عربي
لا مبالغة في وصف "واحدة من مليون" (One in a Million)، للسورية عتاب عزام والبريطاني جاك ماكينيس، بأنه من التقاليد النادرة للاشتغال الإخراجي في تاريخ السينما الوثائقية خاصة، الذي (التاريخ) لا يحتوي على تجارب كثيرة مماثلة، روائية أو وثائقية. التجارب الموثّقة لا يتجاوز عددها عدد أصابع اليدين، ما يؤكّد جرأة تجربة الفيلم وفرادتها، ولا سيما أنها (التجربة) مضت بعيداً في تناول قضية الهجرة واللاجئين السوريين، وأنها غير مسبوقة عربياً تقريباً، وإن أمكن مقارنتها جزئياً بتجربة التتبع الزمني الطويل للمصري محمد صيام في فيلمه "أمل" (2017).
كما تذكّر التجربة بفرادة الاشتغال السينمائي واستثنائيته في "طفولة" (2014)، للأميركي ريتشارد لينكليتر، بتصويره مَيْسون (12 عاماً)، ورصد مروره من الطفولة إلى المراهقة فالجامعة، في زمن حقيقي، بتصوير بضعة أيام في حياته سنوياً.
المثير والمربك في هذا النوع من الاشتغال السينمائي، النادر جداً، تجاوزه حدود التوثيق التقليدي وآلياته، لطرح مقارنة حتمية بين الإعجاب بفكرة الصُّنع بحدّ ذاتها وآليات التنفيذ، وما يستلزمها من صبر ودأب وإخلاص، وصولاً إلى العمل النهائي؛ والمضمون/المحتوى والمنتج النهائي المُقدّم، بتفاصيله وأحداثه الفرعية، ومدى أهميتها أو كونها فائضة أو غير ضرورية؛ والاهتمام بطبيعة الاشتغال نفسه ونوعيته، وكيفية رصد آثار الزمن الممتد وتغيراته وتقديمها، أكثر من متابعة الحدث المرصود والشخصيات، وكيفية مراكمة أحداث درامية متماسكة ومتوازنة ومقنعة. ثم خطورة إطاحة الاشتغال الدرامي الرهانَ، المعقود أصلاً على قوة فكرة الاشتغال على الزمن الطويل وفرادتها.
نسبياً، نجح المخرجان في تحقيق بعض التوازن الدرامي: الابتعاد كثيراً عن فخّ الولع بالمادة المُصوّرة في مدى زمني طويل، مقارنة بجوانب فنية أخرى. عدم تقديم فيلم تقليدي، ينتمي إلى أفلام الهجرة واللجوء، فيكرّر المطروق. والأهم: إسهامه قليلاً في سدّ ثغرة، لا تزال في حاجة إلى اشتغال سينمائي أكبر وأعمق، متعلّقة بمتابعة مصائر ملايين اللاجئين وأحوالهم الآن، بعد نحو عقد في المنفى. خاصة أن أطنان الأفلام التي رصدت، بصدق وأمانة، موجة الهجرة براً وبحراً، لم تمض إلى أبعد من هذا.
يُصوّر "واحدة من مليون"، الفائز بجائزتي الجمهور وأفضل إخراج بالدورة الـ42 (22 يناير/كانون الثاني - 1 فبراير/شباط 2025) لمهرجان ساندانس السينمائي، رحلة الصبية إسراء (12 عاماً)، التي اضطرتها ظروف الحرب السورية إلى مغامرة الخروج وأسرتها إلى تركيا، والبقاء هناك بعض الوقت، قبل خوض مغامرة أخرى، شِبه مُهلِكَة، صوب إحدى الجزر اليونانية، ومنها إلى حدود أوروبية شرقية عدّة سيراً على الأقدام، حتى بلوغ ألمانيا. المثير في الرحلة، المُقدّمة بلقطات قصيرة ومكثفة، إحساسنا بخطورتها الكارثية كل لحظة، وكيف أن الشروع فيها عفوي تماماً، وأنها مقامرة بكل معنى الكلمة. في أثناء الإقامة باليونان، تسأل المخرجة إسراء وشقيقتها عن وجهتهما/حلمهما المقبل، فتقولان ألمانيا. وعندما تسألهما أين ألمانيا، لا تعرف إسراء، بينما تجيب شقيقتها أنها في تركيا. الأمر نفسه ينطبق على والدها، العامل البسيط، الذي لم يخرج قط من سورية، وعلى والدتها شبه الأمية، التي لم تفارق بيتها وحيّها أصلاً.
بين مشهد الافتتاح، عن العودة إلى حلب بعد سنوات غربة، والسؤال إن كانوا سيعودون للاستقرار بديارهم وانتهاء غربتهم، واللقطات النهائية في الفيلم، المُجيبة عن السؤال، وعن أسباب استحالة العودة، رصد المخرِجَان عشرات التفاصيل التي تجاوزت مجرّد التركيز على الرحلة وصعوبتها، والغوص في التحوّلات النفسية والثقافية والاجتماعية المترتبة عليها. تركيز يضع الفيلم أيضاً في نوع دراما الاندماج، برصده صعوبات تعلّم اللغة والدراسة والتكيّف مع المجتمع والعادات والتقاليد والطقس، ومشكلات الهوية والانتماء والتحوّلات الجذرية بخصوصهما، وصولاً إلى صراع الأجيال، وفكرة قتل الأب مجازاً، والانقسام في الأسرة، والتمزّق بين قيم تقليدية وأخرى ليبرالية فيها، وفي المجتمع المحيط، ولذة معانقة الحرية. لذا، تتراجع شخصيات الفيلم كثيراً إلى الخلفية، حتى إسراء الحاضرة دائماً، وتبرز في الواجهة التبدلات والتطورات والانقلابات الاجتماعية والأخلاقية والدينية، التي عرفتها الأسرة في سنوات استقرارها بألمانيا، والتي أثرت على الوالدين أيضاً.
الكاميرا حاضرة دائماً، وصوت عتاب عزام يطرح أسئلة واستفسارات بين حين وآخر، والمونتاج حيوي، مُنجز لسرد غير خطي غالباً، ومع ذلك سهل التلقّي، بالتركيز أكثر على إسراء وشقيقتين لها، إحداهما على كرسي متحرك، وأخ أصغر، في أعمار متقاربة، لا ندرك عنهم شيئاً تقريباً. هناك أيضاً تركيز على علاقتها بوالدها، والانقلابات الحادة فيها، ولا سيما في المراهقة. كما يمرّ الفيلم سريعاً على علاقة الأبوين، وعدم الانسجام الواضح بينهما، وصولاً إلى انفصال أحدهما عن الآخر، وشرح والدتها الأسباب، وسماع القليل من الأب، ثم زواج إسراء وإنجابها، ومسامحتها والدها، ورضاها الحَذِر والجزئي عنه.
هنا، تختفي الدراما والإثارة والوصول إلى الذروة، تحت سطوة قوة الزمن والحياة. فما يتكون أمامنا ويصلنا عبر المخرجة من تطورات وآثار مرور الزمن، وتبعاته على هؤلاء البشر، يتسم ببعض السطحية وعدم الإقناع، لضعف في بلوغ أعماق الشخصيات ونفسياتها، وتفكيك دوافعها، والاشتباك مع تحوّلاتها الحادة، ولا سيما الشخصية والأخلاقية والدينية.
لذا، نتساءل إن كان اقتراب المخرج/المخرجة، سنوات وسنوات، من مادة الفيلم، يُخِلّ أحياناً بعمق التحليل والنقد والحيادية، ويفضي إلى طغيان تأثير الحمولة الزمنية للمادة المُصَوَّرَة.

أخبار ذات صلة.
كيف يؤثر تناول البيض بشكل يومي على الأعصاب؟
الشرق الأوسط
منذ 46 دقيقة