مساءلة الحكاية الشعبية في مسرحية "متولي وشفيقة"
عربي
منذ ساعتين
مشاركة
يعيد المخرج المصري أمير اليماني سرد واحدة من أشهر الحكايات الشعبية في الوجدان المصري في عرضه الجديد "متولي وشفيقة"، الذي يقدمه حالياً على مسرح الطليعة في القاهرة، حيث يفككها من الداخل، ثم يعيد تركيبها على نحو يخلخل ثوابتها القديمة، كما يطرح أسئلة عن العدالة، والذنب، ومعايير الشرف التي حكمت مصائر شخصياتها لعقود طويلة. الحكاية، كما هو معروف، تعود إلى واقعة يُرجّح أنها حدثت في صعيد مصر خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حيث انتهت حياة شفيقة على يد شقيقها متولي، بعد أن هربت من بيت أسرتها تحت إغواء عاطفي، لتجد نفسها لاحقاً في مسار قاسٍ دفعها إلى العمل بائعة هوىً. الرواية الشعبية، في نسخها الأكثر انتشاراً، احتفت بمتولي بوصفه نموذجاً للرجولة المدافعة عن "الشرف"، بينما ثُبِّتَت صورة شفيقة باعتبارها مثالاً للانحراف الذي يستوجب العقاب. غير أن العرض المسرحي الحالي، وهو من تأليف محمد علي إبراهيم، يقلب هذه المعادلة رأساً على عقب. لا يقدم العرض شفيقة بوصفها مذنبة، ولا متولي باعتباره بطلاً، لكنه يضع الاثنين داخل سياق اجتماعي قاسٍ، تتقاطع فيه السلطة الذكورية مع الفقر، ومع اختلال موازين القوة، لتصبح الجريمة نتيجة منظومة كاملة، لا فعلاً فردياً معزولاً. ومن هنا، فإن العرض لا يبرّئ شفيقة فقط، لكنه يدين أيضاً البنية التي أنتجت مصيرها. محاولة مسرحية تُدين البُنية التي أنتجت السلطة الأبوية يأتي هذا الطرح من خلال بناء بصري وحركي يعتمد على الصورة أكثر من الكلمة أو الخطاب المباشر. إذ يشتغل العرض على مزج محسوب بين الواقعي والتعبيري، بحيث تتداخل الأزمنة، وتتشابك المشاهد، فيتولد المعنى من الإيحاء، لا من السرد المباشر. منذ اللحظة الأولى، يختار العرض زاوية نظر مختلفة، المتمثلة بمتولي نفسه. في هذا الفضاء المغلق، يسترجع متولي شريط حياته مع شفيقة، في طفولتها، وبراءتها، وتعلقها به، ثم انزلاقها نحو المصير المأساوي. الذكريات هنا تتخذ شكل تدفقات متقطعة، تتداخل فيها الأزمنة، كما لو أننا داخل عقل الشخصية نفسها. هذه التقنية، التي تقترب من السينما في مرونتها، تمنح العرض إيقاعاً خاصاً، وتسمح بتكثيف المشاهد من دون الوقوع في الترهل. على مستوى الأداء، ينهض الفنان محمد فريد فؤاد الذي يجسد شخصية متولي بالعبء الأكبر، إذ يتطلب الدور قدرة على التنقل بين حالات متباينة، من الندم، والغضب، والانكسار. أداء الممثل هنا يعتمد على الصوت وحركات الجسد، في ترجمة دقيقة لتصدعات الشخصية. تُقدَّم شخصية شفيقة، في المقابل، عبر ثلاث مراحل عمرية، ما يتيح تتبع تحولاتها من الطفولة إلى النضج. تتشكل أمامنا ككائن هش، يتعرض لضغوط متتالية، حتى يصل إلى نقطة اللاعودة، وهو ما يمنح الحكاية عمقها الإنساني، ويبعدها عن الاختزال. وفي هذا السياق، تبرز يسرا المنسي في تجسيد شفيقة في سنوات نضجها، حيث تحمل العبء الأكبر من التحولات النفسية للشخصية، وتنجح في التعبير عن هشاشتها وتمزقها الداخلي بأداء متوازن، بعيد عن المبالغة، ومعتمد على حس داخلي يلتقط التفاصيل الدقيقة لمعاناة الشخصية. عنصر الجوقة يحضر هنا بوصفه وسيطاً بين الحدث والمتلقي، وهي تبدو في العرض مثل كيان حي يشارك في الفعل الدرامي، ويعلّق على الأحداث، ويحرّض، ويعيد تشكيل المشاهد عبر الحركة والصوت. أما السينوغرافيا فتلعب دوراً محورياً في بناء هذا العالم. الشخصيات الأخرى تشكل شبكة من العلاقات التي تكشف عن طبيعة المجتمع المحيط، وهي شخصيات تكتسب سلوكها القاسي بصفته نتاجاً لبيئة تحكمها قيم موروثة، تجعل من القسوة أمراً عادياً، ومن العنف وسيلة مقبولة. وهنا يلمّح العرض إلى الكيفية التي جرى بها تشكيل الوعي الجمعي، عبر نصوص وأغانٍ انحازت للرواية الذكورية، وساهمت في تثبيتها.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية