Arab
مرّة أخرى، تتوقف قافلة الصمود البرّية عند حدود مناطق نفوذ اللواء المتقاعد خليفة حفتر في ليبيا. لم يكن الأمر مفاجئاً؛ لأن التجارب الماضية كشفت عن توجّه ثابت لدى المليشيات المسيطرة على الشرق الليبي لمنع أي قافلة تحاول العبور إلى مصر باتجاه غزّة. ويطرح هذا المنع المتكرّر السؤال: لماذا تمنع الأنظمة القوافل وتصرّ على تعطيلها، رغم التضامن الواسع الذي تبديه الشعوب؟
لقد تجلى التضامن الدولي مع فلسطين في السنوات الأخيرة من خلال مشاركة النشطاء في جهود الحماية المدنية وتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان في الأراضي المحتلة. وتستضيف منظّمات حقوقية فلسطينية وغيرها متطوعين من أوروبا وأميركا وآسيا لدعم المجتمعات الفلسطينية المهدّدة، ومراقبة العمليات العسكرية، ونقل شهادات الفلسطينيين إلى العالم الخارجي. إلّا أن وضعهم بالغ الخطورة: فالكيان الصهيوني انتقل إلى مرحلة الحصار الكامل للشعب الفلسطيني في غزّة. ومن هنا جاءت فكرة تنظيم قوافل وأساطيل الصمود للفت أنظار العالم إلى بشاعة ما يعانيه أهل غزّة من قمع وحصار في مواصلة صامتة لحملة الإبادة الجماعية التي كانت بدايتها حرباً متواصلة سنة ونصف السنة من دون هوادة.
تعلم إسرائيل، أنها خسرت معركة الرأي العام، ولا سيّما بفضل شهادات الصحافيين الفلسطينيين، الذين دفع مئاتٌ منهم حياتهم ثمناً لوجودهم ليشهدوا على جرائم المحتل، ووظفت موارد هائلة لإسكات أولئك الذين يدينونها، محلياً ودولياً، ومن هنا يمكن فهم السياسات الصهيونية المستمرّة في منع قوافل المتضامنين مع غزّة لأن الاحتلال يرفض وجود شهود على جريمته.
رغم هذه العقبات، يستمر الحراك العابر للحدود في التبلور. ويعتمد على شبكات الناشطين والنقابات والمجتمعات المحلية، فضلاً عن الانتشار الواسع للمعلومات عبر وسائل التواصل الاجتماعي. غير أنّ المحيّر قطعاً ليس السلوك الصهيوني المعادي لكل أشكال التضامن مع القضية الفلسطينية، وإنما ما تفعله الأنظمة العربية التي تبدو منخرطة على نحوٍ غير معلنٍ ضمن السياسات الصهيونية.
الحاجة إلى إبداء التضامن مع أهل غزّة إعادة اعتبار لنا نحن هذه الشعوب العربية العاجزة المضطهدة غير القادرة على إبداء رأيها أو حتى التضامن الرمزي مع أشقائها في محنتهم
مع أنّ القضية الفلسطينية بالنسبة للشعوب العربية في المقام الأول "قضية عربية"، وأنّ التضامن مع أهل غزّة ومعاداة الاحتلال ليست من قبيل المزايدات أو المواقف العرَضية لتسجيل موقف سياسي، إلّا أن من الصحيح أيضاً أنها غالباً ما كانت بمثابة "مصلحة" في العلاقات بين الأنظمة العربية أكثر من كونها "قضية وطنية يجب الدفاع عنها بكل قوة". فمنذ 1948، استغلت الأنظمة العربية القضية الفلسطينية في نوع من التنافس الانتهازي، إذ ظهر الدفاع عن القضية الفلسطينية أداة لتحقيق الشرعية السياسية، أو الزعامة الإقليمية، أو وسيلة لصرف الأنظار عن المشكلات الداخلية، مع الحرص الواضح على منع الشعوب من إبداء تضامنها خارج المسالك الرسمية التي تحدّدها الأنظمة وفق مصالحها وما يخدم علاقاتها الدولية.
ظل التبرير الدائم لدى الأنظمة يقوم على منطق أنّ الأجهزة الرسمية مثل الهلال الأحمر هي التي تتولى تسليم مواد الإغاثة، فالنظام الرسمي العربي يصرّ على حصر القضية في جانبها الإغاثي وتحطيم كل أواصر الترابط القومي بين الشعوب العربية، ولأن قوافل الصمود الغاية منها ليست مجرّد إيصال بعض الإعانات الإنسانية (على أهميتها لا تكفي لتلبية احتياجات أهل القطاع ليوم واحد)، لكن الأمر يتعلق برمزية العمل التضامني وبكسر الحصار على شعبٍ جريح مظلوم جرى قصفه سنة ونصف السنة من دون هوادة، وجرى التفكير جدّياً في تهجير أهله، وجرى اقتراح ريفييرا جديدة لتحلّ محلّ القطاع المقاوم في إحدى لوثات رئيس الدولة الأقوى، لكن كل هذه المشاريع تحطّمت على صخرة صمود الشعب الفلسطيني في غزّة.
الحاجة إلى إبداء التضامن مع أهل غزّة إعادة اعتبار لنا نحن هذه الشعوب العربية العاجزة المضطهدة غير القادرة على إبداء رأيها أو حتى التضامن الرمزي مع أشقائها في محنتهم. وإعادة بناء لما تفكّك من أواصر الوحدة القومية في ظل تصاعد النزعات الانفصالية والطائفية والهويات الضيقة المتعصبة التي يغذّيها الكيان الصهيوني خدمة لمشروعه الاستيطاني وحلمه في الوصول إلى ما يسمّيها "إسرائيل الكبرى".
يحتاج النضال من أجل العدالة في فلسطين هذا التضامن المباشر ليستمر ويتعزّز، فالضغط الخارجي المباشر على إسرائيل يُسهم في تخفيف قبضتها وإرساء توازن حقيقي للقوى في وقتٍ يحتاج فيه الشعب الفلسطيني هذا بشدة لمواجهة الاحتلال وتحتاجه الشعوب العربية لتجاوز شعورها بالخيبة، فيما ترفضه الأنظمة السلطوية التي تقمع كل محاولة للتحرّر من الهيمنة.

Related News
فتح مرحلة ثانية لبيع تذاكر أولمبياد 2028
aawsat
4 minutes ago
مسلح يقتل والديه وشقيقه بمدينة ديترويت الأميركية
aawsat
7 minutes ago