عربي
يواجه مشفى البيروني الجامعي تحديات جسيمة تتمثل بأعطال في أجهزة طبية أساسية ونقص في الأدوية والتمويل رغم دوره الحيوي بوصفه المركز الحكومي المتخصص في علاج الأورام السرطانية لآلاف المرضى.
في بلد أنهكته سنوات الحرب وأضعفت بنيته الصحية، يبرز مشفى البيروني الجامعي في ريف دمشق بوصفه المركز التخصصي الأهم لعلاج الأورام السرطانية في سورية، والوجهة الرئيسية للمئات من مرضى السرطان القادمين من مختلف المحافظات. وبين ضغط الأعداد المتزايدة ونقص الموارد وتحديات التمويل والتجهيزات، يتحول العلاج داخل هذا المشفى إلى رحلة معقدة تتقاطع فيها المعاناة الطبية مع أزمات الدواء والتنقل والانتظار.
تقول عائدة الجاسم، القادمة من محافظة دير الزور شرقي سورية، إنها وصلت إلى مشفى البيروني بعد رحلة طويلة على أمل الحصول على جرعتها العلاجية، لكنها فوجئت بعدم توفر الدواء. وتقول لـ"العربي الجديد": "جئت من أجل الجرعة، لكن قيل لي إنّ الأدوية غير متوفرة". تضيف أنها اضطرت في مرات سابقة إلى شراء الدواء من خارج المشفى، حيث تبلغ تكلفة الجرعة الواحدة نحو ثلاثة ملايين ليرة سورية (نحو 230 دولاراً أميركياً)، وهو مبلغ يفوق قدرتها المادية. وتتابع: "أحتاج إلى جرعة كل 21 يوماً، وعندما لا تتوفر في المشفى لا يكون أمامي خيار سوى شرائها، لكن كثيرين لا يستطيعون تحمّل هذه التكاليف". وتشير الجاسم إلى أن الكادر الطبي يقدّم الرعاية والمتابعة اللازمة، وأن الأطباء والممرضين لا يقصّرون، لكن المشكلة الأساسية هي في تأمين الدواء".
في المقابل، يروي سليمان الآغا، القادم من مدينة سلمية في ريف حماة، معاناته مع تأجيل موعد عمليته الجراحية. ويقول لـ"العربي الجديد": "جئت لإجراء عملية استئصال كتلة سرطانية بعد انتظار طويل، لكن بعد وصولي إلى المشفى تم تأجيل العملية إلى موعد آخر بحجة عدم وجود الطبيب". ويشير إلى أن هذا التأجيل يضيف أعباء جديدة عليه، سواء من حيث تكاليف الإقامة أو مشقة التنقل، في ظل ظروفه الصحية والمعيشية الصعبة. ويضيف: "رحلة العلاج بحد ذاتها باتت مرهقة، ليس بسبب المرض فقط، بل بسبب الانتظار والتأجيل والظروف المحيطة".
يضطر كثير من المرضى إلى شراء الأدوية على نفقتهم الخاصة كونها غير متوفرة بالمشفى، لكن الأسعار باهظة، ولا يملك الغالبية تحمّل كلفة الشراء بشكل مستمر
يقول خالد الشريف، وهو مريض سرطان في الخمسين من عمره، إنه يواجه صعوبة متكررة في تأمين أدويته، رغم متابعته العلاج في مشفى البيروني. يروي لـ"العربي الجديد": "في كل مرة أذهب لأخذ الجرعة، أبقى قلقاً من أن الدواء قد لا يكون متوفراً". ويوضح أنه اضطر أكثر من مرة لشراء جزء من العلاج على نفقته الخاصة، ويضيف: "بعض الأدوية غير متوفرة، فيطلبون مني تأمينها من الخارج، وسعرها مرتفع جداً ولا أستطيع تحمّله بشكل مستمر". ويشير إلى أن المشكلة لا تتعلق بحالة فردية، بل تطاول عدداً كبيراً من المرضى الذين يواجهون صعوبات مشابهة في كل دورة علاجية، ما ينعكس على استقرار حالتهم الصحية. ويضيف: "المريض لا يخاف من المرض فقط، بل من عدم توفر العلاج في الوقت المناسب"، لافتاً إلى أن بعض المرضى يضطرون إلى تأجيل جرعاتهم أو البحث عن الدواء خارج المشفى، رغم كلفته العالية.
ورغم ذلك، يؤكد أن الكادر الطبي يحاول التعامل مع النقص عبر بدائل علاجية حين تكون متاحة، لكنه يشدد على أن "توفر الدواء يبقى العامل الأهم في رحلة العلاج"، معتبراً أن أي تأخير أو انقطاع قد ينعكس سلباً على استجابة المرضى للعلاج.
هذه الخدمات المجانية الظاهرة للمريض تُخفي خلفها كلفة اقتصادية ضخمة تتحملها الدولة، إذ إن بعض الأدوية التي تُصرف داخل المشفى تصل قيمتها إلى آلاف الدولارات للجرعة الواحدة، وهو ما يجعل استمرارية تأمينها تحدياً دائماً، خصوصاً في ظل تعقيدات الاستيراد وصعوبات الشحن.
يقول مدير مشفى البيروني الجامعي رضوان الأحمد لـ"العربي الجديد" إنّ المشفى يشكّل خط الدفاع الأول في مواجهة مرض السرطان في سورية، في ظل واقع صحي معقّد خلّفته سنوات الحرب، موضحاً أن الضغط على المشفى "غير مسبوق" كونه المرجع الرئيسي لاستقبال مرضى الأورام من مختلف المحافظات. ويبيّن أن عدد المراجعين يصل إلى نحو ألف مريض يومياً، يتوزعون بين تلقي جلسات العلاج الكيميائي والمناعي والهدفي والعلاج الشعاعي، إضافة إلى الفحوص والمتابعات السريرية والمخبرية والشعاعية، ما يجعل المشفى في حالة عمل متواصل على مدار الساعة، ويضع كوادره أمام تحديات يومية كبيرة.
ويشير الأحمد إلى أن نحو نصف المرضى يراجعون لتلقي الجرعات العلاجية، فيما يخضع الباقون للتشخيص والمتابعة، لافتاً إلى أن المشفى سجّل خلال عام واحد فقط نحو 12 ألف إصابة جديدة بالسرطان بين مراجعيه، وهو رقم يعكس حجم الضغط على مؤسسة واحدة في بلد كامل. ويضيف أن هذا العدد يترافق مع إجراء أكثر من 430 ألف تحليل مخبري سنوياً و140 ألف جلسة شعاعية تلقاها المرضى و67 ألف جلسة كيميائية ضمن المشفى و30 ألف وصفة دوائية وُصفت خارجياً لمرضى السرطان، إلى جانب عشرات آلاف جلسات العلاج الكيميائي والشعاعي، وهو ما يصفه بـ"العبء التشغيلي والمالي الهائل"، خصوصاً في ظل التزام المشفى بتقديم كل هذه الخدمات مجاناً.
وفي ما يتعلق بالأدوية، يوضح الأحمد أن تكلفة العلاج مرتفعة جداً، إذ تصل قيمة بعض الأدوية إلى آلاف الدولارات للجرعة الواحدة، وهو ما يجعل تأمينها تحدياً دائماً في ظل الظروف الاقتصادية وصعوبات الاستيراد والنقل. ويشير إلى أن "إدارة المشفى تمكنت من تأمين 66 صنفاً دوائياً، وقد وصلنا حتى الآن 46 صنفاً، بينها علاجات حديثة مناعية وهدفية دخلت للمرة الأولى إلى المشافي الحكومية"، واصفاً ذلك بأنه "نقلة نوعية" في علاج الأورام داخل القطاع العام. لكنه يقرّ في الوقت ذاته بأن النقص لا يزال قائماً، مع بقاء نحو 20 صنفاً قيد التوريد، نتيجة تأخر الشحنات أو عزوف بعض الشركات عن التوريد، ما يفرض أحياناً تعديلات على الخطط العلاجية.
ورغم هذه التحديات، يؤكد الأحمد أنه "لا توجد حالات متوقفة عن العلاج"، مشيراً إلى اعتماد بروتوكولات علاجية بديلة ومعترف بها عالمياً لضمان استمرارية العلاج، وفق تقييم الطبيب المعالج لكل حالة على حدة. ويشدّد على أن التنوع في الخيارات العلاجية، بين الكيميائي والمناعي والهدفي، يتيح هامشاً للتعامل مع النقص، وإن كان لا يُلغي الحاجة إلى تأمين الأدوية الأصلية بشكل كامل.
ولا تقتصر التحديات، بحسب الأحمد، على تأمين الأدوية، بل تمتد إلى التجهيزات الطبية، إذ يعاني المشفى من أعطال في بعض الأجهزة الأساسية، مثل أجهزة التصوير الطبقي المحوري، ما اضطر الإدارة سابقاً إلى التنسيق مع مشافٍ أخرى لنقل المرضى وإجراء الفحوص اللازمة. ويشير إلى أن هذا الحل كان موقّتاً، لكنه يعكس حجم الفجوة بين الحاجة الفعلية والإمكانات المتاحة، لافتاً إلى وجود بنية تحتية جاهزة لاستقبال أجهزة حديثة مثل جهاز التصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني (PET Scan) والرنين المغناطيسي، إلا أن إدخالها يبقى مرتبطاً بتأمين التمويل.
وفي هذا السياق، يوضح الأحمد أن المشفى يعمل حالياً ضمن موازنة محدودة، تعتمد على ما يُعرف بالموازنة "الاثني عشرية"، وهي موازنة تتيح تسيير الأعمال الأساسية من دون أن تلبّي متطلبات التوسّع أو التحديث، مشيراً إلى أن إدارة المشفى رفعت احتياجاتها إلى الجهات المعنية، أملاً في الحصول على تمويل إضافي يواكب حجم الضغط المتزايد.
أما على صعيد الكوادر الطبية، فيؤكد الأحمد أن الأطباء يعملون تحت ضغط كبير، إذ يعاين الطبيب الواحد يومياً ما بين 60 إلى 75 مريضاً، وهو رقم يفوق بكثير المعدلات الطبيعية عالمياً، لكنه يعكس في الوقت ذاته التزام الكادر الطبي باستقبال جميع المرضى وعدم رد أي حالة. ويضيف أن المشفى يحافظ رغم ذلك على دوره الأكاديمي، من خلال جلسات علمية أسبوعية وبحوث طبية تُنشر في مجلات ومؤتمرات دولية، مستنداً في ذلك إلى "السجل السرطاني" الذي أُحدث مؤخراً لتوثيق الحالات بدقة.
ويشير إلى أن هذا السجل لا يقتصر على التوثيق، بل يتيح أيضاً تحليل أنماط انتشار السرطان جغرافياً، ما يساعد في فهم أوسع لطبيعة المرض في سورية، ويدعم الجهود البحثية والطبية في هذا المجال. ويؤكد أن هذه البيانات تُستخدم أيضاً في تقدير الاحتياجات المستقبلية من الأدوية والتجهيزات، ما يعزّز القدرة على التخطيط رغم محدودية الموارد.
ويشدّد الأحمد على أن مشفى البيروني، رغم كونه الركيزة الأساسية في علاج الأورام في سورية، لا يمكنه وحده تحمّل هذا العبء المتزايد، مشيراً إلى الحاجة الملحّة لتعزيز المراكز الصحية الأخرى، سواء التابعة لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي أو وزارة الصحة السورية، وتوسيع نطاق الخدمات الطبية، بما يخفف الضغط عن المشفى، ويحقق قدراً أكبر من العدالة في الوصول إلى العلاج. ويؤكد أن التحدي الأكبر يبقى في الحفاظ على استمرارية الخدمة المجانية في ظل تزايد أعداد المرضى وتعقيدات التمويل والتوريد، مشدداً على أن المشفى "مستمر في أداء دوره رغم كل الظروف، لضمان حق المرضى في العلاج".

أخبار ذات صلة.
قمة خليجية تشاورية في جدة اليوم
العربي الجديد
منذ 24 دقيقة
العالم بين ترامب ونتنياهو
العربي الجديد
منذ 38 دقيقة
العدالة في سورية... يُمهل ولا يهمل
العربي الجديد
منذ 39 دقيقة