُقرأ إلا بوصفها تعبيراً عن القدرة على الإمساك بما هو ممكن، في بلد ليس في حالة استقرار، حتى نُسقط عليه معايير الدول الراسخة. إنه ساحة مثقلة ببنية تحتية منهارة، واقتصاد مهلهل، ونسيج اجتماعي مشروخ، وذاكرة جماعية مثقلة بالعنف. لم تأت السلطة نتيجة عملية سياسية مكتملة، بل استجابة لإيقاف انهيار دولة. من هذا الوضع، يمكن النظر إلى "حكومة الأمر الواقع"، ولا يعني التسليم بها كقدر دائم، بل الاعتراف بمرحلة انتقالية تفرض أدواتها الخاصة، ليست الشكل المثالي للسلطة، وإنما التعويل عليها بما يمنع الفوضى، وخلق حد معقول من النظام. ما يعني اختباراً يومياً لإمكانية السلطة على تمهيد الطريق نحو فتح أفق إلى الدولة. ماذا يحدث إذا رفضنا "حكومة الأمر الواقع"؟ غالباً، لا يأتي البديل على شكل نموذج مثالي جاهز، بل على شكل فراغ في سياق هشّ، ليس آمناً، مفتوحا لقوى أكثر راديكالية وتهوراً، فوضوية وأشد عنفاً، وأقل قابلية للمساءلة. إن الرفض مع عدم وجود بديل واقعي، حتى لو بدا أخلاقياً في الظاهر، لكنه عقيم سياسياً. التعامل بإيجابية مع السلطة لا يعني تبرير أخطائها. بل يعني المشاركة في إنجاحها لا العمل على إفشالها. فالدولة لا تُبنى بقرارات حكومية فقط، بل بتواطؤ إيجابي بين من يحكم ومن يعارض. بحيث يصبح دور المجتمع والنخبة وحتى المواطنين العاديين، حاسماً في النقد، كمسؤولية ضرورية، لكنه يتحول إلى عبء في حال استغرق في مطالبات تقترب من المثالية، لا يمكن تحقيقها في المدى القريب. فحين نطالب حكومة خرجت لتوّها من ركام الحرب بأن تُجسد فوراً نموذج الدولة الديمقراطية او الليبرالية أو العلمانية، لا أن تأخذهم في حسبانها، فإننا نسهم في إضعافها. النقد المسؤول هو ذاك الذي يرى الإمكانات ويقترح البدائل، ويضغط نحو الإصلاح. التعامل بإيجابية مع السلطة لا يعني تبرير أخطائها ليس تحويل الخراب إلى دولة، مجرد مشروع إداري أو سياسي، بل هو فعل يتطلب إعادة بناء الثقة قبل إعادة بناء المؤسسات، وإعادة تعريف العلاقة بين المجتمع والدولة. إن الإيجابية تجاه الحكومة تعني عدم محاصرتها بخطاب التشكيك الدائم، لئلا تميل إلى الانغلاق، والدفاع عن نفسها بدل الانفتاح على المجتمع. أما حين تُواجه بنقد بنّاء مستمر، مع استعداد للمشاركة، فإنها تجد نفسها مضطرة ومدفوعة، نحو مراقبة أعمالها. إن العلاقة بين المجتمع والسلطة في هذه المرحلة، تُبنى على مزيج دقيق من الضغط والدعم. إن دعم حكومة الأمر الواقع لا يعني تأييدها، بل مساعدتها على الانتقال نحو شكل أكثر تمثيلاً، وأكثر خضوعاً للمساءلة. إن الرهان الحقيقي ليس على الحكومة وحدها، بل على قدرتنا نحن، كمجتمع، كمثقفين، كأفراد، في أن نكون شركاء في هذا التحول. فالدولة التي نريدها، بكل ما تحمله اليوم من تناقضات، هي نقطة البداية التي لم نخترها، لكنها، مع ذلك، قد تكون ما نحتاجه. ربما كان في طرحنا مثالية، لكننا نطالب المنتقدين أن يكونوا أكثر واقعية، لئلا نعتقد أن "حكومة الأمر الواقع"، أمر واقع لا يمكن التأثير فيه. * روائي سوري

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows