أزمة اعتلال العدالة الأميركية... من فيتنام إلى إبستين وغزة
عربي
منذ ساعة
مشاركة
تعود أزمة العدالة في الولايات المتحدة إلى الواجهة في سياقات مختلفة، آخرها محاولات إدارة ترامب ترحيل طلاب الجامعات بعد تظاهرهم رفضاً للحرب الإسرائيلية على غزة المدعومة أميركياً، وكذا التعامل مع قضية جيفري إبستين، كما يستعيد كثيرون محاكمات المتظاهرين الرافضين للحرب على فيتنام. صمِّم النظام القضائي الأميركي بحيث يكون جوهره مبدأ "الفصل بين السلطات"، وأن تكون صلاحيات السلطة التنفيذية منفصلة عن كل من السلطة القضائية والتشريعية، وأنشأ الدستور الأميركي المحكمة العليا، وهي رأس الهرم القضائي، والتي تميل في تشكيلتها الحالية إلى الجمهوريين المحافظين بستة قضاة مقابل ثلاثة ليبراليين، بينما عهد إلى الكونغرس، وتحديداً مجلس الشيوخ، سلطة تعيين قضاة المحاكم الفيدرالية بعد ترشيح من الرئيس، وهم يعينون مدى الحياة ولا يجوز إقالتهم. ويبلغ عدد قضاة المحكمة الفيدرالية حالياً 874 قاضياً، من بينهم تسعة في المحكمة العليا، بينما يبلغ عدد قضاة محاكم الاستئناف الفيدرالية 179 قاضياً، وعدد قضاة محاكم المقاطعات الفيدرالية 677، إضافة إلى تسعة قضاة في محكمة التجارة الدولية. وتسمح سيطرة حزب معين على مجلس الشيوخ بتعيين أشخاص ينحازون إلى ميول سياسية، ولا يشترط في القضاة الفيدراليين أن يكونوا حاصلين على مؤهل في القانون. ويشير التفاوت في الأحكام القضائية بين المحاكم الفيدرالية إلى حالة الانقسام الحزبي غير المسبوقة التي تشهدها البلاد، وطبقاً لأرقام إبريل/ نيسان 2026، يبلغ عدد القضاة المعيّنين من الجمهوريين في المحاكم الفيدرالية 390 قاضياً، بينما عدد المعينين من الديمقراطيين 495 قاضياً. ويحق في الولايات المتحدة انتقاد القضاة الفيدراليين من دون أن يشكل ذلك أي جريمة، ويكرر الرئيس ترامب توجيه انتقادات لقضاة المحكمة العليا الذين عيّن بنفسه ثلاثة منهم، ومن ذلك انتقاداته الحادة بعد إلغاء قراره بخصوص "التعرفة الجمركية". أما بالنسبة لقضايا الهجرة، فقد استحدثت إدارة ترامب، في ولايته الثانية، تقليداً جديداً يقضي بفصل قضاة الهجرة الذين لا يستجيبون لمطالبها، بينما كان من النادر سابقاً أن تقوم الإدارة، سواء جمهورية أو ديمقراطية، بفصلهم. وفي الأسابيع الأخيرة، فصلت وزارة العدل تسعة قضاة، من بينهم قضاة عرقلوا ترحيل طلاب وباحثين مؤيدين للحق الفلسطيني، وعلى رأسهم الفلسطيني محسن المهداوي، والتركية رميساء أوزتورك، وكشفت الرابطة الوطنية لقضاة الهجرة أنه جرى فصل 113 قاضياً من دون اتباع الإجراءات القانونية، ودون أسباب أو تفسير. ويعين المدعي العام قضاة الهجرة، وهم موظفون في وزارة العدل، ويتولون محاكم الهجرة وقضايا اللجوء والإقامة والمواطنة، ويشير محامون إلى ضغوط حكومية على هؤلاء القضاة لإصدار قرارات تتوافق مع توجهات الرئيس الصارمة في ملف الهجرة. لكن أزمة اعتلال العدالة الأميركية قديمة. في عام 1968، تظاهر آلاف الأشخاص في شيكاغو أمام المؤتمر الوطني الديمقراطي ضد الحرب الأميركية على فيتنام، والتي أدت إلى مقتل آلاف الأميركيين، وبثت شاشات التلفاز مشاهد اعتداء الشرطة على المتظاهرين خلال اعتقالهم، ما أدى لاحقاً إلى فوز المرشح الجمهوري ريتشارد نيكسون في انتخابات الرئاسة. وبعد توليه السلطة رفعت إدارته شعار "القانون والنظام" في مواجهة المتظاهرين. أرادت إدارة نيكسون محاكمة قادة التظاهرات الذين أطلق عليهم إعلامياً "مجموعة الثمانية"، كي يكونوا عبرة لغيرهم من المتظاهرين، وأيضاً لإرضاء قاعدة الرئيس الانتخابية، وقرّرت محاكمة قادة التظاهرات بكل الوسائل المتاحة، حتى أنها استخدمت قوانين نادرة التطبيق، لتصنف تلك الملاحقات لاحقاً على أنها "محاكمة سياسية". ورغم أن القضية تابعة لشرطة مدينة شيكاغو في ولاية إلينوي، إلّا أن الحكومة أرادت لها أن تكون فيدرالية، ما يُمكّن وزارة العدل من التدخل، ويسمح بفرض عقوبات قاسية على المتهمين. لكن العقبة التي واجهتها أنه لا يوجد أساس قانوني لمحاكمتهم فيدرالياً، فبحثت وزارة العدل في الأدراج عن قانون لم ينفذ من قبل، يسمح بتوجيه تهمة التآمر من خلال عبور حدود الولايات بقصد إثارة الشغب، واختارت الوزارة لمحاكمتهم القاضي جوليوس هوفمان، وهو محافظ ذو توجهات منحازة للجمهوريين عينه الرئيس الجمهوري الأسبق دوايت أيزنهاور، وقد ألغت محكمة الاستئناف أحكامه لاحقاً بسبب "سلوكه العدائي"، وفي استطلاع للرأي، صنفه 78% من محامي شيكاغو على أنه "غير مؤهل للعمل القضائي". وفي حين مثلت محاكمة "مجموعة الثمانية" في شيكاغو واحدة من أبرز نماذج العدالة المعتلة في الولايات المتحدة، حتى وإن كان النظام القضائي صحح الأمر في النهاية بإلغاء العقوبات، فإن قضية جيفري إبستين مثلت نموذجاً آخر صارخاً لأزمة العدالة. عندما ظهرت تفاصيل جرائم إبستين للمرة الأولى في فترة حكم الرئيس جورج بوش الابن عام 2006، عمل مدّعون عموميون ومسؤولون في أجهزة أمنية على محاولة إغلاق القضية، مع تجاهل ما نشرته صحف كبرى من تفاصيل مدققة، وحتى عندما أُدين رسمياً بتهمة الاتجار بالجنس في عام 2008، في عهد الرئيس باراك أوباما، وجد المدّعون الفيدراليون مخرجاً يسمح له بقضاء النهار خارج السجن، والعودة للمبيت في الزنزانة لمدة 13 شهراً قبل الإفراج عنه. وعندما قُبض عليه مجدداً بتهم التورط في الاتّجار الجنسي بالأطفال في عام 2019، خلال الولاية الأولى للرئيس دونالد ترامب، مات في زنزانته، واختفى تسجيل كاميرات المراقبة للدقائق المتعلقة بوفاته، ما مهد لاحقاً للقول إنه مات منتحراً لعدم كفاية الأدلة على مزاعم قتله. ويرى مساعد نائب وزير العدل الأميركي خلال إدارة الرئيس رونالد ريغان، بروس فاين، أن "نظام العدالة الأميركي، حتى وإن كان غير مثالي، إلّا أنه يعمل، ويصحح نفسه"، موضحاً لـ"العربي الجديد"، أن "السياسة تكون أحياناً حاسمة، أو لها دور في سير القضايا، وأحياناً لا تكون كذلك، والقضاء مثل أي ممارسة بشرية له عيوب". وأشار فاين إلى حالات استخدمت فيها الحكومة سلطتها التقديرية على المدعي العام، ولم تنجح، مثل محاولة توجيه الاتهام إلى ستة أعضاء في الكونغرس نشروا فيديو يؤكد أن الجيش ملزم بعدم تنفيذ الأوامر غير القانونية، وكذا محاولة محاكمة المدعي العام السابق جيمس كومي، والمدعية العامة لولاية نيويورك ليتيشيا جيمس، ورئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول، مضيفاً أن "القضاة يدفعون في الاتجاه المعاكس، ويرفضون هذه القضايا لعدم وجود أدلة". وفي ما يخصّ قضية جيفري إبستين، يؤكد فاين حصول عدد من الضحايا على تعويضات مالية، معتبراً أن هذا جزء من تحقق العدالة، لكنه يستبعد أن تجري محاكمة آخرين من ذوي السلطة والمال، ويقول: "عادة لا توجد فترة تقادم في جرائم الاعتداء الجنسي على القاصرات، لكن من المؤكّد أنه ليس هناك احتمال أن يحاول أنصار ترامب فعل أي شيء، لأن ذلك سيحرج الرئيس نفسه. أعتقد أن هذا آخر شيء يمكن أن يفعله مدع عام، خاصة أولئك الذين يحاولون كسب رضا ترامب حتى يجري تعيينهم في مناصب أعلى، منها منصب وزير العدل الشاغر حالياً منذ إقالة بام بوندي. احتمال مقاضاة أي شخص بسبب فضيحة جنسية متعلقة بجيفري إبستين هو صفر في ظلّ إدارة ترامب". وفي ما يخص قضايا الهجرة، يقول: "النظام ليس عادلاً، والقضاة يعلمون أنه قد يتم فصلهم إذا فعلوا أمراً لا يعجب المدعي العام، فحين يعين المدعي العام القضاة يصبح النظام غير مستقل بالقدر الكافي. بعضهم يتخذ القرارات الصحيحة، لكن الكثير منهم لا يفعل، لكن يظل قرارهم غير نهائي ولا ملزم، ويظل هناك حق الاستئناف أمام قاضٍ اتحادي مستقل، وهذه ضمانة مهمة".

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية