عربي
منذ استقلالها عن الهند عام 1947، فرضت المؤسسة العسكرية الباكستانية نفسها بصفتها اللاعب الأكثر ثباتاً في باكستان وسط تقلبات سياسية وأمنية متلاحقة. ومنذ ذلك الحين برز نجم عدد من الجنرالات الباكستانيين، وغالباً ما حدث ذلك عقب الانقلابات العسكرية، حيث تحوّلوا إلى شخصيات تحظى اهتمام إقليمي ودولي، مثل الجنرال ضياء الحق، والجنرال برويز مشرف، وقبلهما الجنرال أيوب خان. غير أن قصة قائد الجيش الحالي المشير عاصم منير تختلف عن هؤلاء جميعاً؛ فهو لم يتقدم عبر انقلاب عسكري، بل صعد بهدوء يكاد يتناقض مع حجم النفوذ الذي يمارسه اليوم. كما لم يصل منير إلى قيادة الجيش عبر شعبية جماهيرية أو خطاب سياسي كما فعل آخرون، بل عبر مسار مهني طويل داخل المؤسسة العسكرية والاستخباراتية.
وبعيداً عن الشأن الداخلي الباكستاني والسجالات بشأن تدخّل المؤسسة العسكرية بما في ذلك منير في الشأن السياسي، برز دور منير خصوصاً مع استضافة إسلام أباد المفاوضات الأميركية الإيرانية الهادفة لوقف الحرب على إيران، وهو الذي وصفه الرئيس الأميركي دونالد ترامب سابقاً بأنه "المشير المفضل لديّ"، لتبنى علاقة بينهما ساهمت في جعل باكستان لاعباً أساسياً بالنسبة لترامب، ما مهّد الطريق للقبول بوساطتها في الحرب الحالية.
عاصم منير... البداية من الجيش
انضم عاصم منير إلى الجيش عام 1986 في كشمير الخاضعة للإدارة الباكستانية، وتولى منصب رئيس أركان الجيش في نوفمبر/ تشرين 2022، بعد خوضه مساراً طويلاً في الجيش. بدأت شخصية منير، الذي يحمل اليوم صفة مشير، تتشكّل داخل المؤسسة العسكرية المعقدة والمتشابكة بشكل تدريجي، فبدأ مسيرته العسكرية بالالتحاق بأكاديمية كاكول العسكرية وتخرج منها عام 1986، وبعد التخرج التحق بوحدة المشاة في القوات الحدودية، قبل أن يتدرج عبر مناصب ورتب مختلفة حتى وصل إلى منصب رئيس الاستخبارات في أكتوبر/ تشرين الأول عام 2018، وهو التحوّل الذي غيّر مسار حياته بالكامل. منصبه رئيساً للاستخبارات، الذي استمر لثمانية أشهر فقط، حيث تمت إزاحته من قبل رئيس الوزراء السابق عمران خان في يونيو/ حزيران 2019، أدخله إلى قلب الشبكة الأمنية الدولية، حيث تتقاطع مصالح القوى الدولية والإقليمية.
امتياز علي خان: أثبت منير نفسه لدى الولايات المتحدة شخصيةً يمكن التعامل معها على المدى الطويل
ويقول العميد المتقاعد امتياز علي خان لـ"العربي الجديد" إن منير كانت له مهام كثيرة في الاستخبارات العسكرية قبل أن يصبح رئيساً للاستخبارات، ولم تكن لديه ميول إلى الأضواء أو الخطابات، بل كان يحب العمل على بناء الثقة عبر القنوات المغلقة وهدوء. ويوضح أنه في عالم الاستخبارات العلاقات الشخصية أهم من البيانات الرسمية، وهو ما أتقنه عاصم منير؛ لذا منذ البداية أثبت نفسه لدى الولايات المتحدة بوصفه شخصيةً يمكن التعامل معها على المدى الطويل، مشيراً إلى أن واشنطن، التي عانت تاريخياً من علاقة متذبذبة مع إسلام أباد، وجدت في منير قائداً يفهم منطق المصالح أكثر من الشعارات، وقادراً على الفصل بين السياسة الداخلية والتعاون الأمني، لكونه ينظر إلى الأمور بنظرة براغماتية محضة، لا يهمه الانتماء إلى أي فكر أو أيديولوجية.
في نوفمبر 2025، صوّت البرلمان الباكستاني على تعديلات دستورية، منح بموجبها عاصم منير صلاحيات جديدة وحصانة مدى الحياة من الاعتقال والملاحقة القضائية، إذ بات يحمل رتبة مشير، وتم استحداث منصب جديد هو "قائد قوات الدفاع" مُنح لعاصم منير، ما جعله مشرفاً على القوات البحرية والجوية الباكستانية إضافة إلى الجيش.
العلاقة مع الولايات المتحدة
خلال السنوات الأخيرة، تحديداً قبل وصول دونالد ترامب إلى السلطة في ولايته الأولى (2017-2021)، كانت العلاقات الأميركية ـ الباكستانية تمر بمرحلة حساسة للغاية؛ لذا كانت إدارة ترامب تبحث منذ البداية عن شريك قادر على التأثير، ليس فقط في الملفات الباكستانية بل في الملفات التي تهم المنطقة، مثل أفغانستان وإيران والتنظيمات المسلحة، وكانت لها علاقة شخصية بالمشير واعتبرته أحسن اختيار، ولا سيما أنه بحكم عمله الاستخباراتي كان على صلة بالمؤسسات الأميركية.
سميع الله ختك: ترامب يفضّل التعامل مع صنّاع القرار الحقيقيين، وقدّم منير نفسه شريكاً عملياً يركز على النتائج ويسيطر على المواقف
ويقول المحلل الأمني الباكستاني اللواء سميع الله ختك لـ"العربي الجديد" إن علاقات عاصم منير بترامب والإدارات الأميركية عموماً ليست وليدة لقاء واحد أو زيارة بروتوكولية، بل نتاج سلسلة طويلة من الاتصالات الأمنية والتنسيق الاستخباراتي اللذين سبقا وصول منير إلى قيادة الجيش بسنوات. ويضيف أن ترامب يفضّل التعامل مع صنّاع القرار الحقيقيين لا مع الواجهات السياسية، وقدّم منير نفسه شريكاً عملياً يركز على النتائج وصديقاً يحاول الوفاء بالعهد، ويسيطر على المواقف ويلعب في أكثر من مكان في آن واحد. ويشير إلى أن التطورات الأخيرة في العلاقات بين الولايات المتحدة وباكستان المعلنة وغير المعلنة، عبر القنوات العسكرية والاستخباراتية، والتي كان يقودها منير، أسست ثقة شخصية نادرة في العلاقات الأميركية مع قادة الجيش الباكستاني، والتي تحولت في هذه الأيام إلى شبكة تواصل دائمة مع مؤسسات الأمن القومي الأميركي.
وتشير وسائل إعلام إلى دور بارز أداه منير في النزاع الذي استمر أربعة أيام العام الماضي بين الهند وباكستان، والذي أثار خطر المواجهة النووية، قبل أن يعلن ترامب أنه ساعد في تسهيل وقف إطلاق النار. وعندما شنت إيران غارات داخل إقليم بلوشستان، جنوب غربي باكستان، مطلع العام الحالي، مستهدفةً ما وصفته بمواقع المتمردين، أفاد مسؤولون بأن منير أيّد رداً مدروساً تضمن ضربات باكستانية انتقامية ضد مخابئ المسلحين عبر الحدود.
وجاءت استضافة إسلام أباد المفاوضات الأخيرة بين واشنطن وطهران، الأسبوع الماضي، ومواصلتها الجهود للتوصل إلى اتفاق، لتؤكدا علاقتها المميزة، خصوصاً علاقة منير بالإدارة الأميركية. وقالت إليزابيث ثريلكيلد، الدبلوماسية الأميركية السابقة في إسلام أباد، والمديرة الحالية لبرنامج جنوب آسيا في مركز ستيمسون، وهو مركز أبحاث مقره واشنطن، لموقع "بوليتيكو": "لم تكن باكستان لتعقد هذه المحادثات لولا تلك العلاقة القوية مع واشنطن وتلك الثقة الشخصية بين قادتها والرئيس ترامب". من جهته، قال إليوت أبرامز، الذي شغل منصب الممثل الخاص لإيران خلال إدارة ترامب الأولى، لموقع "بوليتيكو": "لقد رسّخ الباكستانيون مكانتهم دبلوماسياً. أعتقد أنهم سيواصلون توجيه الرسائل، وقد كسبوا الكثير من النوايا الحسنة". وبعد ساعات من انتهاء المحادثات بين نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس والقيادة الإيرانية في إسلام أباد، نهاية الأسبوع الماضي، دون التوصل إلى اتفاق، شكر ترامب عاصم منير، ورئيس الوزراء شهباز شريف، في منشور على منصة "تروث سوشيال"، وكتب: "إنهما رجلان استثنائيان". وعند مغادرته إسلام أباد، وصف فانس منير وشريف بأنهما "مضيفان رائعان". وبحسب وسائل إعلام أميركية، كان منير على اتصال بفانس في الخامس من إبريل/ نيسان الحالي، أي قبل يوم من تهديد ترامب بتدمير إيران، وكانا يناقشان مقترحاً باكستانياً لخطة وقف إطلاق نار لمدة 45 يوماً كانت باكستان تُعدّ لتعميمها. وكان ترامب قد استضاف منير في البيت الأبيض في 18 يونيو/ حزيران 2025، في خضم الضربات الأميركية الإسرائيلية على المنشآت النووية الإيرانية.
وقال الباحث في معهد لوي تشارلز ليونز-جونز، لصحيفة إاندبندنت"، إن رئيس الحكومة الباكستانية شهباز شريف ووزير الخارجية إسحاق دار، "قد يبدوان شخصيتين بارزتين في محادثات السلام، لكن لا شك أن عاصم منير هو صاحب القرار". واعتبر أن منير "هو بلا شك أقوى زعيم باكستاني منذ برويز مشرف، ما يمنحه سلطة كاملة على التعيينات العسكرية، وصنع القرار في الحكومة المدنية، والإمبراطورية التجارية المترامية الأطراف للجيش". ولفت إلى أن "العلاقة التي بناها منير مع ترامب جعلت باكستان مؤهلة بشكل فريد للتوسط في محادثات السلام بين الولايات المتحدة وإيران. فهي، في الواقع، الدولة الوحيدة في المنطقة التي تتمتع بعلاقات قوية مع إيران ودول الخليج والولايات المتحدة".
الموقف من إسرائيل والدول العربية
ومما يقرّب منير إلى إدارة ترامب أيضاً موقفه من إسرائيل، إذ يبدو أنه ليست لديه مشكلة مع إسرائيل ولا مع أي بلد طالما مصالح بلاده محمية، في حين أن باكستان لا تعترف رسمياً بإسرائيل، وهو موقف مرتبط بالسياسة الداخلية والهوية الإسلامية للدولة، إلا أن خطاب منير ظل بعيداً عن التصعيد الأيديولوجي. ولم يدفع منير نحو تغيير رسمي في الموقف، لكنه حافظ على لغة دبلوماسية تسمح بهوامش اتصال غير مباشر مع الجميع؛ لذا كانت باكستان عضواً في "مجلس السلام" الذي شكّله الرئيس الأميركي لإدارة غزة، في حين أن الكثير من الدول الغربية رفضت ذلك، وأثار الموقف الباكستاني جدلاً كبيراً داخل البلاد.
ويلاحظ في خطاب عاصم منير تجاه إسرائيل أنه يتسم بقدرٍ أكبر من الحذر والبراغماتية مقارنةً ببعض الخطابات التقليدية داخل المؤسسة السياسية الباكستانية. فبينما يكرر منير الموقف الرسمي الثابت لباكستان الداعم للحقوق الفلسطينية وقيام دولة فلسطينية مستقلة، فإنه يتجنّب التصعيد اللفظي الحاد أو استخدام لغة المواجهة المباشرة مع إسرائيل، مركزاً بدلاً من ذلك على الاستقرار الإقليمي وتوازن العلاقات الدولية. هذا الأسلوب يعكس توجهاً أقرب إلى إدارة الملف ضمن حسابات استراتيجية أوسع، ما يدفع بعض المراقبين إلى اعتبار مواقفه أقل حدّة مقارنة بخطابات قادة الجيش السابقين.
خطاب عاصم منير تجاه إسرائيل يتسم بقدرٍ أكبر من الحذر والبراغماتية مقارنةً ببعض الخطابات التقليدية داخل المؤسسة السياسية الباكستانية
ولم تكن أهمية شخصية منير تكمن فقط في علاقته بالولايات المتحدة وفهم الفكر والمصالح الغربية، بل في قدرته على التحرك بين خصومها أيضاً. فباكستان تملك حدوداً طويلة مع إيران، وعلاقات عسكرية عميقة مع دول الخليج، وشراكة استراتيجية مع الصين. هذه المعادلة المعقّدة فرضت على قائد الجيش الباكستاني أن يلعب دوراً يتجاوز الوظيفة العسكرية التقليدية. وبرزت شخصية المشير منير بوصفه قناة اتصال مباشر بين واشنطن وطهران في لحظات توتر إقليمي مرتفع، مستفيداً من موقع بلاده باعتبارها دولة تستطيع التحدث مع جميع الأطراف، وفي كل الأوقات.
أيضاً عمل منير على إعادة تثبيت العلاقات الباكستانية مع السعودية ودول الخليج، مستفيداً من التاريخ الطويل للتعاون العسكري الباكستاني هناك. لكنه في الوقت نفسه تجنّب الانخراط في محاور حادة، محافظاً على علاقة مستقرة مع إيران، ومبقياً باب الشراكة مع الصين مفتوحاً من دون استفزاز واشنطن. هذه القدرة على السير وسط التنافس الدولي والإقليمي جعلت العديد من الدبلوماسيين الغربيين ينظرون إليه باعتباره أحد أكثر القادة العسكريين براغماتية في المنطقة. في المقابل، واجه منير انتقادات شديدة في الداخل الباكستاني بشأن سياساته مع أفغانستان، فيما يرى البعض أنها جزء من سياساته المشتركة مع الولايات المتحدة. وفي الداخل الباكستاني، جاء صعوده إلى قيادة الجيش في نوفمبر/ تشرين الثاني 2022 خلال واحدة من أكثر الفترات السياسية توتراً، خصوصاً مع الأزمة التي رافقت إطاحة رئيس الوزراء السابق عمران خان، ومنذ ذلك الحين أضحت المؤسسة العسكرية تحت قيادته في عداء متواصل مع حزب خان. وهو ما أساء إلى سمعة الجيش داخلياً إلى حد كبير.
وفي المحصلة، يجد المتأمل في تاريخ باكستان أن الجنرال السابق ضياء الحق يمثل نموذجاً يمكن مقارنته بتجربة المشير عاصم منير؛ فقد رفع ضياء الحق شعار الإسلام وسعى إلى تطبيقه، لكنه في الوقت ذاته لم يدخل في صدامات خارجية حادة، وحافظ على علاقات براغماتية مع مختلف الدول حتى عندما ابتعدت تلك العلاقات عن الخطاب الديني المعلن. مثله تماماً يقدم عاصم منير نفسه بوصفه حافظاً للقرآن، ويؤكد دوره في حماية المقدسات الإسلامية، لا سيما في علاقته بالسعودية، إلا أنه في الداخل يتعامل بصرامة مع خصومه، بينما ينتهج خارجياً سياسة انفتاح وبراغماتية تمكنه من التعامل مع مختلف الأطراف من دون اعتراض على مسار تحركاته أو توجهاته.
