Arab
تدخل إسبانيا مرحلة جديدة في سوق المدفوعات الرقمية، مع توسع منصة "بيزوم" (Bizum) نحو المدفوعات المباشرة داخل المتاجر، في خطوة تعكس محاولة البنوك الإسبانية بناء بديل محلي قادر على تقليص هيمنة شبكات البطاقات العالمية مثل "فيزا" و"ماستركارد"، إضافة إلى المحافظ الرقمية التابعة لشركات التكنولوجيا الكبرى مثل "آبل" و"غوغل". ومن المرتقب أن تبدأ المرحلة الجديدة من تشغيل الخدمة مطلع الشهر المقبل، لتتحول "بيزوم" من منصة ارتبط اسمها بتحويل الأموال بين الأصدقاء والعائلات إلى وسيلة دفع يومية داخل محال السوبرماركت والصيدليات والمطاعم ومتاجر الملابس. ومنذ إطلاقها عام 2016 في مبادرة مشتركة بين البنوك الإسبانية، نجحت "بيزوم" في ترسيخ مكانتها باعتبارها أكثر أدوات التحويل المالي انتشاراً في البلاد، مع اعتمادها على تبسيط التحويلات البنكية الفورية باستخدام رقم الهاتف المحمول بدلاً من أرقام الحسابات المصرفية الطويلة. وخلال أقل من عقد، تجاوز عدد مستخدمي المنصة 31 مليون مستخدم في بلد يبلغ عدد سكانه نحو 49 مليون نسمة، لتصبح ثاني أكثر التطبيقات انتشاراً بعد "واتساب"، وفق بيانات الشركة.
توسع مصرفي بحثاً عن الإيرادات
وخلال السنوات الماضية، وسعت "بيزوم" نطاق خدماتها تدريجياً، فبعد التحويلات الفردية أضافت خدمة التبرعات، ثم دخلت قطاع التجارة الإلكترونية عام 2019. واليوم تستخدم المنصة في أكثر من 100 ألف متجر إلكتروني داخل إسبانيا، عبر إدخال رقم الهاتف بدلاً من بيانات البطاقة المصرفية، مع تأكيد العملية من خلال تطبيق البنك. غير أن دخولها إلى المدفوعات الحضورية داخل المتاجر يمثل التحول الأكبر في تاريخها، لأنه يضعها مباشرة في قلب سوق المدفوعات الاستهلاكية اليومية، وهو القطاع الذي تهيمن عليه منذ سنوات شبكات البطاقات الأميركية والمحافظ الرقمية العالمية.
ويحمل هذا التوسع أبعاداً اقتصادية واستراتيجية تتجاوز مجرد تطوير تقني لخدمة مصرفية. فحتى الآن، كانت "بيزوم" خدمة مجانية للمستخدمين ومصدراً للتكلفة بالنسبة إلى البنوك المالكة لها، التي استثمرت مبالغ كبيرة في البنية التحتية والتطوير والتشغيل. أما مع دخولها إلى المدفوعات التجارية المباشرة، فستبدأ البنوك في تحقيق عوائد مالية عبر فرض رسوم محدودة على المتاجر مقابل كل عملية دفع، على غرار الرسوم التي تتقاضاها شبكات البطاقات التقليدية. وتشير تقديرات القطاع المصرفي الإسباني إلى أن هذه الخطوة قد تفتح مصدراً جديداً للإيرادات، في وقت تواجه فيه البنوك الأوروبية ضغوطاً متزايدة على هوامش الربحية نتيجة المنافسة الرقمية وتشديد اللوائح التنظيمية الأوروبية الخاصة بالرسوم البنكية.
بيزوم حرب استحواذ بين البنوك
ويقول الخبير الاقتصادي لويس فيرنانديز، في حديثه لـ"العربي الجديد"، إن "البنوك الإسبانية تسعى إلى استثمار القاعدة الضخمة من مستخدمي "بيزوم" لتحويلها من مجرد أداة للتحويلات الاجتماعية إلى منصة دفع متكاملة قادرة على تحقيق عوائد مستدامة". ويضيف أن نموذج الأعمال الجديد سيعتمد على اقتطاع عمولات من التجار عند استخدام "بيزوم" داخل المتاجر، مع توقعات بأن تكون هذه الرسوم أقل من تلك المفروضة حالياً عبر بطاقات الائتمان التقليدية، ما يمنح المنصة ميزة تنافسية قوية، خصوصاً لدى المتاجر الصغيرة والمتوسطة التي تبحث عن وسائل دفع منخفضة الكلفة. وفي السياق نفسه، تتوقع مؤسسات مالية إسبانية أن تتحول المنافسة بين البنوك إلى ما يشبه "حرب استحواذ" على العملاء، نظراً إلى أن المستخدم يستطيع تفعيل "بيزوم" عبر بنك واحد فقط. وبالتالي، إن المصارف التي ستنجح في تقديم الخدمة بسرعة وكفاءة أكبر قد تتمكن من جذب عملاء جدد أو الاحتفاظ بعملائها الحاليين في سوق مصرفية شديدة التنافس.
وتخطط "بيزوم" لإطلاق نظامين للدفع الحضوري: الأول سيتم مباشرة عبر تطبيقات البنوك، بينما يعتمد الثاني على خدمة جديدة تحمل اسم "Bizum Pay"، وهي محفظة رقمية ستعمل على الهواتف الذكية بنظامي "أندرويد" و"iOS"، بطريقة مشابهة لخدمات "آبل باي" و"غوغل باي". وسيتمكن المستخدم من الدفع عبر تقنية الاتصال قريب المدى (NFC) بمجرد تقريب الهاتف من جهاز الدفع الإلكتروني، لتنفذ العملية على شكل تحويل بنكي فوري. وتكمن إحدى نقاط القوة الرئيسية في النظام الجديد، في السرعة الفورية لتحويل الأموال. ففيما تستغرق تسوية المدفوعات عبر البطاقات التقليدية ما بين 24 و48 ساعة، ستصل الأموال إلى حساب التاجر فورياً عبر "بيزوم"، ما يوفر سيولة أسرع للمتاجر ويحسن إدارة التدفقات النقدية، خصوصاً بالنسبة إلى الشركات الصغيرة والمتوسطة. كذلك لن يحتاج التجار إلى استبدال أجهزة الدفع الحالية، إذ ستحدّث البنوك الأنظمة الموجودة لتصبح قادرة على استقبال مدفوعات "بيزوم"، ما يقلل تكاليف التوسع ويسرع عملية الانتشار في الأسواق.
المتاجر ترحب والمنافسة تشتد
وتنظر كبرى شركات التوزيع الإسبانية بإيجابية إلى هذه الخطوة. فبالنسبة إلى قطاع التجزئة، لا يتعلق الأمر فقط بتوفير وسيلة دفع إضافية، بل أيضاً بتقليل الوقت والاحتكاك في عملية الشراء، وهي مسألة حيوية في عالم التجارة الحديثة. فكلما كانت عملية الدفع أسرع وأسهل، ارتفعت احتمالات إتمام عمليات البيع وتحسنت تجربة المستهلك. وتشير تقديرات قطاع التجارة الإلكترونية في إسبانيا إلى أن "بيزوم" تستحوذ بالفعل على ما بين 20% و30% من وسائل الدفع المستخدمة في بعض المتاجر الإلكترونية، ما يجعلها ثاني أكثر وسيلة دفع استخداماً بعد البطاقات التقليدية، وهو ما يعزز التوقعات بإمكانية انتقال هذا النجاح إلى قطاع المدفوعات الحضورية.
ورغم ذلك، لا يبدو نجاح المشروع مضموناً بالكامل، إذ تواجه "بيزوم" تحدياً رئيسياً يتمثل بتغيير العادات الاستهلاكية الراسخة. فالمستخدم الإسباني اعتاد خلال السنوات الأخيرة استخدام المنصة لتحويل الأموال بين الأفراد، لكن إدخالها إلى المدفوعات اليومية داخل المتاجر يتطلب منافسة مباشرة مع بطاقات الدفع التقليدية والمحافظ الرقمية العالمية التي أصبحت جزءاً من الحياة اليومية للمستهلكين. كذلك إن المنافسة لا تتعلق فقط بسهولة الاستخدام، بل أيضاً بالسيطرة على بيانات المدفوعات وسلوك المستهلكين. فشركات التكنولوجيا العالمية مثل "آبل" و"غوغل" تنظر إلى أنظمة الدفع باعتبارها بوابة استراتيجية للهيمنة على الاقتصاد الرقمي، بينما ترى البنوك الأوروبية في "بيزوم" فرصة لاستعادة جزء من النفوذ الذي فقدته لمصلحة شركات التكنولوجيا المالية خلال العقد الأخير. ومن الناحية التنظيمية، تتماشى هذه الخطوة مع التوجه الأوروبي نحو تعزيز أنظمة الدفع الفورية وتقليل الاعتماد على الشبكات الأميركية.
ويعتبر بعض الخبراء أن "بيزوم" قد تتحول مستقبلاً إلى نموذج أوروبي بديل لأنظمة الدفع العالمية، خصوصاً إذا نجحت في التوسع خارج السوق الإسبانية أو الاندماج مع مبادرات أوروبية مماثلة. وفي المقابل، يعتمد نجاح الخطة على قدرة البنوك على تنفيذ الانتشار بسرعة وفعالية. فعملية الإطلاق ستكون تدريجية، مع منح كل بنك حرية تحديد توقيت تفعيل الخدمة للعملاء والمتاجر. وتتوقع مصادر مصرفية في إسبانيا أن يحصل معظم المستخدمين على الخدمة قبل الصيف، بينما تشير تقديرات "بيزوم" إلى أن التغطية الكاملة ستتحقق بحلول نهاية العام الجاري. وتعكس هذه الخطوة تحولاً أعمق في بنية الاقتصاد الرقمي الإسباني، حيث لم تعد المدفوعات الإلكترونية مجرد وسيلة تقنية، بل أصبحت ساحة تنافس استراتيجي بين البنوك وشركات التكنولوجيا وشبكات البطاقات العالمية. وإذا نجحت "بيزوم" في فرض نفسها داخل المتاجر كما فعلت في التحويلات الشخصية، فإنها قد تتحول من تطبيق لتقاسم فاتورة العشاء بين الأصدقاء إلى أحد أهم أعمدة البنية المالية اليومية في إسبانيا.

Related News
المصريون يحتفلون بالعيد في الشواطئ والحدائق
aawsat
10 minutes ago
إسرائيل ترسخ استيلاءها على الضفة الغربية بـ«سجل الأراضي»
aawsat
10 minutes ago