Arab
ما زالت قضية تعديل الرواتب والمعاشات في السودان تراوح مكانها على الرغم من مرور ثلاثة أشهر على القرارات الرسمية الصادرة عن مجلس الوزراء لزيادة الرواتب، حيث لا يزال الموظفون يتلقون رواتبهم بلا زيادات وسط الغلاء المتصاعد.
وكان وزير المالية السوداني، جبريل إبراهيم، قد أعلن في وقت سابق عن زيادة في مرتبات العاملين بالدولة، مؤكداً أن الزيادة ستكون ملموسة وتدريجية مع مراعاة الأوضاع الاقتصادية الراهنة والتضخم، على أن تُصرف بأثر رجعي اعتباراً من مارس 2026. إلا أن القرار لا يزال بلا تنفيذ.
وشهدت مدينة كسلا (شرقي السودان) احتجاجات نظمتها معلمات للمطالبة بصرف مستحقات مالية متأخرة، في وقت حذرت لجنة المعلمين السودانيين من اتساع رقعة الاحتجاجات بسبب تأخر الرواتب وتدني الأجور. واتهمت اللجنة وزارة المالية الاتحادية وحكومات الولايات بالمساهمة في تفاقم الأزمة المعيشية للمعلمين عبر تأخير الصرف وتفاوت الاستحقاقات بين الولايات. وأكدت لجنة المعلمين السودانيين أن الاحتجاجات التي بدأت في ولايتي الشمالية وكسلا مرشحة للتوسع إلى ولايات أخرى، بينها الجزيرة، والنيل الأبيض، والنيل الأزرق، والخرطوم، إضافة إلى دارفور وكردفان.
في المقابل، عبّر الموظفون والمتقاعدون عن استيائهم من غياب تنفيذ الوعود، في وقت كانوا يعولون على هذه الزيادات لتخفيف الأعباء المعيشية وتأمين احتياجات أسرهم. وطالبوا وزارة المالية بالخروج ببيان عاجل يوضح الأسباب الحقيقية وراء تجميد تطبيق القرارات، مؤكدين أن الصمت الرسمي يزيد من حالة الإحباط والقلق.
وأكد سامي الباقر، المتحدث باسم لجنة المعلمين السودانيين، لـ "العربي الجديد"، أن المسار الصحيح لتحسين أوضاع العاملين يتمثل في رفع الحد الأدنى للأجور من 12 ألف جنيه إلى 216 ألفاً، وصرف متأخرات المرتبات التي بلغت 14 شهراً مع العلاوات والمنح والبدلات منذ اندلاع الحرب، إضافة إلى مراجعة البدلات ذات القيمة الثابتة؛ مثل: بدل الوجبة، والعلاوة الاجتماعية، وعلاوة الأطفال، والمؤهل العلمي.
وحذر الباقر من محاولات الخداع التي تضمنتها تصريحات وزير المالية حول زيادات متدرجة لا تؤدي إلى التضخم، مؤكداً رفض اللجنة أي زيادة لا تراعي التدهور الكبير في أوضاع المعلمين. واعتبر أن إطلاق الوزير عبارات فضفاضة دون الإفصاح عن حجم الزيادة ونسبتها، يعكس سياسة التخدير التي دأبت عليها وزارة المالية، مؤكداً تمسك اللجنة بمطالبها العادلة لضمان حقوق العاملين.
من جانبه، قال محمد إسحاق (أحد المعلمين) لـ "العربي الجديد": إن المرتبات غائبة، وبعضها يُصرف هزيلاً مبتوراً بلا تعديل؛ إذ يتراوح بين 60 ألف جنيه (ما يعادل 14 دولاراً) للمعلم في الدرجة التاسعة (مدخل الخدمة)، و220 ألفاً (ما يعادل 53 دولاراً تقريباً) للمعلم في الدرجة الأولى الذي أمضى في الخدمة أكثر من 30 عاماً. أما منحة العيد "فقد تحولت إلى كذبة رسمية بائسة وسراب يحسبه المعلمون ماءً، حتى إذا بلغوا أبواب المالية لم يجدوا غير الوعود والخداع والتسويف" وفق تعبيره.
وأضاف إسحاق: "في ولاية كسلا (شرق السودان) لم يُصرف مرتب إبريل/نيسان حتى هذه اللحظة، وكأن المعلمين يعيشون خارج حسابات الدولة. وفي ولاية الجزيرة (وسط السودان) لم تُصرف استحقاقات أعمال الشهادة الثانوية السودانية لعام 2026 لأكثر من شهر، فضلاً عن تراكم متأخرات المرتبات التي بلغت 14 شهراً كاملاً، وهو الواقع الكارثي ذاته في ولايتي وسط دارفور (غرب السودان) والنيل الأزرق (جنوب شرق)، بينما وصلت المتأخرات إلى نحو 10 أشهر في الخرطوم وسنار، وسط أوضاع مماثلة ومزرية في بقية ولايات دارفور وكردفان، فيما لا تزال بقية الولايات عاجزة حتى عن صرف مرتب مايو/أيار أو منحة العيد، باستثناء ولاية البحر الأحمر".
وسبق أن أعلنت لجنة أساتذة الجامعات السودانية أنها ماضية في الإضراب، مشددة على أن قضية الأستاذ الجامعي لا تُختزل في مجرد زيادة نسبية في الرواتب، بل تتعلق بضرورة وجود إطار قانوني عادل ومنظم يعيد الاعتبار للمهنة ويضمن استقرارها.
وحمّل بيان اللجنة وزير المالية المسؤولية الكاملة عما وصفه بـ "العبث الممنهج" بحقوق المعلمين، كما حمّل حكومات الولايات مسؤولية الفشل والتواطؤ والصمت تجاه تجويع العاملين وإذلالهم. وأكد البيان أن الحراك سيتصاعد ويتوسع حتى انتزاع الحقوق كاملة غير منقوصة، مشيراً إلى أن ولايات دارفور وكردفان ستدخل المسار الاحتجاجي ذاته بسبب تفاقم الأزمة واستمرار سياسة التجاهل والاستخفاف بحقوق المعلمين.
