نحو الموت خفيفاً كطائر
Arab
1 hour ago
share
كنتُ سأموتُ على أيّ حالٍ، مثلما يموتُ صقرٌ على المرتفعات بينَ غبشٍ في الرؤيةِ، وسقوطٍ لهُ وَقعُ انفجارٍ صغير، مثلما ذئبٌ فتيٌّ يختفي في السهوب، مثلما أمّ لها طعمُ الفجيعةِ، مثل أمي الذئبة الحارسة لأحزانِ عائلتِنا، حينَ تصنعُ وحدها مقبرةً بحجمِ مدينةٍ على أطراف مدينة! لا أمّ، لا أباً، ولا حبيبةَ واقعية، تؤكّدُ لي أنَّ الموتَ خرافةٌ، خرافةٌ فحسب. أنا يتيمٌ جداً، والنعاجُ التي في رأسي بفعل الذكريات غائصة في وحل اسمي الطويل كسنة جوعٍ، تمنحني صفةَ الحمَل، وتمنعُ عني أُشروطةَ الذئبِ، فأبدو رغم فكرةَ الوحشِ في داخلي، أقرب إلى الحيوانات المسالمةِ، أو كائناً هَشّاً ملتبسَ النمو. متنازلٌ عن الحياة بصكِّ الحبّ، مُتنَعمٌ بهذه المأثرة الكثيرة نحو النهايات، لولا أنَّ امرأةً خضراءَ، ظلها شجرة، أدخلتني حُجرةً مُشمسَةً، نفثتْ هواءَها النقي في روحي، ثم خاطتْ قلبَها المفتوحَ عليَّ، وسفحتْ فوقَ ما يشبهُ الجثةَ نزوفَهُ الثمينةَ. كنتُ سأموتُ على أيّ حالٍ، لأنّ شجرةً عطشى تَتَغذّى على دمي، لم تكن لتصنعَ في بريّات الجنوبِ علامةً أو فزّاعةً أو لغةً حيةً، تقودُ أهلي الأميّين من البدو، معلّمي السراب على الصوتِ والصدى، وتلاميذُ العَجاجِ، ليقرأوا كتابي، كتاب الخسارات، لولا أنَّ امرأةً سليلة حزنٍ ولها جوح ربابةٍ، جعلت حبل السُرّة نهراً يسعى إلى السهول، وخيلاً عظيمة تَخبُّ بأنفةٍ بين عدمي وأسباب الحياة. كأني بهذا الانتماء أشبهُ أحداً ما، يَتَدرّبُ على العيش في تابوت كنتُ سأموتُ على أيّ حالٍ، كما يموتُ سرابٌ في أعينِ العطشى، ويهلكُ مهاجرون في الممشى الصحراوي إلى النجاة، لولا أنَّ امرأةً عرّافة بالمسالكِ وخبيرة كلامٍ ولها في الكنايات، عَدّلتْ من وجهة جنازتي الخفيفة كطائرٍ من سِلعٍ تغورُ فيه حرارةُ الأجسادِ والأثرُ إلى عشبة يدها الثريةِ بالمعنى، ها أنا معترفٌ بها، مشغولٌ بما تشيعهُ من أسئلةٍ بِكرٍ عن الوجود والخلود والفناء، وأكثر ما أملكهُ هو ضعفي وعوزٌ مزمنٌ لاحتضانِها. كنتُ سأموتُ على حالٍ، وتذوي صبّارةُ الوقتِ في النشيدِ الذي شَيّدتُهُ، وأردتُهُ واحةً ظليلةً في صيفِ القبائل، لولا أنّ امرأة لا هي للبداوة ولا هي للتمدّن، فَدتني برحمِها، تركت جسدَها العابر للزمن والميكانيك، يَنسلُّ دوداً من النيون المُشّع إلى حفرة النهاية، لئلّا أنهارَ ككثيبِ رمل "تلعبُ به الأرياح"، وشيطاناتُ الأساطير. كنتُ سأموتُ على أي حالٍ، غير أني تعرّفتُ امرأتي، امرأةً ليست ساحرةً، ليست أفعى، ليست عجينةً طيّعةً، ليست ذاكرةً زراعيةً، وليست طريقاً ترابياً إلى الأنهارِ والأفق، ولا إشارةً مدنيةً في أولِ القرى والمدن النائمة على أطراف بيوتات الشَّعر والشِّعر والجنيّات، لها ما لها مما يقلقُ الأربعينية من سوادٍ تحتَ العينين، وعليها مما يرخي اللهُ من مائهِ وبلسمهِ، ها هي تصنعُ خبزي اليومي من عجينة نهدِها الحسّاسِ، وطحين الأمنيات وتنّور الشوق في دمي والكتابة. كنتُ سأذهبُ خفيفاً كطائرٍ، هفيفَ منديلٍ في البكاءِ المرافق جهةَ المقابر، لولا أنَّ امرأةً نزقةً، جَفولةً كغزالةٍ، معقدةٌ كَشَركٍ ليلي، يقظةً كرعشةٍ، أمّارةٌ بالسوءِ والفضيلةِ، تحبُّ ولا تحبُّ، قلقةٌ كطريدةٍ، ولها هَدأةُ الصيّاد، تحطُّ من شأنِ التفاصيلِ الكبيرة، وتُعلي من شأنِ أخطائي الصغيرات. وكنتُ مَلِكَاً، مُلكَ نفسي وملكَها، أقرّبُ صورتَها في الأحلامِ، لتظهر في واقعي شهيةً، مُكلفةً، وتَدرجُ شهوتي نحوها عاصفةً، ميّالةً إلى نسيان الموت، ومنتصرةً للألعاب التي استمرأتها، وعشتُ في كنفها أكثر مما ينبغي، أكثر من ثلاثةِ نسورٍ معمّرةٍ وشجرةٍ تنوشُ الينابيع! وأنا الآنَ على مفترقِ الفكرة الضَّالَّة في عصاري الحياة الشخصيةِ السريعةِ، أبالغ في تبعية الوقت المائلِ لحُمرةِ الزوالِ وبينَ العتمةِ، كأني بهذا الانتماء أشبهُ أحداً ما، يَتَدرّبُ على العيشِ في تابوت.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows