غياب الأغنية "الوطنية"... اكتفاء بالاستعادات
عربي
منذ ساعة
مشاركة
هل ما تزال الأغنية "الوطنية" العربية قادرة على إشعال الحماس في وجدان الناس كما في السابق؟ سؤال يتجدد مع كل حرب في المنطقة، لكنه يزداد إلحاحاً في السنوات الأخيرة، مع تراجع إنتاج هذا اللون الغنائي، مقابل عودة لافتة إلى أرشيف قديم يعاد تداوله كلما اشتدت الأزمات. تمثّل الأغنية الوطنية، في مفهومها العام، تعبيراً فنياً مركّباً يجمع بين الكلمة واللحن، ويدور في فلك الانتماء والولاء، مستنداً إلى إيقاع تعبوي يتصاعد في لحظات الخطر. وهي لا تكتفي بإثارة العاطفة، بل تسعى إلى ترسيخ مفاهيم الهوية الجماعية، واستحضار معاني التضحية والصمود، وبثّ الأمل بإمكانية الانتصار. بهذا المعنى، كانت الأغنية الوطنية جزءاً من الوعي الجمعي، وأداة تعبئة لا تقل تأثيراً عن الخطاب السياسي أو الإعلامي. في سبعينيات القرن الماضي، قدّم الفنان اللبناني الراحل أحمد قعبور أغنية "أناديكم"، مستنداً إلى قصيدة للشاعر الفلسطيني توفيق زياد، لتتحول سريعاً إلى واحدة من أبرز أيقونات الغناء الوطني العربي. بلغت الأغنية ذروة انتشارها خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان 1982، ولا تزال حتى اليوم حاضرة في الذاكرة. غير أن هذا الحضور التاريخي يقابله اليوم غياب لافت لأعمال جديدة قادرة على تحقيق الأثر نفسه. ففي لبنان، الذي شهد حروباً متكررة، من حرب تموز 2006 وصولاً إلى المواجهات الأخيرة، لم تظهر أعمال غنائية حديثة ترقى إلى مستوى ما قدّمته أسماء مثل فيروز أو جوليا بطرس. تكفي الإشارة إلى أغنية "غابت شمس الحق" (1985)، التي شكّلت محطة مهمة في مسيرة بطرس، ورسّخت حضورها صوتاً مرتبطاً بقضايا المقاومة، رغم ما رافق ذلك من نقاش سياسي وانتقادات. في المقابل، بدت الحرب الأخيرة على لبنان فقيرة موسيقياً، إذ لم تفرز أعمالاً جديدة تعبّر عن المزاج العام أو توحّد الجمهور المنقسم. اقتصر المشهد على مبادرات فردية متفرقة، مثل إعادة أداء مقاطع من أغنيات كلاسيكية، كما فعلت بلقيس فتحي حين أعادت تقديم جزء من "لبيروت". أما الإنتاج الجديد، فظل خجولاً أو غائباً، في ظل خشية كثير من الفنانين من الوقوع في فخ الاصطفاف السياسي. يمكن فهم هذا التراجع في سياق أوسع، يتصل بتحولات المشهد الثقافي والإعلامي. فالأغنية الوطنية اليوم تواجه تحديات متعددة: انقسام الجمهور، وتراجع الخطاب الجمعي لصالح الفردي، وتسارع منصات التواصل التي تُفضّل المحتوى السريع والعابر على الأعمال ذات النفس الطويل. كما أن الفنان بات أكثر حذراً في التعبير، مدركاً أن أي موقف قد يُفسَّر سياسياً ويعرّضه للانتقاد أو المقاطعة. هكذا، تبدو الأغنية الوطنية العربية في مفترق طرق: بين إرث ثقيل من الأعمال الخالدة، وواقع جديد لم تتبلور فيه بعدُ لغة فنية قادرة على مخاطبة جمهور منقسم. وربما يكمن التحدي اليوم في إعادة ابتكار هذا اللون الغنائي، بوصفه مساحة فنية تعكس تناقضات اللحظة العربية وتبحث عن معنى جديد للانتماء.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية