متحفا أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب... مقتنيات لا تُنتج معرفةً
Arab
1 hour ago
share
تشكلت مكانة أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب عبر عقود من خلال وسيط سمعي جماهيري، نقل الموسيقى إلى المجال العام وكرس حضورها في الحياة اليومية. اليوم، تُعرض هذه التجربة داخل المتحف بوصفها تراثاً مادياً، فكيف يقدم هذا التراث داخل المتحف، وما مدى قدرته على تلبية حاجة الجمهور إلى فهم حياة وإرث هذين المبدعين؟ في سياق الاحتفاء بمرور 25 عاماً على افتتاح متحفي أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب في مصر، تزامناً مع اليوم العالمي للمتاحف الذي حلّ في 18 مايو/ أيار الحالي، نظمت فعاليات تشمل عروضاً وثائقية وجولات إرشادية وندوات تستعيد مسيرتيهما، في محاولة لإعادة تنشيط حضور المتحفين بوصفهما فضاءين للذاكرة الثقافية. تأتي هذه الفعاليات محاولةً لتنشيط حضور المتحفين، من دون أن تعالج بالضرورة الأسئلة الأعمق المرتبطة بطريقة عرض هذا التراث. في متحف أم كلثوم، الكائن في حي منيل الروضة القاهري، يواجه الزائر إعلاناً صغيراً لحفل موسيقي صيغ بلغة لافتة، على هذا النحو: "حفلة ساهرة تحييها الموسيقية الحسناء، وتعزف بأناملها على العود". أسفل الإعلان يظهر اسم أم كلثوم بخط الثلث في إطار بارز. لا يذكر الإعلان تاريخ الحفل، ولا يقدّم الشرح المرافق له معلومات كافية تُعين على تأريخه. ومع ذلك، ترجح صياغته أنه يعود إلى السنوات الأولى لقدومها إلى القاهرة في عشرينيات القرن الماضي، حين كانت لا تزال تجمع بين الغناء والعزف. تكمن أهمية هذا الأثر في أنه يلمّح إلى مرحلة مبكرة من تشكّل صورتها الفنية، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن قصور واضح في آليات الشرح، إذ يُترك الزائر أمام وثيقة ثرية من دون سياق يضيء دلالاتها أو يربطها بمسار تطوّرها. تتوزع مقتنيات أم كلثوم داخل خزائن زجاجية مرتبة بعناية: هنا فساتين حفلات، من بينها الفستان الذي ارتدته في تونس أثناء أدائها "الأطلال"، وآخر ارتدته في "إنت عمري"، إلى جانب نياشين رسمية، وصور تجمعها برؤساء دول ومثقفين، ومقتنيات شخصية من نظارات وحقائب وحلي ومكتبة موسيقية صغيرة. غير أن هذا العرض، رغم ثرائه، يفتقر إلى خيط سردي واضح. لا يشعر الزائر أنه ينتقل عبر قصة متكاملة، ولا أن هناك تصاعداً يواكب تحوّلها من مطربة شابة قادمة من الريف إلى أيقونة عربية. يتحول العرض، هنا، إلى تجميع بصري لا يرقى إلى سرد أو معرفة، فيبقى الزائر متلقياً وليس شريكاً في التجربة. الأمر نفسه يتكرر، بصيغة مختلفة، في متحف محمد عبد الوهاب داخل معهد الموسيقى العربية. يغلب الطابع التقني على المعروضات، من آلات موسيقية، ونوت أصلية، وتسجيلات توثق مراحل تطوره اللحني. يضم المتحف آلة العود الخاصة بالموسيقي الراحل، وهو العود الذي استمر معه لعقود وأبدع من خلاله عشرات من ألحانه الشهيرة. يضم المتحف كذلك الأسطوانة البلاتينية التي حصل عليها عبد الوهاب سنة 1978 عن مبيعات أغنيته "الليل لما خلي". وبين مقتنياته الشخصية سنجد البدلة التي ارتداها في فيلم الوردة البيضا عام 1933. يبدو المتحف أقرب إلى أرشيف متخصص منه إلى تجربة ثقافية موجهة إلى جمهور واسع. ثمة معرفة حقيقية معروضة، لكنها لا تُترجم دائماً إلى تجربة مفهومة، إذ يغيب الشرح المبسط القادر على فتح هذه المواد أمام غير المتخصصين، كما يغيب الربط بين مشروع عبد الوهاب الموسيقي والسياق الثقافي والسياسي الذي تشكّل فيه. في دراسات المتاحف المعاصرة، كما تشير شيلا واتسون في كتابها "المتاحف ومجتمعاتها" (Museums and Their Communities)، تُقاس قيمة المتحف بقدرته على تحويل محتواه إلى سرد يُنتج معنى، وهو ما يظل محدوداً حين يقتصر العرض على التجميع من دون تأويل. في هذا السياق، تبدو مقتنيات متحفي أم كلثوم وعبد الوهاب ذات قيمة استثنائية، لكن طريقة تقديمها لا تُنتج معرفة موازية لقيمتها. هنا، تبرز زاوية لافتة، تتعلق بما هو غائب داخل المتحفين، وهي المكتبة. فعلى خلاف ما هو معمول به في كثير من المتاحف المعاصرة، لا يضم متحفا أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب مكتبة بحثية، أو مكتبة شخصية كبيرة تتيح للزائر التعرف إلى اختيارات صاحب المتحف في القراءة. هذا التهميش للمكتبة يكشف عن تصور محدود لوظيفة المتحف نفسه بوصفه مركزاً لإنتاج المعرفة. المتحفان هما الوحيدان المخصّصان لشخصيات من عالم الغناء في مصر فالمكتبة تمثل امتداداً طبيعياً للعرض، ومن دون هذا الامتداد، تظل التجربة محصورة في الجانب البصري، فتفضيلات القراءة عند صاحب المتحف ستضيء بلا شك ملمحاً مهماً من جوانب شخصيته. كما أن حضور البعد البحثي من خلال مكتبة متخصصة، كان يمكن أن يحوّل المتحفين إلى مرجعين أساسيين لدراسة تاريخ الغناء العربي. على النقيض من ذلك، تقوم متاحف عالمية مخصصة لشخصيات، مثل المغنية الأميركية نينا سيمون، أو إلفيس بريسلي، على مراكز أرشيفية ومكتبات بحثية فاعلة تجعل من المادة المعروضة نقطة انطلاق للقراءة والاطلاع على التجربة. لا يمكن بالطبع إنكار أن المتحفين نجحا في صون جانب مهم من التراث المادي لأم كلثوم وعبد الوهاب، فهنا مقتنيات أصلية، وتسجيلات، ووثائق. غير أن الحفظ المعرفي يظل مسألة أعقد. فالمتحف يصبح أكثر فائدة بما يشرحه ويربطه، وما يعيد طرحه من أسئلة. أين، مثلاً، التحليل الموسيقي العميق لأعمال عبد الوهاب داخل المتحف؟ أين تفكيك خطاب أم كلثوم بوصفه ظاهرة سياسية وثقافية؟ أين المقارنة بين تأثيرهما داخل مصر وخارجها؟ هذه الأسئلة لا تجد حضوراً كافياً، ما يجعل التجربة، رغم غناها البصري، محدودة معرفياً. يبقى أن متحفي أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب هما الوحيدان المخصصان لشخصيات من عالم الموسيقى والغناء في مصر، رغم وجود مشاريع لم تكتمل لإنشاء متاحف لعبد الحليم حافظ وسيد درويش. ولكن يمكن العثور على مقتنيات لهؤلاء في متاحف جماعية، مثل متحف الآلات الموسيقية في معهد الموسيقى العربية، أو متحف رموز ورواد الفن المصري التابع للمركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية. غير أن غياب متحف مخصص لسيد درويش، على أهميته، يطرح سؤالاً مفاده: من يصنع الذاكرة الثقافية؟ ومن يُختار لتمثيلها؟ عند مقارنة هذه النماذج بتجارب غربية، تتضح الفروق بجلاء. في متحف نينا سيمون في الولايات المتحدة مثلاً، يتم التعامل مع المقتنيات بوصفها مدخلاً لسرد متكامل، يتقاطع فيه الفن مع السياسة. وفي متحف إلفيس بريسلي، تتحول الزيارة إلى تجربة غامرة، يُعاد فيها بناء العالم الخاص للفنان، من منزله إلى ملابسه إلى تفاصيل حياته اليومية، باستخدام تقنيات تفاعلية تضع الزائر داخل الحدث. الفارق هنا في الرؤية، فالمتحف هناك يحكي قصة، ويجعل الزائر مشاركاً في التجربة، وتوظف المكتبة والأرشيف بوصفهما مصدرين لإنتاج المعرفة. أما هنا، فيتم التعامل مع الزائر باعتباره متلقياً سلبياً، وتظل المكتبة على الهامش تماماً. ومع ذلك، لا يعني هذا التقليل من قيمة المتحفين المصريين، فالمادة موجودة، وربما تفوق في ثرائها كثيراً من نظيراتها في أماكن أخرى، لكن ما ينقص هو إعادة التفكير في آليات العرض، وتفعيل المكتبة، وربط التجربة بالسياق الأوسع للموسيقى العربية. ولعل التحدي يكمن هنا في إعادة النظر في ما هو موجود بالفعل، وكيف يمكن أن يُروى بطريقة تجعل من زيارة المتحف تجربة معرفية لا تقل عمقاً وثراءً عن متعتها البصرية.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows