دعم فقراء تونس في عيد الأضحى: تضامن يصطدم بالغلاء وشحّ التمويل
Arab
2 days ago
share
سنوياً، تنشط في تونس عشرات المبادرات الخيرية مع اقتراب عيد الأضحى، والهدف مساندة العائلات الفقيرة عبر توفير الأضاحي أو الطرود الغذائية لها، لكنّ الأمر يختلف اليوم. فالحملات الإنسانية تواجه في هذا العام صعوبات متزايدة بسبب تراجع التبرّعات وارتفاع الأسعار في البلاد، إلى جانب ما تصفه جمعيات بأنّه "تضييق إداري" أثّر على قدرتها على التحرّك وجمع التمويل اللازم لذلك. وفي هذا الإطار، بدأت جمعيات عديدة تنشط في أحياء شعبية بالعاصمة تونس وبمدن الداخل، فأطلقت حملات تبرّع عبر مواقع التواصل الاجتماعي، إنّما بحجم أقلّ بكثير مقارنة بالسنوات الماضية. وتقول الناشطة التونسية ألفة الباجي، التي تشرف على مبادرة لتوزيع مساعدات غذائية في ولاية باجة (شمال غرب)، إنّ عدد المتبرّعين تراجع بصورة واضحة في هذا العام. وتوضح لـ"العربي الجديد": "كنّا نجمع في السابق ما يكفي لإعداد عشرات السلال الغذائية وشراء الأضاحي لفائدة العائلات المتعفّفة أو التي تضمّ أيتاماً. أمّا اليوم، فصار متبرّعون كثيرون بأنفسهم يواجهون صعوبات معيشية". وتوضح أنّ "ارتفاع أسعار المواد الغذائية واللحوم أثّر مباشرة على تكلفة المبادرات الخيرية، إذ تضاعفت تقريباً كلفة مساعدات عدّة مقارنة بما كانت عليه قبل سنوات". وتشهد تونس منذ أعوام موجات تضخّم متتالية أضعفت القدرة الشرائية لعائلاتها، خصوصاً مع ارتفاع أسعار المواد الأساسية وتكاليف النقل والطاقة، الأمر الذي جعل حتى الطبقة الوسطى أكثر حذراً في الإنفاق والتبرّع. في هذا السياق، تقول الشابة التونسية هاجر النصري، المتطوّعة في جمعية تنشط بضواحي تونس العاصمة، إنّ المبادرات الخيرية صارت تعتمد أكثر على التبرّعات الصغيرة بعد تراجع مساهمات المموّلين التقليديين الكبار. تضيف لـ"العربي الجديد": "في السابق، كنّا نحصل على دعم من مؤسسات أو تجّار بالجملة، لكنّ الأزمة الاقتصادية أثّرت على الجميع". ولا تقتصر الصعوبات في تونس على الجانب المالي فحسب، إذ تشير جمعيات وكذلك ناشطون إلى تعقيدات إدارية متزايدة أثّرت على عمل المجتمع المدني خلال الفترة الأخيرة. فالسلطات التونسية عمدت في العامَين الماضيَين إلى تشديد الرقابة على الجمعيات والتمويل الأجنبي، بالإضافة إلى تعليق نشاط عدد من الجمعيات أو إخضاعها لمراقبة مالية وإدارية مشدّدة، من ضمن توجّه رسمي يهدف إلى حصر مصادر التمويل. ويرى مراقبون وناشطون مدنيون أنّ هذه الإجراءات انعكست سلباً على العمل الاجتماعي، خصوصاً بالنسبة إلى الجمعيات الصغيرة التي تعتمد على التبرّعات الموسمية. وتقول النصري إنّ "ثمّة جمعيات صارت تخشى تنظيم حملات واسعة حتى لا تواجه تعقيدات إدارية أو رقابية". تضيف أنّه "حتى فتح حسابات لجمع التبرّعات أو تنظيم حملات في الفضاء العام صار أكثر تعقيداً من السابق". وكان آخر تقارير الهيئة العليا للرقابة الإدارية والمالية (حكومية) في تونس، الصادر في عام 2023، قد بيّن أنّ السلطات القضائية علّقت نشاط 182 جمعية من بين 272 جرى إخطارها بذلك، كذلك حُلّت 69 جمعية بسبب شبهات تمويل. وفي عام 2024، أعلنت الإدارة العامة للجمعيات في رئاسة الحكومة التونسية أنّ 481 جمعية طلبت حلّ نفسها. وأفادت المكلّفة بتسيير الإدارة فاتن السويسي، في تصريحات إعلامية حينها، بأنّ الإدارة "أحالت ملفات 286 جمعية مشبوهة إلى القضاء". وعلى الرغم من كلّ الصعوبات، لا تزال مبادرات التضامن في تونس تحافظ على حضورها، خصوصاً في المناطق الفقيرة والأحياء الشعبية، مع العلم أنّ عائلات كثيرة تعتمد على هذه الحملات لتأمين جزء من احتياجات العيد. ويقول المواطن التونسي الذي اكتفى بالتعريف عن نفسه باسم محمد، وهو عامل مياوم وأب لثلاثة أطفال، إنّ "المساعدات الخيرية تمثّل أملاً حقيقياً لعدد كبير من العائلات". يضيف لـ"العربي الجديد" أنّ "كثيرين هم التونسيون الذين لم يعودوا قادرين على شراء الأضاحي أو اللحوم، وثمّة عائلات تنتظر طرود المساعدة حتى تتمكّن من الاحتفال بالعيد". تجدر الإشارة إلى أنّ المناسبات الدينية الاحتفالية تزيد من الضغوط الاجتماعية على عائلات تونس محدودة الدخل، في مجتمع ما زالت فيه الأعياد مرتبطة بطقوس جماعية مترسّخة، ويشمل ذلك الملابس الجديدة واللحوم والحلويات وزيارات الأقارب وغيرها. من جهته، يُعَدّ العمل الخيري في تونس تاريخياً صمام أمان الفئات الهشّة في المناسبات الدينية والأزمات الاقتصادية، غير أنّه صار أكثر تأثّراً بتراجع الطبقة الوسطى وتوسّع الفقر.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows