عربي
تنشط الحملات التطوعية في مختلف المناطق الليبية استجابةً مباشرة لتردي الخدمات والبنية التحتية، في ظل تراجع قدرات الجهات الحكومية، وتحولت شريحة واسعة من الشباب إلى قوة ميدانية فاعلة عبر إطلاق أو المشاركة في مبادرات جماعية تلامس حياة الناس اليومية.
في العاصمة طرابلس، أطلقت مجموعة شبابية في نهاية فبراير/شباط الماضي، حملة بعنوان "وقفة" تستهدف التعامل مع الحفر المنتشرة في الطرقات، والحد من مخاطرها، خصوصاً في الأحياء والمناطق الأكثر ازدحاماً بالمارة والسيارات، ومن بينها الجراية، وسعاية البديري، وطريق الشط، وبن عاشور، وجامعة طرابلس، وزاوية الدهماني، وسوق الجمعة.
ودشن القائمون على الحملة حسابات خاصة عبر منصات التواصل الاجتماعي، وثقت أعمالهم الميدانية التي ركزت على ردم الحفر، وإعادة تأهيل أجزاء متضرّرة من الطرق في الأحياء الحيوية داخل العاصمة من دون إظهار وجوههم، في إشارة لثقافة إنكار الذات في العمل التطوعي. واستخدم المتطوعون في تنفيذ أعمالهم أدوات صيانة وتنظيف بسيطة وفروها على نفقتهم الشخصية، كما ركزوا في تنفيذ نشاطهم على الساعات المتأخرة من الليل، وأوقات انخفاض حركة المرور، ما يسمح بإنجاز العمل بأقل قدر من الازدحام والمخاطر.
وقوبلت الحملة التطوعية بتفاعل واسع على منصات التواصل الاجتماعي، وحظيت بإشادات متعدّدة بجهود الشبان في تحسين واقع الطرق، في مقابل انتقاد غياب الاستجابة الفعالة من الجهات الحكومية، التي ترفع شعارات إعادة الإعمار وتحسين البنية التحتية من دون أن ينعكس ذلك بشكل ملموس على أرض الواقع.
وفي المنطقة الشرقية، أطلق ناشط بيئي، في يناير/كانون الثاني الماضي، حملة تطوعية لتنظيف غابات الجبل الأخضر من مخلفات القمامة، ودعا عبر مواقع التواصل الاجتماعي إلى الانضمام للحملة، ليشارك الكثير من المتطوعين وجمعيات ومجموعات شبابية في الحملة التي استمرت لعدة أيام، ونجحت في إزالة كميات كبيرة من النفايات من إحدى الغابات المطلة على مدينة شحات الأثرية، في خطوة عكست تنامي الوعي البيئي لدى المجتمع المحلي. ومن أبرز المبادرات حملة أطلقتها المنظمة الليبية للبيئة والمناخ (أهلية) في نهاية عام 2021، والتي تهدف إلى غرس 100 مليون شجرة بحلول عام 2030، في إطار مساع لمواجهة ظاهرة التصحر، وتعزيز الغطاء النباتي، وتخفيف آثار التغير المناخي، وتحسين جودة الهواء.
وبرزت خلال السنوات الماضية مبادرات سعت إلى تنظيم هذه الجهود التطوعية في أطر مؤسسية، ليجري تشكيل منصات متخصصة، من بينها المركز الليبي للعمل التطوعي، ووكالة الجهود التطوعية للشباب، إضافة إلى مجموعة "أنا متطوع" التي أطلقت منصة إلكترونية تهدف إلى ربط المتطوعين بالفرص المناسبة وفق مهاراتهم واهتماماتهم لتعزيز كفاءة المشاركة المجتمعية وتوسيع نطاقها.
ويؤكد الناشط المدني عمر المهيوب لـ"العربي الجديد"، أن "حجم المبادرات التطوعية شهد تطوراً، وتحول من ردّات فعل موسمية إلى سلوك مدني شبه مستقر يعكس تزايد إدراك الشباب بأن الفعل على الأرض يمكن أن يحدث تغييراً، ولو نسبياً. مبادرات مثل ردم حفر الشوارع في طرابلس، أو تنظيف غابات الجبل الأخضر، تعكس مستوى عالياً من الإحساس بالمسؤولية العامة، فبدلاً من الشكوى والسخط بسبب تنامي ظهور المشكلات، صار الشباب يتجهون إلى معالجة المشكلات بوسائل بسيطة وإمكانات محدودة، لكنها فعالة في أثرها المجتمعي".
ويعتبر الميهوب أن تنامي العمل التطوعي يدفع إلى السؤال حول دور المؤسسات الحكومية في إدارة الشأن العام، موضحاً أن "المبادرات التطوعية تحولت إلى واقع يعوض غياب المؤسسات الحكومية التي يفترض أن تكون هذه المشكلات من صميم واجبها، وهناك تخوف يتعلق بعدم التوقف عند قضية ازدهار التطوع، وإمكانية أن يصير العمل التطوعي حلاً اضطرارياً بدل أن يكون شريكاً أو داعماً ضمن منظومة مؤسسية واضحة. استشعرت هذا في حملات التبرع بالدم خلال السنوات الماضية، عندما رأيت من يلقي بالمسؤولية على المتطوعين بدلاً من الوقوف إلى جانبهم ودعمهم، بينما المفترض إلقاء المسؤولية على الجهات الصحية التي لا تمارس دورها الطبيعي، وتترك بنوك الدم في المؤسسات الصحية فارغة".

أخبار ذات صلة.
الاحتلال يستغل الحرب لتعطيش أسواق غزة
العربي الجديد
منذ 23 دقيقة