يمن مونيتور/ من عبدالله العطار
مع إشراقة شمس العيد، ارتدت مدينة مأرب حلةً من البهاء، عاكسةً روحاً وطنية متوثبة تنبض في قلب الجمهورية، فيما امتلأت ساحات ومصليات العيد بجموع المصلين القادمين من مختلف المحافظات اليمنية، في مشهد امتزجت فيه مشاعر الفرح بمعاني الوحدة والانتماء.
وتحوّلت المدينة، التي باتت خلال السنوات الأخيرة ملاذاً لملايين اليمنيين، إلى مساحة جامعة تتلاقى فيها الأيدي بالمصافحة والقلوب على ذاكرة وطنية واحدة، بينما علت أصوات التكبير في أجواء حملت رسائل تتجاوز البعد الديني إلى دلالات اجتماعية ووطنية أوسع.
مأرب.. رمز الصمود والهوية الوطنية
تُعرف مأرب باعتبارها إحدى أبرز معاقل الجمهورية ورمزاً للصمود خلال سنوات الحرب، غير أن مشهد العيد فيها بدا هذا العام أكثر اتساعاً، إذ انصهرت لهجات اليمنيين وقبائلهم ومناطقهم المختلفة في لوحة إنسانية عكست صورة مصغرة للوطن.
ولم تقتصر المناسبة على أداء الشعائر الدينية، بل تحولت إلى مساحة جامعة التقت فيها آمال النازحين والمهجرين والمقيمين، في مدينة باتت تمثل مركزاً وطنياً وإنسانياً يستوعب أبناء المحافظات كافة.
وازدانت الطرقات المؤدية إلى الساحات والمصليات بحركة المواطنين، فيما ارتسمت على الوجوه ملامح فرح ممزوجة بالطمأنينة، في مشهد يعكس التحولات التي شهدتها المحافظة خلال السنوات الماضية.
حضور رسمي ومشاركة مجتمعية واسعة
وشهدت الساحات حضوراً رسمياً تقدمه عضو مجلس القيادة الرئاسي سلطان العرادة، إلى جانب قيادات في مجلس الشورى والسلطة المحلية والقيادات العسكرية والأمنية، فضلاً عن شخصيات اجتماعية وعلماء ودعاة.
وشارك المسؤولون المواطنين أداء صلاة العيد وتبادل التهاني معهم، في رسالة عكست حالة التلاحم المجتمعي التي تتميز بها المحافظة.
وأكد مسؤولون، في كلمات مقتضبة عقب الصلاة، أن مأرب تواصل أداء دورها الوطني والإنساني في احتضان ملايين اليمنيين من مختلف المحافظات، مشددين على أهمية الحفاظ على وحدة الصف وتعزيز قيم التعايش والتكافل الاجتماعي.
وقال صالح علي، وهو موظف حكومي نزح من صنعاء قبل سنوات، إن أكثر ما يلفت الانتباه في مأرب هو “وقوف المسؤول والمواطن في صف واحد، يعيشون الأجواء نفسها ويتبادلون التهاني ذاتها، وهو ما يمنح الناس شعوراً بالطمأنينة”.
مشهد إيماني يجسد وحدة اليمنيين
ومنذ الساعات الأولى للصباح، اكتظت الساحات بالمصلين القادمين من أحياء المدينة ومخيمات النزوح والمناطق المحيطة بها، في صفوف امتدت على مد البصر.
وفي أحد المصليات شمال المدينة، وقف خمسيني قادم من محافظة الحديدة إلى جانب شابين من صعدة وتعز، يتبادلون التهاني عقب الصلاة في صورة عكست حالة الانسجام الاجتماعي التي تشهدها المحافظة.
وقال “أبو خالد”، القادم من الحديدة: “العيد في مأرب له طعم مختلف، هنا يشعر الإنسان أن اليمن ما يزال بخير، وأن الناس رغم الحرب ما زالوا قادرين على الاجتماع والمحبة”.
بدوره، رأى محمد عبده، وهو نازح من محافظة تعز، أن صلاة العيد في مأرب تحمل معنى يتجاوز الطقوس الدينية، مضيفاً أن “مشهد التنوع بين المصلين يؤكد أن فكرة الجمهورية ما تزال حاضرة في وجدان اليمنيين”.
مأرب.. صورة مصغرة للوطن
في ساحات العيد بدت اليمن كلها حاضرة؛ بلهجاتها المختلفة وملابسها المتنوعة وعائلاتها القادمة من محافظات متعددة بحثاً عن الأمان والاستقرار.
وقالت أم عبدالله، وهي نازحة من محافظة الحديدة، إن مأرب “جعلت النازحين يشعرون بأن لهم بيتاً كبيراً يحتضن الجميع، ولذلك يأتي العيد فيها مختلفاً”.
أما فهد، القادم من محافظة إب، فقال إن المدينة أصبحت “عاصمة لكل اليمنيين لأنها جمعت الناس على المحبة والتكاتف رغم الظروف الصعبة”.
رسائل صمود تتجاوز أجواء العيد
ورغم الطابع الروحي والاجتماعي للمناسبة، حضرت معاني الصمود والثبات بقوة في أحاديث المصلين وخطب العيد، حيث برزت الجمهورية باعتبارها قضية جامعة تتجاوز الإطار السياسي.
وقال المعلم عادل، وهو نازح من محافظة عمران، إن الصلاة في مأرب “تعكس التمسك بفكرة الدولة والجمهورية والعيش المشترك”، مضيفاً أن الحرب حاولت تفريق اليمنيين “لكن مأرب أثبتت قدرة الناس على التعايش والوقوف مع بعضهم”.
فرحة تذيب الفوارق
وبعد انتهاء الصلاة تحولت الساحات إلى فضاءات واسعة للمعايدات واللقاءات الاجتماعية، فيما انشغل الأطفال باللعب بين الحشود، واستمرت حركة الزيارات وتوزيع الأضاحي والهدايا في الشوارع والأسواق.
وفي تلك اللحظات، بدت الفوارق الجغرافية والقبلية أقل حضوراً، مقابل شعور جمعي بأن الجميع شركاء في وطن واحد تجمعهم المآسي كما تجمعهم الأعياد.
ورغم التحديات التي فرضتها سنوات الحرب، لا تزال مأرب تقدم نفسها نموذجاً للصمود والتكاتف الوطني، ومدينة حافظت على روح الجمهورية وهي تحتضن ملايين اليمنيين الباحثين عن الأمن والاستقرار.
ومع مغادرة الجموع لساحات ومصليات العيد، بقي الأمل حاضراً في القلوب بأن تستعيد البلاد استقرارها، وأن تواصل مأرب دورها بوصفها الحاضنة الجامعة لهذا الحلم الوطني.
The post مأرب.. حاضنة الجمهورية وعاصمة الأعياد في اليمن appeared first on يمن مونيتور.