عربي
تدخل تونس مرحلة جديدة في إدارة ملف الهجرة السرية مع انطلاق المرحلة الثالثة من "برنامج إدارة الحدود" الممول من الاتحاد الأوروبي، والذي يمتد حتى سنة 2028، وسط تصاعد الانتقادات الحقوقية لسياسات الردع والتضييق الحكومية، ومخاوف من تحول البلاد إلى مصيدة للمهاجرين الراغبين في الوصول إلى أوروبا، أو بلد استقرار بدلاً من بلد عبور.
وطلب المركز الدولي لتطوير سياسات الهجرة (منظمة حكومية تضم الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي) عروضاً لمنظومة متكاملة للمراقبة البحرية على طول السواحل التونسية، يشمل توريد وتركيب نظام مراقبة بحرية، بما في ذلك أجهزة الرادار وأجهزة الاستشعار وأبراج المراقبة، وغيرها من أجهزة البنية التحتية الداعمة.
ويدفع الاتحاد الأوروبي نحو مزيد من تشديد سياسات الهجرة في دول جنوب المتوسط بهدف خفض تدفقات الهجرة رغم تحذيرات دولية من تزايد أعداد مآسي الغرق في البحر المتوسط مع تسجيل نحو ألف وفاة وفقدان مهاجرين خلال الربع الأول من عام 2026 الحالي، بحسب بيانات منظمة الهجرة الدولية.
ويقول رئيس المرصد التونسي لحقوق الإنسان، مصطفى عبد الكبير، إن دول الاتحاد الأوروبي تمضي قدماً في تطبيق سياسات الهجرة المتشددة منذ بدء صعود الأحزاب اليمينية، ويتفاقم ذلك عبر منطق (تصدير الحدود)، وخلق مناطق بحرية وبرية لصد المهاجرين في دول جنوب المتوسط. ويوضح لـ"العربي الجديد"، أن "السياسات التي يسعى الاتحاد لأوروبي إلى تطبيقها أثبتت جدواها في تراجع تدفق المهاجرين، على الرغم من كلفتها الإنسانية المرتفعة المتمثلة في غرق مئات قوارب الهجرة بمن فيها".
يضيف عبد الكبير: "أفادت بيانات المنظمة الدولية للهجرة، في 7 إبريل/نيسان الحالي، بمصرع نحو 765 مهاجراً منذ مطلع العام في منطقة وسط البحر المتوسط وحدها، بزيادة تفوق 460 حالة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وبنسبة زيادة تتجاوز 150%، وسُجلت قرابة 990 وفاة على مستوى منطقة البحر المتوسط كلها، الأمر الذي يجعل بداية هذا العام واحدة من أكثر الفترات التي شهدت وفيات منذ عام 2014".
ويتابع: "خلال السنوات الأخيرة، انتقل زخم تدفقات الهجرة من تونس إلى ليبيا، حيث باتت تبحر غالبية قوارب المهاجرين، لكن الآلاف من هؤلاء المهاجرين باتوا عالقين في تونس وسط أوضاع اجتماعية وإنسانية هشة في ظل غياب قوانين محلية تضبط وجودهم، رغم محاولات عديدة قادتها منظمات المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية لإقناع السلطات بسن تشريعات للهجرة. الاتحاد الأوروبي يواصل سياسة تصدير الحدود، ويسعى إلى تضييق الخناق على المهاجرين، بينما لا يمكن أن تتحول تونس إلى حديقة خلفية للمهاجرين، والسلطات مطالبة بحسن التفاوض مع الاتحاد الأوروبي بشأن ملف الهجرة، ورفض محاولات حصر دورها في حراسة حدوده".
وشهدت تونس خلال السنوات الماضية تحولاً لافتاً في موقعها ضمن خريطة الهجرة عبر المتوسط، بعدما أصبحت نقطة انطلاق رئيسية نحو إيطاليا، متجاوزة ليبيا، مع وصول نحو 97 ألف مهاجر انطلقوا من سواحلها في عام 2023. ودفع هذا الارتفاع الكبير الاتحاد الأوروبي إلى تكثيف التعاون الأمني مع السلطات التونسية، وجرى توقيع مذكرة تفاهم في يونيو/حزيران من العام ذاته، لتبدأ السلطات منذ ذلك الحين تعزيز الدور الأمني للحرس البحري، وتفكيك شبكات التهريب ومخيمات المهاجرين، إلى جانب تسريع برامج العودة الطوعية.
غير أن تلك السياسات أثارت انتقادات متزايدة من منظمات حقوقية تعتبر أن تونس تحولت إلى مصيدة للمهاجرين الذين باتوا عالقين بعد إغلاق مسارات العبور. وتشير تقديرات سابقة لوزارة الداخلية التونسية إلى وجود نحو 20 ألف مهاجر في مخيمات غير رسمية في مناطق مثل العامرة وجبنيانة.
ويؤكد الباحث في سياسات الهجرة خالد الطبابي لـ"العربي الجديد"، أن "تونس تتحول تدريجياً إلى منطقة احتواء خارجية للاتحاد الأوروبي، حيث يجرى وقف المهاجرين قبل وصولهم إلى أوروبا من دون توفير نظام لجوء فعلي داخل البلاد التي لا تملك منظومة قانونية مكتملة للجوء، ما يحد من حقوق المهاجرين. تشديد الرقابة على مسارات الهجرة بدعم من الاتحاد الأوروبي يؤدي إلى انتهاكات، ما يضع تونس تحت ضغط دولي متزايد، كما أن وجود آلاف المهاجرين في وضعية هشاشة يخلق توترات محلية، خاصة في المناطق الساحلية".
ويؤكد الطبابي أن "السياسات الحالية للهجرة في منطقة جنوب المتوسط مرتبطة إلى حد كبير بالتمويل الأوروبي، وتراجع انطلاق مراكب الهجرة من تونس يقابله ارتفاع في ليبيا، ما يعني أن الظاهرة لم تُحل، بل أُعيد توجيهها جغرافياً، وسجلت إيطاليا منذ بداية العام الحالي وصول نحو 6200 مهاجر مقارنة مع 9400 خلال الفترة ذاتها من عام 2025".
وفي 23 مارس/ آذار الماضي، دعا الرئيس التونسي قيس سعيد إلى إعادة النظر في الشراكة الشاملة بين تونس والاتحاد الأوروبي، معرباً عن استياء متزايد تجاه ما تعتبره بلاده "صفقة غير متكافئة" تركّز على ملف الهجرة. وشدد سعيد في مكالمة هاتفية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، على ضرورة أن يصبح الاتفاق "أكثر توازناً وعدلاً وإنصافاً"، وفق بيان للرئاسة التونسية.

أخبار ذات صلة.
قمة خليجية تشاورية في جدة اليوم
العربي الجديد
منذ 24 دقيقة
العالم بين ترامب ونتنياهو
العربي الجديد
منذ 38 دقيقة
العدالة في سورية... يُمهل ولا يهمل
العربي الجديد
منذ 39 دقيقة