بحثاً عن مكان تحت الشمس
عربي
منذ ساعة
مشاركة
يمكن نسبة غياب الاهتمام بالذكاء الاصطناعي إلى سياسات دول المنطقة العربية التي لا توفر إمكانات تنظيم دخول عالم التقنيات، فمن دون فلسفات وعقود بين المكونات المجتمعية، ومن دون سياسات رسمية، وفي مقدمها إعادة الاعتبار للغة العربية، والاستثمار في تطوير البنى التحتية المعرفية القادرة على استيعاب الذكاء الاصطناعي وتوجيهه، سيظل التعليم العربي مشدوداً إلى المصادر الغربية التي يتابع فيها الطالب أو الباحث نشاطه العلمي.  وكما يجري استيراد التكنولوجيا من مصادر تصنيعها، سيجري استيراد البنية المعرفية ما دامت المنطقة لا تنتج بنيتها المعرفية التي تنهل من تراثها، مع نقده معرفياً وتحديثه، وعدم جعله "صنماً". والمقصود بالسياسات المطلوبة، بناء منظومات معرفية تتفاعل مع التراث العربي برحابته، ومع الذكاء الاصطناعي، بحيث تؤثر فيه وتتأثر به. هذا رأس جبل الجليد، لكن جسم الجبل هو الحال التقليدية للتعليم في المدرسة والجامعة العربية، وهذه كما هو معلوم لا تزال مهيمنة على القطاع، مع بعض الاستثناءات، فالمناهج التي تضعها وزارات التعليم تعتبر مطابقة للشخصية التي تريدها السلطة، وهي نسخة طبق الأصل عن الشخص كما تتوخاه هذه السلطة الأبوية التي تريد أن تنسخ الطالب على مقاسها. وتتكامل المناهج مع الدور الذي يلعبه المعلم، فالتلقين التقليدي الذي يمارسه في شروحاته لطلابه ليس حالة منفصلة عن البنية الذهنية العربية، بل هو الترجمة التعليمية لها. وهكذا تغيب البنية التعليمية التفاعلية التي تُشكل دور الإنسان مواطناً، وحقوقه وواجباته في المجتمع، وتحويله من تابع إلى مواطن يستوجب تحويلاً في وظيفة التعليم؛ من نقل المعرفة إلى تكوين الإنسان وإنتاج الوعي لديه، فالدخول في فضاء معرفي مفتوح يسمح بإعادة تعريف النجاح، والمشاركة، والإبداع منتجاً فردياً وجماعياً. وتتجاوز إمكانات الذكاء الاصطناعي دعم عمليات التعليم وتحسينها إلى إعادة هندسة بنية الإنسان الفكرية والثقافية، وعلاقته بماضيه وحاضره ومستقبله، وكذلك فحص علاقته بالتراث بما يتضمنه من آداب وعلوم، فالتقنيات الحديثة قادرة على إضافة معانٍ غنية على ما قدمه أسلافنا من إضافات، بينما تظل إعادة قراءة الذاكرة العربية بعيون حداثية مهمة ملحة. والتفكير في التعليم العربي في عصر الذكاء الاصطناعي بمثابة مشروع لإعادة وصل ما انقطع من نهضة عربية. نهضة تطرح أسئلة الواقع وتتعامل مع تحدياته، كي نصل إلى الموقع الذي يتحتَّم أن نحتله بين الأمم والشعوب. (باحث وأكاديمي)

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية