Arab
رغم أنها غادرت قرية منشية عكا بفلسطين حين كانت طفلة في الرابعة من عمرها تقريباً، بقيت تفاصيل المكان المنقولة عن الآباء والأمهات حيّة في ذاكرة ذكية محمود عذب.
تروي ذكية محمود عذب (أم حسين)، حكاية قرية التصق عمرانها بمدينة عكا في فلسطين حتى سُمّيت منشية عكا. تقول: "تفتحت عيني على الدنيا في منشية عكا، القرية الوادعة التي تعانقت مبانيها واتصلت بمدينة عكا حتى حملت اسمها وصارت جزءاً من روحها. ورغم أنني لم أتجاوز الرابعة من العمر حين اقتُلعنا من أرضنا، ظلت فلسطين تسكنني. لا أتذكر الرحيل من فلسطين إلى لبنان لكنني تشرّبت الذاكرة وحملتها في قلبي وتفاصيل حكاياتي". تتابع: "كانت أرضنا في المنشية تنبض بالحياة، يعتاش أهلها من خيرات الزراعة، وأنشأ فيها الانتداب الإنكليزي مشاريع للتأهيل الزراعي بسبب خصوبة أرضها ووفرة أشجارها. وأذكر مما كان يرويه لي والدي، أن مساحات واسعة تُقدر بـ400 دونم من أراضي المنشية وجوارها كانت تشكل مصدر رزقٍ لا ينضب، تفتح ذراعيها لأبناء القرى المجاورة كي يأتوا ويعملوا فيها".
كانت الأراضي خيّرة وتتّسع للجميع، وكان والدي يردد دائماً بفخر: عكا لها بابان، واحد من الجنوب والآخر من الشمال، وبين عكا والمنشية، كانت تفترش الأرض مساحةٌ للفرح تُعرف بالمراجيح، وهي تشبه ساحة العيد الموجودة عند بحر صيدا بمدينة صيدا في لبنان التي تشبه ببحرها وآثارها أيضاً مدينة عكا. كانت تلك البقعة في العيد تزدان بالأراجيح والاحتفالات. تشبه في صخبها الجميل وروحها ما نراه اليوم في مدينة صيدا. وقبل أن يهلّ هلال العيد بأيام، كانت حناجر الرجال تصدح بمواويل العتابا، وتعلن بدء طقوس البهجة".
وتُخبر أيضاً أن "النساء كان لهنّ طقس مختلف، أشبه بعبادة مغلفة بالحب. قبل العيد بأسبوع، تتجمّع أربع أو خمس جارات، ويتفقن على إعداد كعك العيد، بخاصة كعك الأساور الذي يعتبر من التراث الفلسطيني، ويُعدّونه من الطحين، وزيت الزيتون، والزبدة، وحبّة البركة والسمسم، والحليب في بيت إحداهن. لا أزال أستحضر في خيالي مشاهد أصوات النساء التي تصدح بالأغاني والمدائح النبوية، يصلّين على رسول الله قبل البدء بإعداد الكعك، وكأنهن في رحلة حج مقدسة، وتتعالى ترانيم مدح النبي في أثناء عجن الدقيق الممزوج بالبركة. كنا نحن الأطفال نلتف حولهن، وننتظر بشوق دورنا لنطبع الكعك، أو نشكله على هيئة أساور صغيرة بأيدينا مثل أمهاتنا".
وتتحدث عن أن "فرن المنشية كان شاهداً على التكافل الاجتماعي والمحبة. يُخبز فيه الكعك، وتُترك حصة فيه لمن لم يسعفهم الحال في صنع كعك العيد. كان الفران يعرف المحتاجين الذين لم تسعفهم أوضاعهم الاقتصادية على إعداد الكعك، ويوزع عليهم نصيبهم من الفرح كي لا يبقى بيت في القرية إلا وتدخله بهجة العيد. وحتى بعدما قذفنا اللجوء إلى مخيم عين الحلوة في صيدا، لم نتخلَّ عن عاداتنا وتقاليدنا التي تربينا عليها، وصرنا نصنع الكعك، ونخبزه في الفرن الذي كان في سوق الخضار، نأخذ منه حاجتنا، ونبقي بعض الكعك لمن لم يستطع إعداد الكعك، ونرسله أيضاً إلى الفدائيين الذين كانوا عند الحدود". تتابع: كنا نترك صِدرين (صينيتان كبيرتان) مليئين بالكعك في الفرن إكراماً لهم، وكنا نسابق خيوط الفجر الأولى، نصل إلى الفرن مع أذان الصبح لتمتزج رائحة الخبز بتكبيرات العيد في مشهد لا يُنسى".
أما عن إعداد الكعك في البيت، فقالت الحاجة أم حسين: "بالنسبة إلينا، صناعة كعك العيد في البيت اليوم ليست مجرد عادة، بل امتداد لتقاليدنا وإحياء لتراثنا الذي نرفض التخلي عنه. إنها الطقس الذي يبث الدفء في زوايا المنزل، ويُشعرنا بحقيقة العيد وفرحته. هي سُنة متوارثة وشعيرة من شعائرنا المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بتراب فلسطين وعاداتها، لذا ستبقى نكهة كعكنا، المجبول بالذاكرة والحنين، أطيب وأشهى من أي شيء. كذلك فإننا نعدّه في البيت لإدخال البهجة والفرح، بسبب الظروف الصعبة التي نعيشها اليوم، فلا أمن والحرب متواصلة في لبنان وغزة والضفة الغربية، كما في السودان وغيرها من الدول العربية. أيضاً نحتاج إلى أن نفرح ونشعر بحلول العيد، وكذلك أولادنا بحاجة إلى ذلك حتى يبقى موروثنا وتراثنا، ويتعلم أولادنا هذا التراث وكيفية إعداده. ورغم اختلاف الأزمنة والأماكن، لا تزال هذه العادة حاضرة في بيوتنا. إعداد الكعك ليس مجرد طعام، بل طقس عائلي يصنع الدفء والبهجة ويمنح العيد معناه الخاص".

Related News
ترامب يدرس حضور نهائي دوري السلة الأميركي
alaraby ALjadeed
11 minutes ago
تبرئه مسؤول «فوكس» السابق على خلفية قضية فساد في كرة القدم
aawsat
13 minutes ago