Arab
أصدر البابا لاوون الرابع عشر، اليوم الاثنين، أول رسالة بابوية (Encyclical) في حبريته، حملت عنوان "ماجنيفيكا هيومانيتاس" (Magnifica Humanitas)، أي "الإنسانية العظيمة"، مقدماً دفاعاً واسعاً عن الكرامة الإنسانية في عصر الذكاء الاصطناعي ومحذراً من أن هذه التكنولوجيا قد تؤدي إلى تعميق الفوارق الاجتماعية والفقر إذا لم تُوضع لها ضوابط أخلاقية وقانونية واضحة.
وتُعد الرسالة البابوية من أعلى أشكال الوثائق الصادرة عن الفاتيكان، وتمثل أهم نص يصدره البابا. وفيها يصف البابا لاوون الرابع عشر الذكاء الاصطناعي بأنه محرك "ثورة صناعية معرفية" جديدة بدأت بالفعل في تغيير أساليب العمل والحياة والترفيه والعلاقات الإنسانية وحتى الحروب.
وتحمل الرسالة تاريخ توقيع 15 مايو/أيار 2026، رغم إعلانها رسمياً في 25 مايو/أيار، في إشارة مقصودة إلى رسالة "ريروم نوفاروم" (Rerum Novarum) التي أصدرها البابا لاوون الثالث عشر في 15 مايو 1891. وتُعد تلك الوثيقة من أبرز النصوص المؤسسة للتعليم الاجتماعي الكاثوليكي، إذ تناولت حقوق العمال والعدالة الاجتماعية في خضم الثورة الصناعية. وبذلك يربط البابا لاوون الرابع عشر بين تحديات القرن التاسع عشر وتحديات الذكاء الاصطناعي في القرن الحادي والعشرين.
وتُرسي الوثيقة ملامح مبكرة لحبرية البابا لاوون، إذ ترفع قضية أخلاقيات الذكاء الاصطناعي إلى مستوى الأولوية الدينية، على نحو يشبه ما فعله البابا فرنسيس عندما جعل مكافحة تغير المناخ محوراً أساسياً في رسالته "لاوداتو سي" (Laudato Si').
تحذير من هيمنة الشركات التقنية
ودعا البابا، المولود في الولايات المتحدة الأميركية والحاصل على شهادة في الرياضيات من جامعة فيلانوفا، إلى تبني ضوابط صارمة لتنظيم الذكاء الاصطناعي، محذراً من انتقال السيطرة على الفضاء الرقمي للبشرية من الحكومات إلى شركات التكنولوجيا العملاقة في وادي السيليكون.
وكتب في الوثيقة: "يميل الذكاء الاصطناعي، كما هي الحال مع كل تحول تكنولوجي كبير، إلى تعزيز قوة من يملكون الموارد الاقتصادية والخبرة وإمكانية الوصول إلى البيانات". وأضاف أن ذلك يثير "مخاوف جدية" بشأن العدالة الاجتماعية والتضامن بين الشعوب. ورأى أن تركيز الموارد الحاسوبية الضخمة في أيدي عدد محدود من الشركات والمليارديرات قد يؤدي إلى توزيع غير عادل لمنافع الذكاء الاصطناعي وأضراره، فضلاً عن زيادة الأعباء البيئية الناجمة عن مراكز البيانات كثيفة الاستهلاك للطاقة.
رسالة تتجاوز التكنولوجيا
ولم تقتصر الرسالة على الذكاء الاصطناعي، بل تضمنت دفاعاً قوياً عن السلام وانتقاداً للحروب، محذرةً من أن الذكاء الاصطناعي يجعل الحروب أكثر "لاشخصية"، في وقت بدأت فيه جيوش عدة استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في عمليات الاستهداف والاغتيال. وانتقد البابا النزعات السياسية التي ترفض العمل متعدد الأطراف والمؤسسات الدولية، داعياً إلى قيادة تقوم على التواضع والاعتماد على الحقائق والعلم بدلاً من السعي وراء القوة المطلقة.
كما شدد على أن التحدي الروحي الأكبر اليوم يتمثل في "نزع الإنسانية عن الإنسان"، عبر اختزاله إلى بيانات وأداء وإنتاجية فقط. وأضاف: "بناء الخير العام يعني قبول حدود الإنسان وضعفه، وعدم اعتبارهما خطأً يجب تصحيحه".
وفي أعقاب الهجمات اللفظية التي شنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب على البابا لاوون الرابع عشر، رأى بعض المراقبين أن أجزاءً من الفصل المخصص لمناقشة طبيعة السلطة الحديثة في الرسالة البابوية قد تُقرأ بوصفها انتقاداً للبيت الأبيض، خصوصاً عندما جدّد البابا تأكيده أن الدين لا يمكن أن يكون مبرراً للحروب. واعتبر آخرون أن هذه العبارات قد تنطبق أيضاً على جيوش عدة، من بينها الجيش الإسرائيلي والقوات المسلحة الأوكرانية، في ظل تزايد استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في عمليات الاستهداف والقصف والاغتيال.
غير أن عدداً من الخبراء حذّروا من اختزال الرسالة البابوية في إطار خلاف سياسي بين البابا والرئيس الأميركي، مؤكدين أن الوثيقة، الصادرة عن زعيم نحو 1.4 مليار كاثوليكي، صيغت لتُقرأ وتُفسَّر على مدى أجيال، وتتناول قضايا تتجاوز بكثير أي سجال سياسي آني.
الفاتيكان وشركات الذكاء الاصطناعي
وأثار تقديم الوثيقة جدلاً بعدما شارك البابا شخصياً في جلسة إطلاقها داخل الفاتيكان في خطوة غير مسبوقة، إلى جانب عدد من اللاهوتيين وكريستوفر أولاه، المؤسس المشارك لشركة أنثروبيك (Anthropic) المتخصصة في الذكاء الاصطناعي.
ودفع ذلك بعض المنتقدين إلى التساؤل عما إذا كان الفاتيكان يمنح شركات الذكاء الاصطناعي قدراً من الشرعية الأخلاقية، في وقت تحذر فيه الوثيقة نفسها من مخاطر هيمنة هذه الشركات. لكن مسؤولين في الفاتيكان أكدوا أن الحوار مع مطوري التكنولوجيا ضروري، وأن تحمل المسؤولية الأخلاقية عن هذه التقنيات يتطلب إشراك من يصنعونها.
وفي ختام رسالته، شدد على أن الذكاء الاصطناعي مهما بلغ من التطور لن يتمكن من تعويض الجوانب الإنسانية الأساسية. وكتب: "لا يمكن لأي نظام حاسوبي، مهما بلغت درجة تطوره، أن يخلق قلباً يهب نفسه للآخرين، أو ضميراً يميز بين الخير والشر".
وتُعد هذه الرسالة من أوضح المواقف الدينية العالمية حتى الآن بشأن الذكاء الاصطناعي، وتؤكد سعي البابا لاوون الرابع عشر إلى جعل أخلاقيات التكنولوجيا والكرامة الإنسانية من أبرز القضايا في حبريته.

Related News
المصريون يحتفلون بالعيد في الشواطئ والحدائق
aawsat
6 minutes ago
11 طعاماً تحتوي على بروتين أكثر من البيض
aawsat
8 minutes ago