تاريخ الدموع والبكاء
Arab
22 hours ago
share
ثمّة شعوب تكتب تاريخها بالحروب، وشعوب تكتبه بالمعاهدات، أما نحن، فأظنّ أنّنا كتبناه بالدموع. ولو جلس مؤرّخ حقيقي، لا ليُحصي عدد الملوك والمعارك، بل ليُحصي عدد الأمهات اللواتي بكين في هذه المنطقة من العالم، لاكتشف أنّ الشرق كلّه عبارة عن نهر طويل من الحزن، يبدأ من سومر ولا ينتهي عند السويداء. الدموع ليست تفصيلاً عاطفياً كما يظنّ البعض، إنّها أقدم وثيقة إنسانية. قبل أن يخترع الانسان الكتابة، كان يبكي. وقبل أن يتعلّم كيف يسمّي الأشياء، كان يعرف أنّ الفقد يخرج من العين. حتى العلم الحديث، بكلّ بروده، وقف مُرتبكاً أمام هذه الظاهرة: لماذا يبكي الإنسان حين يحزن؟ ولماذا يبكي أيضاً حين يفرح؟ ولماذا يشعر، بعد البكاء، كما لو أنّه نجا قليلاً من نفسه؟ الأطباء يقولون إنّ دموع الحزن تحمل مواد كيميائية تختلف عن دموع تنظيف العين، كأنّ الجسد يحاول أن يُخفّف سموم الألم بإخراجها. لكن هذا التفسير، رغم دقّته، يبدو ناقصاً أمام امرأة تبكي ابنها، ناقصاً أمام وطن يبكي شبابه، ناقصاً أمام تلك الرعشة التي تصيب الصوت حين ينكسر القلب فجأة. الشرق كلّه عبارة عن نهر طويل من الحزن، يبدأ من سومر ولا ينتهي عند السويداء حتى الحيوانات تعرف الحزن. فالفيلة تعود إلى عظام موتاها بعد سنوات، تتحسّسها بخراطيمها بصمتٍ مهيب. الحيتان تحمل صغارها الميتة فوق الماء أيّاماً، كأنّ الأمومة فيها أقوى من قوانين البحر. والشمبانزي يبقى قرب جثة صغيره، يلمسه، يحرسه، يرفض أن يفهم أنّ الجسد الذي كان دافئاً صار بارداً. كأنّ الحزن قانون سرّي للكائنات التي أحبّت بصدق. أمّا الإنسان، فقد حوّل الحزن إلى حضارة كاملة. في سومر، كتبت النساء مراثي المدن المحروقة. تخيّل عظمة الفكرة: مدينة تبكي مدينة. وفي الإغريق، كانت المأساة ضرورة روحية، لأنّ الروح التي لا تبكي تتحوّل بالتدريج إلى معدن صلف. كما إنّ المتصوّفة فهموا البكاء بطريقة أكثر عمقاً، كانوا يرون أنّ القلب حين يمتلئ بالله أو بالفقد، يفيض. ولهذا كانت دموعهم تشبه الاحتراق الداخلي. جلال الدين الرومي كتب مرّة أنّ الروح تبكي لأنّها تتذكّر موطنها الأول، المكان الذي جاءت منه قبل أن تسقط في هذا العالم الثقيل. ربما لهذا أبكي أنا أيضاً. لا على الأشخاص فقط، بل على الموطن الأوّل للروح، على البلاد حين تفقد معناها، على البيوت حين تصبح ذكرى. حين يصبح الحزن أكبر من اللغة، تتحوّل المرأة الى قصيدة مكسورة في طفولتي، كنت أستيقظ على صوت جدتي وهي "تنوح" على ابنتها التي ماتت في ريعان الشباب. والتناويح نوع من أنواع الندب الشعري، ليست بكاءً عادياً. التناويح اختراع نسائي عبقري لمقاومة الموت. حين يصبح الحزن أكبر من اللغة، تتحوّل المرأة الى قصيدة مكسورة. لا تعود تتحدّث، بل تستدعي الغائب كاملاً بالصوت: اسمه، ضحكته، خطواته، فنجانه، القميص الذي كان يعلّقه خلف الباب. تخيّل فجراً في قرية جبلية، والبرد ينام فوق أشجار التين، ثم يخرج صوت امرأة من عمق البيت، صوت لا يشبه الكلام ولا الغناء، بل يشبه قلباً يتشقّق ببطء. كنت أظنّ، وأنا طفلة، أنّ الموتى يعيشون معنا فعلاً، لأنّ جدتي كانت تجعل ابنتها الغائبة أكثر حضوراً من الأحياء. كبرت وفهمت أنّ الامهات لا يبكين فقط من رحلوا، بل يبكين أنفسهن معهم. تبكي الأم النسخة التي كانتها قبل الفقد، تبكي العالم قبل أن ينكسر، تبكي الطمأنينة القديمة، حين كان أولادها يعودون مساءً إلى البيت، وحين كانت الحياة مفهومة وقابلة للتصديق. بيوت كانت تخرج منها رائحة القهوة المرّة والحبق والنعناع، صارت تخرج منها رائحة الرماد واليوم، أفهم كلّ هذا بطريقة موجعة، لأنني أبكي السويداء. أبكيها كما تبكي الأم طفلها الذي تأخّر كثيراً ولم يعد. السويداء لم تعد مجرّد مكان، بل جرح مفتوح في الروح. هناك قرى احترقت حتى صار الليل فيها أسود من العادة. بيوت كانت تخرج منها رائحة القهوة المرّة والحبق والنعناع، صارت تخرج منها رائحة الرماد. شبابيك كانت النساء يفتحنها صباحاً للشمس، صارت مفتوحة للفراغ. وأصوات كانت تملأ الحارات، اختفت فجأة، كأنّ أحداً أطفأ الحياة بيده. في الأعياد القديمة، كانت القرى تشبه صينية قمح كبيرة تحت الشمس. الرجال يعطرون الصباح برائحة الهيل والقهوة المرّة، والنساء يخبزن، يضحكن، ويدور المعك بين البيوت وقطفة النعناع والحبق تختبئ تحت تنورة العربي، تدور بين أيديهن مثل شمس صغيرة من الحبّ والدفء. كان كلّ شيء بسيطاً إلى درجة لا ننتبه لمعجزته، ثم جاء الخراب في يوليو/تموز مع اقتحام الأمن والعشائر مدينة السويداء. وفجأة صار الناس يبكون البيوت كما يبكون البشر، يبكون الجدران التي حفظت ضحكاتهم، يبكون الأشجار التي شهدت طفولتهم، يبكون الطريق التي كان أولادهم يعودون منها مساء. وثمّة شيء لا يحتمله العقل في فكرة أن تبقى الجثث بلا دفن. كأنّ الموت نفسه يصبح ناقص الكرامة. أخاف من الناس الذين لا يبكون، من الذين يشاهدون الجثث والقرى المحترقة بوجوه ثابتة الأم لا تريد معجزة حين يموت ابنها، تريد فقط أن تضمّه للمرّة الأخيرة، أن تغلق عينيه، أن تبكيه فوق التراب. لكن حتى هذا صار مستحيلاً أحياناً. وهنا يصبح الحزن أكبر من الاحتمال البشري. اليوم كنت، أنا وابنتي، في الكويت نجري اتصالاً مع أمي في ألمانيا. قالت ابنتي: اقترب العيد. وفجأة انهالت دموعنا نحن الثلاثة. لم يكن بكاءً عادياً. كان شيئاً يشبه انهيار وطن داخل ثلاث نساء. كنا نبكي السويداء التي نعرفها: السويداء التي كانت مليئة برائحة العنب والتبغ والقمح. كنا نبكي البلاد التي صارت بعيدة حتى وهي تسكن دمنا. أمّا ابنتي، فكانت تبكي، ربّما ذلك الحزن الوراثي الذي ينتقل بين النساء مثل لون العيون. في داخلي، خراب كامل لا يراه أحد. أبكي وطناً صار يباساً، حلماً، وغياباً طويلاً، أبكي البلاد التي تحوّلت من حضن إلى ذاكرة مؤلمة. أبكي فكرة العودة نفسها، كأنّها أسطورة اخترعها المنفيون كي يستطيعوا النوم. ولهذا أخاف من الناس الذين لا يبكون، من الذين يشاهدون الجثث والقرى المحترقة بوجوه ثابتة، من الذين اعتادوا الفقد حتى صار جزءاً من يومهم. ليست القسوة الحقيقية في كثرة الدموع، بل في أن ترى كلّ هذا الخراب، ثم لا تنكسر روحك قليلاً.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows