افتتاحية 26سبتمبر
في زمن تتلاطم فيه أمواج الأزمات الإقليمية وتتشابك فيه مسارات السياسة الدولية بين البحث عن تهدئة عابرة أو صياغة سلام مستدام جاء تحذير فخامة رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي ليضع النقاط على الحروف ويقذى به عين الوهم التي تتطلع إلى حلول منقوصة لا تلامس جوهر المعضلة.
إن الموقف الذي جدده رئيس مجلس القيادة ليس مجرد قراءة سياسية حصيفة للمشهد اليمني والإقليمي، بل هو تشخيص استراتيجي دقيق لداء الاستقرار في المنطقة، داء يتمثل في السلوك الإيراني الممعن في اتخاذ المليشيات المسلحة أدوات عابرة للحدود تعبث بأمن الشعوب ومقدراتها.
فالاتفاقات التي تتجاوز كبح جماح التدخلات الخارجية وتغض الطرف عن تجفيف منابع دعم وتسليح الانقلابيين لن تعدو كونها اتفاقات هشة لإدارة الأزمة وتأجيل انفجارها وليست ترياقا شافيا لها.
ومن هنا فإن الرؤية اليمنية الثابتة والواضحة للخطر الإيراني لا تنطلق من حسابات عابرة بل من واقع مرير تعيشه البلاد جراء تحويل المليشيات المسلحة إلى خناجر مسمومة تهدد أمن الإقليم وتعبث بسلامة الملاحة الدولية في واحد من أهم الممرات الاستراتيجية في العالم.
إن الصحوة الدولية المطلوبة اليوم يجب أن تتجاوز صيغ التهدئة المؤقتة التي تمنح القوى الانقلابية فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة التموضع نحو مقاربة شجاعة تؤسس لسلام حقيقي ومستدام.
هذا السلام المنشود – كما حدد معالمه فخامة الرئيس – لا يمكن أن يقوم له عماد إلا بالاحترام الصارم لسيادة الدول والإنهاء الفوري والكامل لمنظومة الدعم والتسليح الميليشاوي وإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة الوطنية عبر حصر قرار السلم والحرب بيد مؤسساتها الشرعية دون سواها.
إن اليمن قيادة وشعبا – وهو ينشد السلام العادل والشامل – يذكر المجتمع الدولي بمسؤولياته التاريخية، إذ لا استقرار للمنطقة ولا أمن للممرات الدولية ما لم يقطع دابر التدخلات التي تستهدف تمزيق النسيج الوطني وتجريف هيبة الدولة لصالح مشاريع الهيمنة العابرة للحدود.
وإننا إذ نضع هذه الحقائق الراسخة أمام بيئة القرار الدولي فإننا نؤكد أن التهاون في مواجهة ركائز المشهد الانقلابي أو القبول بأنصاف الحلول ليس إلا شرعنة مؤجلة للفوضى واستدراجا لتهديدات أشد فتكا بأمن المنطقة والعالم.
إن التاريخ القريب والبعيد يثبت بلا مواربة أن المليشيات لا تصنع سلاما وأن الأدوات العابرة للحدود لا تؤمن بعهود، ولذا فإن الرهان الحقيقي لإنقاذ اليمن واستعادة استقراره يكمن في الالتفاف حول شرعيته ومؤسساته السيادية والوقوف بحزم ضد غطرسة التدخلات الإقليمية العابثة.
فالسلام ليس هبة تستجدى من البنادق المنفلتة، بل هو حصاد القوة والعدالة والسيادة الكاملة غير المنقوصة وتلك هي الغاية التي لن يحيد عنها اليمنيون، صونا لهوية وطنهم وحماية لمستقبل أجيالهم.