عيد الأضحى في العراق: طقوس تقاوم ضغوط الحياة
Arab
1 hour ago
share
مع حلول عيد الأضحى هذا العام، تبدو المدن العراقية وكأنها تحاول عبر طقوس متوارثة استعادة شيء من الطمأنينة الاجتماعية وسط الضغوط والمستجدات. أطفال ينتظرون ملابسهم الجديدة، أمّهات يجهّزن الحلوى، عائلات ترتّب زياراتها، وآخرون يستعدون للوقوف عند قبور أحبائهم صباح العيد. قبل أيام من حلول عيد الأضحى، بدأت ملامح المناسبة بالظهور تدريجياً في المدن العراقية، أسواق مزدحمة حتى ساعات متأخرة من الليل، واجهات محال امتلأت بثياب الأطفال، وروائح الحلوى المنزلية عادت إلى الأزقة القديمة، فيما تتبادل العائلات وعود الزيارات العائلية وترتيبات "العيدية" وتحضير موائد الاستقبال. وعلى الرغم من التغيّرات الاجتماعية التي مرّ بها العراق خلال السنوات الأخيرة، لا يزال العيد بالنسبة لكثير من العراقيين مناسبة تحافظ على حضورها بوصفها طقساً اجتماعياً أكثر من كونها مناسبة دينية فحسب. في بغداد، تقول أم عبد الله العاني (44 عاماً)، وهي ربّة منزل من منطقة العامرية، إنّ الاستعداد للعيد يبدأ قبل أسابيع داخل البيت، موضحةً لـ"العربي الجديد" أنّ "تنظيف المنزل وشراء ملابس الأطفال وتحضير بعض الحلويات، أشياء لا يمكن التخلي عنها مهما تغيّرت الظروف"، وتضيف: "حتى عندما تضيق الأحوال، تحاول العائلة ألّا يشعر الأطفال بأن العيد غير مكتمل الطقوس"، مبيّنةً أن "أكثر ما تغيّر خلال السنوات الأخيرة هو بساطة العيد، التي كان عليها سابقاً"، وترى أم عبد الله أن "كثيراً من العائلات باتت تركّز على الجو العائلي نفسه أكثر من المظاهر المكلفة، ففي السابق كانت الزيارات تمتد لأيام طويلة، واليوم باتت أقصر، لكن الناس ما زالت حريصة على اللقاء والزيارات العائلية". عادةً، تبدأ الأسواق العراقية ذروة نشاطها قبيل العيد بأيام، خصوصاً في المناطق التجارية الشعبية التي تتحول إلى فضاءات مكتظة بعائلاتٍ تبحث عن الملابس والألعاب والهدايا. ويقول أبو حسنين (34 عاماً)، وهو موظف في بغداد وأب لطفلين، إنّ "شراء ملابس جديدة للأطفال يُعدّ من أهم طقوس العيد بالنسبة للأسر العراقية"، ويضيف لـ"العربي الجديد": "قد يؤجل الأب أو الأم شراء أشياء خاصة بهما، لكنهما نادراً ما يتخلّيان عن فكرة أن يرتدي الطفل ملابس جديدة صباح العيد"، مشيراً إلى أن "الأطفال أنفسهم يربطون العيد بهذه التفاصيل الصغيرة؛ الحذاء الجديد، العطر، وربما لعبة بسيطة وعيدية من الأقارب". وما تزال "العيدية" تحافظ على مكانتها باعتبارها واحدة من أكثر طقوس العيد حضوراً داخل المجتمع العراقي، خصوصاً لدى الأطفال. تقول الطالبة الجامعية غصون الميالي (21 عاماً) من محافظة النجف وسط البلاد، إنّ "العيدية ليست مرتبطة بالمبلغ بقدر ارتباطها بالشعور نفسه"، وتضيف: "حتى الشباب الأكبر سناً ينتظرون العيدية أحياناً على سبيل المزاح والحنين". وتوضح لـ"العربي الجديد" أنّ "الأطفال في العائلة يبدؤون منذ الأيام الأخيرة من شهر ذي الحجة بالسؤال عن قيمة العيدية، وعدد الزيارات التي سيقومون بها"، مشيرةً إلى أن "الفرح الجماعي جزء مهم من العيد، خصوصاً بعد سنوات طويلة عاش فيها العراقيون ضغوطاً وتوتراً سياسياً وأمنياً". ويحضر الطعام والحلوى بوصفهما جزءاً ثابتاً من ذاكرة العيد العراقية، ففي كثير من المنازل لا تزال النساء تفضّل إعداد بعض أصناف الحلوى التقليدية منزلياً، حتّى مع انتشار الحلويات الجاهزة والأسواق الحديثة. وتقول أم علا (44 عاماً)، وهي معلمة من محافظة بابل (وسط)، إنّ "كليجة العيد (نوع من أنواع المعجنات العراقية التي يجري إعدادها في البيوت) تبقى حاضرة مهما اختلفت الأذواق"، وتضيف: "قد نشتري بعض الحلوى من السوق، لكن وجود الكليجة داخل البيت يمنح شعوراً بأن العيد وصل فعلاً، كما أنّ إعداد الحلوى يتحول أحياناً إلى نشاط عائلي تُشارك فيه البنات وكذلك الأطفال، ما يمنح المناسبة دفئاً اجتماعياً خاصاً". ويلاحظ باحثون اجتماعيون أن العيد في العراق لا يزال يؤدي وظيفة تتجاوز الجانب الاحتفالي، إذ يمثل فرصة لإعادة ترميم العلاقات الاجتماعية والعائلية، ويقول الباحث مروان العزي إنّ "الأعياد في المجتمع العراقي ترتبط بفكرة التماسك الاجتماعي، ولذلك بقيت كثير من الطقوس صامدة رغم التحولات والظروف"، ويضيف لـ"العربي الجديد" أنّ "العائلات العراقية تتعامل مع العيد بوصفه مناسبة لإعادة التواصل، خصوصاً مع الأقارب الذين لا تسمح ظروف الحياة اليومية بزيارتهم باستمرار"، مؤكداً أن "قيمة العيد اجتماعياً قد تكون أحياناً أكبر من قيمته الاستهلاكية". ومن بين أكثر الطقوس حضوراً صباح عيد الأضحى في العراق تبقى زيارة قبور الراحلين، فبعد صلاة العيد مباشرةً، تتوجه عائلات كثيرة إلى المقابر، حاملةً الورود وقوارير المياه وأغصان الآس (الريحان) وعبوات الحلوى التي تُوزّع أحياناً على الزائرين والفقراء. ويقول المتقاعد أبو علي الربيعي (65 عاماً) من مدينة الديوانية جنوبي البلاد إنّ "زيارة المقبرة جزءٌ لا يمكن تجاوزه من صباح العيد"، ويضيف لـ"العربي الجديد": "نشعر أن العائلة يجب أن تكتمل حتى بذكر مَن رحلوا، كما أن كثيراً من العراقيين يربطون العيد بالدعاء للأموات واستذكارهم، خصوصاً في بلد عاش عقوداً من الحروب والعنف وفقدان الأحبة". وتوضح الناشطة المجتمعية هنا العبيدي أن "طقس زيارة القبور في الأعياد يحمل بُعداً نفسياً مهماً داخل الثقافة العراقية"، مؤكدةً لـ"العربي الجديد" أنّ "العيد لا يُنظر إليه باعتباره مناسبة للفرح فحسب، بل أيضاً مناسبة للوفاء والذاكرة العائلية". وفي الأحياء الشعبية، تبدأ بعض مظاهر العيد عبر الزينة والإنارات البسيطة وملصقات تهنئة الحجاج العائدين من الديار المقدسة، وما تزال بعض العائلات العراقية تحرص على تزيين منازل الحجاج بالأقمشة والعبارات الترحيبية، رغم تراجع هذه المظاهر مقارنةً بسنوات سابقة. أما الأطفال، فيعيشون العيد بطريقتهم الخاصة. ففي مناطق كثيرة، تعود الألعاب المؤقتة والأراجيح إلى الساحات الشعبية مع اقتراب العيد، فيما تتحول الحدائق والمتنزهات إلى وجهات رئيسية للعائلات خلال أيام العطلة. وتُخبر الطفلة مريم علي (11 عاماً) من الموصل شمالي البلاد، بأنّ أكثر ما تنتظره في العيد هو الخروج مع بنات خالاتها وأقاربها لشراء المثلجات والألعاب، بينما يقول مصطفى عادل (14 عاماً) من البصرة جنوبي البلاد إنّ العيد بالنسبة له يعني السهر مع الأقارب واجتماع العائلة الكبيرة. وقد مرّ عيد الأضحى في العراق بتحولات واضحة خلال العقود الماضية، فالعائلات الممتدة التي كانت تجتمع في منزل واحد باتت أقل حضوراً مع تغير أنماط السكن والعمل والهجرة والنزوح الداخلي، كما أن وسائل التواصل الاجتماعي غيّرت طبيعة التهاني والزيارات، إذ حلّت الرسائل الهاتفية أحياناً محل اللقاءات المباشرة. لكن، رغم ذلك، فإنّ جوهر العيد لا يزال قائماً. وتقول الناشطة المجتمعية هنا العبيدي إنّ "المجتمع العراقي أعاد تشكيل طقوسه بما يتناسب مع التغيّرات الحديثة، لكنه لم يتخلَّ عنها بالكامل"، وتضيف: "قد تقلّ مدّة الزيارات، وقد تصبح أقلّ من قبل، لكن فكرة الاجتماع العائلي ما تزال حاضرة بقوة". ويحتفظ عيد الأضحى أيضاً بعاداته المرتبطة بالأضحية، لكن بصورة تختلف من عائلة إلى أخرى بحسب البيئة الاجتماعية وطبيعة المناطق. ففي الأحياء الشعبية والأرياف، ما تزال بعض العائلات تتعامل مع الأضحية باعتبارها مناسبة جماعية يُشارك فيها الأبناء والأقارب منذ ساعات الصباح الأولى، سواءً عبر المساعدة في تجهيز المكان أو توزيع اللحوم على الأقارب والجيران والفقراء، فالأضحية ليست مجرد شعيرة، بل مناسبة للتكافل الاجتماعي. أمّا في المدن الكبرى، فقد أصبحت بعض العائلات تميل إلى تبسيط هذا الجانب، مع التركيز أكثر على الزيارات العائلية واللقاءات الاجتماعية، لكن فكرة توزيع اللحم وإهدائه ما تزال حاضرة بوصفها رمزاً للتراحم والتقارب بين الناس. ويقول الشاب رائد حسن (24 عاماً)، وهو موظف في شركة أهلية في كركوك (شمال)، إنّ العيد بالنسبة لجيله صار أقلّ صخباً ممّا كان عليه في طفولتهم، لكنه يؤكد أن العائلات تحاول الحفاظ على الحد الأدنى من الطقوس التي تمنح المناسبة معناها. ويضيف لـ"العربي الجديد": "ربما تغيّرت طريقة الاحتفال، لكن الناس لا تريد أن تفقد الإحساس بأنّ هناك أياماً مختلفة عن بقية أيام السنة، فالعراقيون صاروا يبحثون عن الفرح البسيط والقريب من العائلة". ورغم التحولات التي طاولت شكل الحياة في العراق، لا يزال العيد بالنسبة لكثيرين مساحة نادرة لاستعادة الروابط العائلية والشعور بالمشاركة الجماعية، حتى وإن تغيّرت التفاصيل وبقيت "روح المناسبة" وحدها العنصر الأكثر ثباتاً.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows