عربي
نهاية الأسبوع الماضي، ومع اقتراب انتهاء مهلة وقف إطلاق النار بين إيران من جهة، وأميركا وإسرائيل من جهة ثانية، التي أعلنها الرئيس ترامب، وتسريب معلومات أنّ ثمّة إمكانية لتمديدها، خرج رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو ليعلن: "النظام الإيراني خطّط لإبادة إسرائيل بقنابل نووية. تصرّفنا بحزم ضدّه وأبعدنا التهديد الوجودي حالياً، لكن علينا أن نقاتل من أجل ضمان أمن إسرائيل". وكان ترامب قد أعلن: "لو نجحت إيران في الحصول على السلاح النووي لكانت بدأت بتدمير إسرائيل". نتنياهو ورّط ترامب في الحرب وفق اعترافات مسؤولين أميركيين وإسرائيليين، والعنوان "النووي الإيراني" الذي أكّد مسؤولون رسميون أميركيون عدم وجوده، وإيران ليست على وشك امتلاكه أو شنّ حرب على إسرائيل. ومع ذلك، لا تزال "الهلوسة" الإسرائيلية – الأميركية، خصوصاً الإسرائيلية، بهذا الأمر تتفاعل وتسيطر على عقول أصحاب قرار الحرب ونفوسهم، وذلك لتبريرها.
أعلن ترامب: "ليس لدينا وقتٌ كثير بشأن وقف إطلاق النار مع إيران. لا أريد تمديده. ليس أمام إيران خيار سوى إرسال وفد للتفاوض، وأعتقد أنّ الأمر سيؤول بنا إلى توقيع اتفاق رائع. نحن في موقف تفاوضي قوي". ثم فاجأ العالم بتمديد الاتفاق من دون تحديد مهلة، ما أثار قلقاً في إسرائيل. والسؤال: لماذا؟ هل أصبح لديه كثير من الوقت؟ هل أصبح أمام إيران خيار آخر غير الذهاب إلى إسلام أباد والقبول بالشروط الأميركية؟ جواب ترامب: "قدّمت بهذا الأمر هديةً لإسرائيل بمناسبة عيد تأسيسها"، ومن قال إنّ إسرائيل تريدها أو ترحّب بمثل هدايا كهذه؟ وبالنسبة إلى نتنياهو، الرهان الأساس، والدعم الأساس، هما الاستمرار في الحرب؟ جواب ترامب أيضاً: "ثمّة انقسام داخل القيادة الإيرانية، سأمدّد وقف إطلاق النار حتى يتمكّن قادة إيران وممثّلوها من التوصّل إلى اتفاق وقرار موحّد"، و"أصدرت توجيهاتي بمواصلة الحصار عليها"، وأضاف: "مدّدت وقف إطلاق النار احتراماً لأصدقائنا الباكستانيين".
تدور المعركة الكُبرى حول مضيق هرمز
حقيقةً، ليست معروفةً عن ترامب هذه الدرجة من "اللباقة" و"الرقّة" في التعامل. ثمّة "لطف" استثنائي مبالغ فيه هنا. ردّة الفعل في إسرائيل جاءت: "إنّه إعلان دراماتيكي في اللحظة الأخيرة، لا يوجد حالياً مدى زمني محدّد، قد يستمرّ وقف إطلاق النار سنوات. لم يبقَ لنتنياهو إلا أن يطأطئ الرأس ويقول: آمين. لماذا ستتنازل إيران في المفاوضات عن أمور لم تنجح أميركا وإسرائيل في تحقيقها بالقوة؟ هذا إعلان وقف الحرب من دون اتفاق". وكتبت صحيفة معاريف: "المستوى السياسي في إسرائيل مكبّل لأنّه غير قادر على إدارة الحرب سواء على لبنان أو غزّة أو إيران، إذ مَن يحدّد ذلك هو الرئيس الأميركي ترامب من جهة، والنظام الإيراني من جهة ثانية".
يواجه نتنياهو في هذا التوقيت رفض الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ منحه العفو، وإعلان خصميه نفتالي بينت ويئير لبيد اندماجهما في حزب واحد لخوض الانتخابات. إنّه في ضيق. اتّصل بالصديق ترامب، ثم قال: "أجريت مكالمةً مثمرةً مع الرئيس الأميركي وناقشنا الوضع في إيران، ونحن جاهزون لمعاودة الحرب عندما تصدر إشارة عنه". جرى ذلك كلّه والمعركة الكُبرى حول مضيق هرمز. أميركا تشدّد الحصار، وإيران تزيد عدد الألغام في المضيق. معركة مصادرة السفن من هنا وهناك مفتوحة. الملاحة متوقّفة إلا باستثناءات. أميركا لم تستطع أن تفتح المضيق وأن تفرض شروطها وتخضع إيران، بل الخلاف يتفاقم مع حلفائها الذين لم يقفوا معها، "وهم بحاجة إلى النفط أكثر منا" كما يقول، واعتبر أنّه حقّق مكسباً كبيراً في فرض الحصار المالي على إيران التي تخسر مئات ملايين الدولارات يومياً، وينتظر "إقفال حقولها النفطية"، ويدعوها إلى العودة إلى المفاوضات وقبول المطالب الأميركية، ويقول: "لدى إيران نحو ثلاثة أيّام قبل أن تنفجر بنيتها التحتية النفطية". وإيران لم تتمكّن من فتح المضيق، لكنّها كرّست قرارها ودورها في منع استخدامه من دون موافقتها، والموافقة ستكون مشروطة. ثمّة مأزق أميركي.
مرّ أسبوع. جاء وزير خارجية إيران عبّاس عراقجي إلى إسلام أباد حاملاً ردّاً متكاملاً، وانتقل إلى مسقط، وكاد ترامب يرسل ممثّليه، لكنّه عدل عن ذلك في اللحظة الأخيرة، ولم يحدّد مهلة لانتهاء صلاحية وقف إطلاق النار، فيما ذهبت إيران لحشد إمكاناتها وطاقاتها للمواجهة، مشكّكةً بمواقف ترامب، معتبرةً أنّ ثمّةً هجوماً جديداً يتم التحضير له بشكل مباغت، مع تأكيد كلّ مسؤوليها أن "ليس ثمّة خلاف بيننا. نحن روح واحدة، وكلمة واحدة، وقرار واحد: إيران". "انظروا إلى أوضاعكم: الانقسامات عندكم، الانتقادات في صفوفكم، وفي إعلامكم، الإقالات في صفوف مسؤوليكم العسكريين والأمنيين والقضائيين، والقلق عندكم". ثم علّق بعضهم بعد حادثة إطلاق النار داخل حفل عشاء المراسلين الإعلاميين بحضور ترامب، وأركان قيادته كافة، بأنّ "الخطر في صفوفكم، أمامكم، في عقر داركم. نحن لن نتراجع".
ومن قلب العاصمة الأميركية خرج مسؤولون قدامى واكبوا مراحل التفاوض مع إيران حول سلاحها النووي، وأكّدوا: "لقد لاحق نتنياهو الرؤساء كلينتون، وبوش، وأوباما، لإقناعهم بشنّ الحرب على إيران، الهدف عنده محدّد منذ وقت طويل ولم يتوقّف عن إثارته. الرؤساء الثلاثة المذكورون رفضوا. ترامب وقع في فخّه وتورّط في هذه الحرب التي كان يمكن تفاديها". وقال بعضهم: "ما دام نتنياهو يحرّض منذ الثمانينيات لخوض هذه الحرب، فليقم جنوده بها، ولسنا مضطرين للتضحية بجنودنا وأموالنا من أجله. جنودنا يقاتلون من أجل أميركا فقط".
استمرّت حركة الوساطة الباكستانية، وتوسّعت الدائرة لتشمل دولاً عربية وإسلامية، وخصوصاً في الخليج المعني مباشرة بوقف إطلاق النار لتجنّب مزيد من الخسائر. الدول التي اندفعت في اتجاه الحرب تعاني أزماتٍ ماليةً واقتصاديةً بنيويةً خطيرةً وتطلب مساعدة أميركا. الرئيس ترامب، الذي قدّم قادةُ هذه الدول كلّ شيء له، يستهزئ: "يطلبون مساعدتنا ولديهم المال الكثير، سنساعدهم". دول أخرى صُدمت بنتائج الحرب، لا تريد التورّط فيها، والضغط الأميركي – الإسرائيلي عليها مستمرّ، علماً بأنّ ترامب أعلن: "حرب إيران ستنتهي قريباً جدّاً وسننتصر". فردّت إيران: "يجب أن يدرك الأميركي أنّه يفاوضنا ونحن في موقع المنتصر ولسنا في موقع المنكسر".
الطرفان الإيراني والأميركي يلعبان على حافّة الهاوية؛ من يقول "آخ" قبل الآخر؟
الطرفان يلعبان على حافّة الهاوية؛ من يقول "آخ" قبل الآخر؟ مع الرغبة في الوصول إلى اتفاق، يريد نتنياهو أن يدفع بهما إلى الهاوية أيّاً تكن النتيجة. والعرب في الطريق إليها في هذا الوضع المعقّد الذي يحيط بهم، وأمام قصورهم وعدم قدرتهم على التأثير بشيء يُذكر، خصوصاً منهم الذين وضعوا كلّ أوراقهم لدى أميركا وإسرائيل، أو لدى أميركا، والنتيجة واحدة. الذين واكبوا الاتصالات الإيرانية – الأميركية غير المباشرة خلال الأسبوع الفائت أكّدوا نقلاً عن الجانب الإيراني "أنّ الاتفاق شبه ناجز إذا أرادت أميركا. ثمّة خلاف حول اليورانيوم المخصَّب. أميركا تُصرّ على إخراجه من إيران، ويصرّ نتنياهو على ذلك أكثر منها. وإيران ترفض وتقول يمكن الوصول إلى اتفاق بشأنه". ما هو هذا الاتفاق؟ تعليق التخصيب مدّة عشرين عاماً. قالت أميركا: "لا". قالت إيران: "10 سنوات؟" ردّت أميركا: "لا". أمّا النووي فتؤكّد إيران أنّها "لا تريد سلاحاً نووياً لأنّ ثمّة فتوى من المرشد بذلك"، وهذا لا يحتاج إلى نقاش، "مع الاحتفاظ بحقّنا في الوصول إلى الطاقة النووية لأغراض سلمية مثل كلّ الدول".
حتى كتابة هذه السطور، المشكلة قائمة وخطيرة ومفتوحة على احتمال انفجار أكبر وأخطر من كلّ ما حصل حتى الآن. والرئيس الأميركي يعترف: "العالم أشبه بكازينو والرهانات قائمة في العالم كلّه. لا أحبّ ذلك". لديهم أسواق التنبّؤات، ويضيف: "إنّنا في عالم مجنون". الذين أدخلوا العالم في هذه الحرب وغيرها يتهمهم كثيرون في أميركا بأنّهم "أغبياء" و"مجانين"، ويجب أن يتوقّفوا عمّا يقومون به. لكنّهم لن يتوقّفوا، للأسف، ويأخذون العالم إلى "فوضى شاملة" وحروب دينية مدمّرة.

أخبار ذات صلة.
الرقابة والفساد
العربي الجديد
منذ 13 دقيقة