Arab
تتواصل الضغوط على سوق الصرف الأجنبي في ليبيا مع اتساع الفجوة بين السعر الرسمي للدينار الليبي وسعره في السوق الموازية، في وقت تكثف فيه السلطات النقدية تدخلاتها للحد من التقلبات دون أن تنجح حتى الآن في كبح الاتجاه الصعودي للدولار. ويصف خبراء اقتصاديون هذا الوضع بأنه أقرب إلى "مصيدة الدولار"، حيث تتراجع فعالية السياسة النقدية تدريجياً أمام توسع السوق السوداء، وارتفاع الطلب على العملة الصعبة بدافع الاكتناز والمضاربة، وليس لأغراض الاستيراد والتجارة الخارجية فقط.
وشرحوا أنه في هذه الحالة تتحول العملة الأجنبية من مجرد وسيلة للاستيراد إلى مخزن للقيمة وأداة للتحوط والمضاربة، بما يفقد السياسة النقدية فعاليتها تدريجياً، حتى مع استمرار ضخ النقد الأجنبي. ويأتي ذلك في سياق اقتصادي يتسم باعتماد كبير على النفط مصدراً وحيداً للنقد الأجنبي، إلى جانب انقسام سياسي وإنفاق عام مرتفع، وهي عوامل يقول محللون إنها تعمّق هشاشة الدينار وتدفع المزيد من التعاملات نحو القنوات غير الرسمية.
ورأى الخبير الاقتصادي، محمد أبوسنينة، أن التغييرات المتكررة في ضوابط النقد الأجنبي والتعليمات المنظمة لبيعه "تعكس غياب رؤية مستقرة لإدارة السوق"، مضيفاً أن كثرة القيود عادة ما تؤدي إلى نتائج عكسية عبر تنشيط السوق السوداء بدلاً من احتوائها.
وأضاف لـ"العربي الجديد" أن السوق الموازية في ليبيا لا تعمل وفق آليات المنافسة الطبيعية، بل تهيمن عليها مجموعات مضاربة قادرة على توجيه الأسعار، مستفيدة من الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الموازي، ومن إدراكها أن هدف السلطات النقدية يتمثل أساساً بتقليص الفجوة، لا تثبيت السعر.
وقال أبوسنينة إن استمرار المصرف المركزي بوصفه "المصدر الوحيد للنقد الأجنبي" يجعل الاقتصاد عرضة للاهتزازات، داعياً إلى تطبيق أدوات رقابية تربط بين منظومات الدفع والتسويات لمنع استخدام الصكوك المصرفية في تغذية المضاربة على الدولار.
من جانبه، رأى أستاذ الاقتصاد بجامعة طرابلس، أحمد مبروك، أن الأزمة الحالية "ليست أزمة دولار بقدر ما هي أزمة ثقة"، موضحاً أن المواطن والتاجر باتا ينظران إلى العملة الأجنبية باعتبارها ملاذاً آمناً في مواجهة التضخم وتراجع القوة الشرائية للدينار.
وقال إن "أي اقتصاد يفقد فيه المواطن الثقة بعملته الوطنية، يتحول الدولار داخله إلى سلعة بحد ذاته، وليس مجرد وسيلة تبادل"، مشيراً إلى أن ارتفاع الطلب على الدولار في ليبيا لا يرتبط دائماً بالاستيراد، بل بالاكتناز والمضاربة والتحوط. ويأتي ذلك في وقت يواصل فيه مصرف ليبيا المركزي ضخ الدولار نقداً عبر المصارف التجارية لتغطية الاستخدامات الشخصية عند سعر الصرف الرسمي، في محاولة لتلبية الطلب النظامي على النقد الأجنبي، فيما يستمر تداول الدولار في السوق الموازية عند مستويات مرتفعة تصل إلى نحو 8.3 دنانير للدولار، وفق تقديرات متداولة في السوق.
وفي تطور لافت، أعلن مصرف ليبيا المركزي أن استخدامات النقد الأجنبي خلال أول شهرين من عام 2026 تجاوزت الإيرادات النفطية المحوّلة إليه، ما أدى إلى عجز يناهز ملياري دولار، غُطِّي من عوائد استثمارات المصرف واحتياطياته المالية، في مؤشر يعكس استمرار اختلال التوازن بين الإيرادات والطلب على العملة الأجنبية. وتواجه ليبيا ضغوطاً متزايدة على الطلب على النقد الأجنبي، مع اتساع الإنفاق بالعملة الصعبة مقارنة بتدفقات الإيرادات النفطية، واستمرار اعتماد المالية العامة والاقتصاد الليبي بدرجة كبيرة على عائدات النفط.
بدوره، اعتبر المحلل المالي، عبد الفتاح أبوقصة، أن الاقتصادات الريعية تكون أكثر عرضة للوقوع في ما يُعرف بـ"مصيدة الدولرة"، نتيجة اعتمادها شبه الكامل على مصدر وحيد للعملة الأجنبية، وهو ما يجعل أسواقها النقدية شديدة الحساسية تجاه أي اضطرابات سياسية أو مالية.
وأوضح لـ"العربي الجديد" أن هذا النمط الاقتصادي يؤدي تدريجياً إلى تآكل دور العملة المحلية داخل الاقتصاد، مع تحول العملة الأجنبية إلى أداة موازية للتسعير والادخار وحتى التبادل اليومي، خصوصاً في ظل ضعف الثقة بالمؤسسات المالية وتذبذب السياسات النقدية. وأضاف أن استمرار هذا المسار يعمّق الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية، ويقلص قدرة المصارف المركزية على التأثير الفعلي في سلوك السوق، حتى في حال زيادة المعروض من النقد الأجنبي أو تشديد القيود التنظيمية.

Related News
ولي العهد السعودي: جهود الدفاع تجلّت في أزمة المنطقة
aawsat
4 minutes ago
تفاهم واشنطن وطهران يقترب على وقع مناوشات «هرمز»
aawsat
13 minutes ago
اليمن يودع الرئيس السابق هادي
aawsat
27 minutes ago
إسرائيل تواصل استهداف قيادات «القسام»
aawsat
34 minutes ago