Arab
في قطاع غزة، لا يأتي عيد الأضحى هذا العام محمّلاً بمظاهر الرفاه أو الوفرة، بل يصل مثقلاً بآثار الحرب والنزوح. ومع ذلك يُصرّ الأهالي على انتزاع لحظاتٍ صغيرة من الحياة وسط الركام. فالعيد بالنسبة للغزّيّين ليس مجرد مناسبة دينية، بل إعلان متجدّد يعبّر عن التمسك بالحياة، وقدرة الإنسان على خلق الفرح حتى في أكثر الظروف قسوةً.
ومع ساعات الفجر الأولى من اليوم الأربعاء، بدأ الناس بالتجمع في الساحات المفتوحة وفي محيط المدارس ومراكز الإيواء لأداء صلاة العيد، بعد تضرّر غالبية المساجد التي باتت خارج الخدمة، فكان أن تحوّلت الأراضي الترابية والفراغات بين الخيام إلى مصلّيات واسعة افترش فيها الأهالي الأغطية والقطع القماشية.
وامتزجت تكبيرات العيد بأصوات الأطفال وحركة الناس الذين حاولوا ارتداء ما تيسّر من الملابس النظيفة رغم صعوبة الظروف. لحظاتٌ يبدو فيها المشهد وكأنّه محاولة جماعية لاستعادة الإحساس الطبيعي بالأمان والانتماء.
بعد صلاة العيد، تبرز مظاهر التهاني البسيطة، حيث يتبادل الناس العناق والكلمات الدافئة، ويحرص كثيرون على زيارة الأقارب أو السؤال عن الجيران حتى لو كانت المسافات قصيرة بين خيمةٍ وأخرى. وفي ظلّ شحّ الإمكانات، تظهر روح التعاون بوضوح، فالعائلات تتشارك الطعام القليل، وتُحضّر النساء ما يمكن من الحلويات الشعبية البسيطة باستخدام مكوّنات محدودة، فقط كي يشعر الأطفال بأنّ للعيد طعماً مختلفاً عن باقي الأيام.
يقول الطفل أحمد نصار (12 عاماً) إنّ عيد الأضحى هذا العام جاء مختلفاً بسبب ظروف النزوح والحرب، لكنّهم يحاولون التمسك بأيّ لحظة فرح بسيطة. ويوضح لـ"العربي الجديد" أنّه ارتدى ملابس نظيفة رغم أنّها قديمة قليلاً، ثم توجّه مع إخوته إلى ساحةٍ قريبة من الخيام لأداء صلاة العيد، مؤكداً أن هذه التفاصيل الصغيرة تمنحهم شعوراً بالحياة رغم كلّ الصعوبات.
ويتحدث أحمد لـ"العربي الجديد" عن أكثر ما يحبّه في العيد هو اللعب مع أصدقائه، حيث يصنعون أحياناً كرةً من القماش ويلعبون كرة القدم في المساحات الفارغة بين الخيام، مشيراً إلى أن اللعب يساعدهم على نسيان أجواء الحرب لبعض الوقت، ويمنحهم فرصةً للشعور بفرحة العيد كباقي الأطفال. ويروي أحمد كيف يصنع مع أصدقائه طائراتٍ ورقية باستخدام أكياس بلاستيكية وأعواد خشبية، موضحاً أنّ رؤية الطائرة ترتفع في السماء تجعله يشعر بالحرية، وكأنّ الحرب تبتعد قليلاً عنهم ولو للحظاتٍ قصيرة. ويعبّر أحمد عن أمنيته بأن يعود مع عائلته إلى منزلهم، وأن يأتي العيد القادم بلا خوف أو نزوح، ليعيش الأطفال أيام العيد بأمانٍ وسلام.
وفي المخيمات ومناطق النزوح، تتحوّل المشاورات بين الأهالي إلى جزءٍ من صناعة الفرح، حيث يتفق الشباب على تنظيم أنشطة صغيرة للأطفال، أو إعداد ساحة للّعب، أو تعليق زينة مصنوعة يدوياً من الورق والأقمشة القديمة، بعضهم يرسم على الجدران المتبقية أو يكتب عبارات الأمل، بينما يحاول آخرون تشغيل الأناشيد عبر هواتف أو مكبّرات بسيطة لإحياء أجواء العيد.
في الإطار ذاته، يقول المتطوّع سعيد حماد (29 عاماً) إنّ الشباب في المخيم يحاولون خلال أيام عيد الأضحى التخفيف من آثار الحرب على الأطفال، عبر تنظيم أنشطة ترفيهية بسيطة تمنحهم شيئاً من الفرح، موضحاً أنّهم ينظمون ألعاباً ومسابقات صغيرة للأطفال، بهدف إدخال السعادة إلى قلوبهم وإبعادهم، ولو مؤقتاً، عن أجواء الخوف والدمارالتي تحيط بهم يومياً. ويشير حماد لـ"العربي الجديد" إلى أنّ العمل التطوّعي داخل المخيم يعتمد بشكل كبير على الإمكانات البسيطة المتوفرة، حيث يقوم الشباب بصناعة الزينة يدوياً وتجهيز مساحات صغيرة للّعب، إلى جانب تشغيل الأناشيد عبر الهواتف المحمولة لخلق أجواء تشبه فرحة العيد التي اعتاد عليها الأطفال قبل الحرب.
ويؤكد أنّ أكثر ما يلفت انتباه المتطوّعين هو التغيّر السريع الذي يظهر على وجوه الأطفال وملامحهم مع بداية الأنشطة، إذ تعود إليهم الضحكات ويندمجون باللّعب وينسون الخوف لبعض الوقت، وهو ما يمنح المتطوّعين دافعاً للاستمرار رغم كلّ الظروف الصعبة. ويوضح حماد أنّ الرسالة التي يسعون لإيصالها من خلال هذه المبادرات هي أنّ أهالي غزة ما زالوا يتمسكون بالحياة والأمل، وأنّ الفرح البسيط يمكن أن يكون شكلاً من أشكال الصمود والمقاومة في وجه الحرب والمعاناة.
أمّا الأطفال، فهم الأكثر قدرة على اختراع البهجة من الأشياء البسيطة، إذ تعود الألعاب التقليدية لتملأ المساحات المفتوحة؛ مجموعات من الصغار يركضون بين الأزقة الترابية، وآخرون ينظّمون مباريات كرة قدم بكراتٍ مهترئة أو مصنوعة من القماش، وفي أماكن كثيرة، تظهر الطائرات الورقية رمزاً واضحاً للرغبة في الحرية والهروب من ثقل الواقع، يصنعها الأطفال من أعواد خفيفة وأكياس بلاستيكية وأوراق ملوّنة، ثم يطلقونها عالياً فوق الخيام والبيوت المهدمة، وكأنّهم يرسلون معها رسائل صغيرة تقول إنّ الحياة ما زالت ممكنة.
من جهتها، توضح الفلسطينية سماهر خالد (43 عاماً) أنّ أصعب ما يواجه الأمهات خلال هذه الأيام هو رؤية الأطفال وهم يشتاقون إلى بيوتهم وألعابهم وحياتهم السابقة قبل النزوح، مؤكدةً أنّ الأطفال يستحضرون باستمرار ذكريات الأعياد الماضية، بينما تحاول العائلات التخفيف عنهم بالكلمات الطيبة والاهتمام والاحتواء. وتضيف لـ"العربي الجديد" أنّ العائلات داخل المخيم ما زالت تحافظ على روح التكافل الاجتماعي، حيث يتبادل الناس الزيارات والتهاني والطعام والدعاء، الأمر الذي يخفّف من قسوة الواقع ويجعل الجميع يشعرون وكأنّهم عائلة واحدة تتشارك الألم والأمل معاً. وتؤكد سماهر أنّ العيد اليوم بات بالنسبة لهم رسالة صمود وتمسك بالحياة، رغم كلّ الظروف القاسية التي يعيشها أهالي غزة، مشددةً على أنّ استمرار مظاهر الفرح البسيطة هو شكل من أشكال التحدي والأمل بالمستقبل.
ورغم الألم الذي يحيط بالمشهد، يبقى العيد في غزة مساحة للكفاح الإنساني الهادئ، كفاحٌ يقوم على الحفاظ على العادات وحماية ذاكرة الأطفال من أن تختزلها الحرب فقط. إذ إنّ كلّ ضحكة تُصنع، وكلّ لعبة تُمارس، وكلّ تكبيرة تُرفع في العراء، تحمل معنى أعمق من مجرد الاحتفال، إنّها تأكيد يومي أنّ أهالي غزة ما زالوا قادرين على التمسك بالأمل.

Related News
هوايات يومية قد تحميك من الخرف
aawsat
11 minutes ago
الصين: أبحاث جريئة حول إنجاب الأطفال في الفضاء
aawsat
12 minutes ago