عربي
أبدى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أخيراً، امتعاضه مما وصفه بـ"تقاعس الحلفاء" (حلف شمال الأطلسي) عن دعم العمليات العسكرية الأميركية والإسرائيلية ضد إيران. وهدد بالانسحاب من الحلف، واصفاً إياه بأنه "نمر من ورق" و"لم يفعل أي شيء يذكر لمساعدة الولايات المتحدة"، في حين شددت دول أوروبية على التزامها تجاه "ناتو" باعتباره تحالفاً عسكرياً لم يشكَّل لانتهاك القانون الدولي. هذا التفاوت في المواقف بين الولايات المتحدة وحلفائها، أثار تساؤلات في بكين حول دور الحلف ومدى انخراطه في أي حرب محتملة في شرق آسيا، حيث أجرى مراقبون صينيون مقاربة بين موقف "ناتو" من الحرب على إيران وما قد يكون عليه الوضع في حال اندلاع حرب في تايوان. ومن جملة التساؤلات أنه بعد سنوات من دفع الحلف نحو المواجهة مع بكين، هل سيكون مستعداً لخوض حرب لم يخترها؟
ووفق المقاربة الصينية، فإن إيران وتايوان حالتان مختلفتان، تقع الأولى على هامش أوروبا الأوسع، ما يترتب عليه تداعيات مباشرة على الطاقة والهجرة والآثار الإقليمية، أما تايوان فتقع في شرق آسيا، وتؤثر على ميزان القوى في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. ومع ذلك، تواجه واشنطن في كلتيهما المشكلة نفسها. فالتوافق السياسي شيء، والمشاركة العسكرية في حملة تُصاغ وفق الشروط الأميركية شيء آخر. وتشير أيضاً إلى أن واشنطن بدأت الأعمال العدائية دون موافقة حلفائها، وحجبت التخطيط العملياتي عن أكثر الأطراف عرضةً للتصعيد في منطقة الخليج العربي، وبمجرد اندلاع الصراع، سعت إلى الحصول على دعم "ناتو". وعندما لم يأتِ هذا الدعم، وصف ترامب الحلفاء بـ"الجبناء". وللمرة الأولى، ثبت الحلفاء الأوروبيون على موقفهم، واقتصر رد ألمانيا وفرنسا وبريطانيا على التمركز الدفاعي، بينما رفضت إسبانيا السماح للجيش الأميركي باستخدام قواعدها.
وتضيف المقاربة الصينية أن حسابات ترامب كانت خاطئة، حيث ظن أن العملية العسكرية ستحقق انتصاراً سريعاً، وستنتهي حتى قبل أي يتخذ الحلفاء موقفاً على غرار ما حدث في فنزويلا، لكن صمود النظام الإيراني وقدرته على الحاق الضرر بالمصالح الأميركية في المنطقة، أثبتا فشل هذه التقديرات، وبالتالي فإن مقاومة حرب بدأت دون موافقة الحلفاء الأوروبيين، توضح حدود حلف شمال الأطلسي، إذ لا يمكن للولايات المتحدة الاعتماد على دعم "ناتو" في حرب في آسيا، وهذا الأمر يطمئن الصين.
وخلصت المقاربة الصينية إلى أن الحرب على إيران لم تكشف عن مجرد خلاف مؤقت داخل "ناتو"، بل عن مدى عجز واشنطن في جرّ حلفائها للعمليات العسكرية، إذ تستطيع الولايات المتحدة صياغة إطار الحلف بشأن التهديد الصيني، والضغط على أوروبا لزيادة إنفاقها الدفاعي، لكن ما لا تستطيع ضمانه هو مشاركة عسكرية تلقائية خارج نطاق معاهدة حلف شمال الأطلسي الأساسية. وبذلك تتجلى حقيقة واقعية أمام الصين، أن صياغة "ناتو" وتوظيفه عسكرياً أمران منفصلان.
جياو بينغ: تخلّف "ناتو" عن الانجرار لحرب إيران صفعة لمساعي أميركا توظيفه في حروبها
صفعة للجهود الأميركية
وقال الباحث في مركز جيانغ شي للدراسات الاستراتيجية، جياو بينغ، في حديث لـ"العربي الجديد"، إن الإدارات الأميركية المتعاقبة أنفقت مليارات الدورات من أجل تعزيز تحالفاتها الأمنية والعسكرية، سواء مع الدول الأوروبية أو دول شرق آسيا وجنوبها، وكانت الصين محور هذه التكتلات باعتبارها التهديد الأكبر، وتجلى ذلك في الاستراتيجية الأميركية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. وأوضح، في ذات السياق، أن حث الحلفاء على الإنفاق الدفاعي وزيادة المشتريات العسكرية، كان يشير إلى رهان أميركي على دور أساسي لهم في حال اندلاع مواجهة عسكرية مع الصين، ولكن يبدو أن تخلّف "ناتو" عن الانجرار إلى الحرب التي بدأها ترامب وحده ضد إيران، مثّل صفعة للجهود والمساعي الأميركية في توظيف الحلف واستخدامه ذراعاً عسكرية في حروب الوكالة.
ولفت جياو بينغ إلى أنه من حيث تبني الخطاب السياسي، خصوصاً ما يتعلق بالتهديد الصيني، هناك انسجام تام بين الحلف وواشنطن، على سبيل المثال: المبالغة في تقدير دور الصين وانخراطها في الحرب الروسية الأوكرانية، وتضخيم علاقات الصداقة المتينة التي نسجتها مع روسيا وإيران وكوريا الشمالية، والاستمرار في التحذير من خطورة هذا التحالف على الأمن والاستقرار الدوليين. ولكن عندما بدأت الحرب ضد طهران اتضح أن كلاً من موسكو وبكين حافظتا على موقف متزن يدعو إلى إنهاء الصراع عبر الحوار والقنوات الدبلوماسية.
تقديم تايوان على طبق من ذهب
من جهته، رأى أستاذ العلاقات الدولية في جامعة جنوب الصين، ياو بين، في حديث مع "العربي الجديد" أن عدم استجابة "ناتو" للدعوة الأميركية في الدخول بالحرب على إيران، يمثل ضرباً لحسابات الولايات المتحدة بشأن أي نزاع محتمل في مضيق تايوان خاصة أن تكلفة هذه الحرب العسكرية وارتداداتها ستكون أكبر مقارنة بما يحدث الآن في منطقة الشرق الأوسط.
ياو بين: دول "ناتو" ليس لديها أي مصلحة في مسألة تايوان
وأضاف: ناهيك عن أن دول التحالف ليس لديها أي مصلحة عملية في مسألة تايوان التي تخضع لاعتبارات قانونية وقرارات أممية تعترف بها جميع هذه الدول. واعتبر أن الأخطر من ذلك بالنسبة للإدارة الأميركية أن يتخلى عنها أيضاً حلفاؤها في منطقة المحيطين مثل كوريا الجنوبية واليابان، وهذا يعني تقديم جزيرة تايوان للصين على طبق من ذهب، وفق القراءة الأميركية. يشار إلى أن مراقبين صينيين يرون أن نشوب صراع بين الولايات المتحدة والصين في مضيق تايوان لا يزال أمراً مستبعداً، باعتبار أن بكين تُفضّل إعادة التوحيد السلمي، وبالتالي فإن احتمالية اللجوء إلى عملية عسكرية لا تزال محدودة، لكنّ انخفاض الاحتمالية لا يعني انخفاض الأهمية، فكل من واشنطن وبكين لا تتعاملان مع هذا الاحتمال على أنه نظري.

أخبار ذات صلة.
إبريل شهر المحاكمات السياسية في تونس
العربي الجديد
منذ 50 دقيقة