Arab
أحال مجلس الوزراء الأردني، أمس الأحد، مشروع قانون الإدارة المحلية إلى مجلس النواب، تمهيداً للسير في إجراءات إقراره وفق الأصول الدستورية، ضمن مسار تحديث المنظومة السياسية والإدارية، وتعزيز اللامركزية والحوكمة المحلية، وحتى الآن، لم يُعلن رسمياً عن موعد بدء البرلمان مناقشة المشروع بعد انتهاء الدورة العادية لمجلس النواب، في وقت تُرجّح فيه التقديرات عقد دورة استثنائية خلال يوليو/ تموز المقبل، لبحث عدد من مشاريع القوانين، بينها مشروع الإدارة المحلية، في ظل مخاوف من تعزيز الإدارة التنفيذية المعيّنة على حساب المجالس المنتخبة، والمختارة مباشرة من المواطنين.
ويأتي المشروع بعد قرار الحكومة، في يوليو 2025، حلّ المجالس البلدية ومجالس المحافظات ومجلس أمانة عمّان الكبرى، ضمن خطة لتحديث تشريعات الإدارة المحلية، وتعيين لجان مؤقتة لإدارة أعمال المجالس المنحلة. وقالت الحكومة، إن مشروع القانون يأتي انسجاماً مع مخرجات اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية، ورؤية التحديث الاقتصادي، وخريطة طريق تحديث القطاع العام، مشيرة إلى أن مشروع القانون خضع لسلسلة حوارات موسعة مع كتل نيابية وأعضاء في مجلسي النواب والأعيان، ووزراء بلديات سابقين، وخبراء، وممثلين عن قطاعات معنية.
ويركز المشروع، بحسب الحكومة، على تعزيز حوكمة قطاع الإدارة المحلية، وربطه بالتنمية الاقتصادية، وتوسيع المشاركة المجتمعية، وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين، إضافة إلى نقل البلديات من الدور الخدمي التقليدي إلى أدوار تنموية واستثمارية أكثر فاعلية. ويتضمن المشروع تحديداً للصلاحيات بين المجلس البلدي، باعتباره جهة رسم السياسات واتخاذ القرار، والجهاز التنفيذي والإداري، باعتباره جهة التنفيذ، بما يعزز المساءلة ويمنع التداخل في الاختصاصات.
ونص مشروع القانون على الانتخاب المباشر والسري لرئيس البلدية وأعضاء المجلس البلدي، وإلزامية تعيين مدير تنفيذي للبلدية لقيادة الجهاز الإداري والتنفيذي، أما في ما يتعلق بمجالس المحافظات، فنصّ المشروع على إعادة تشكيلها من ممثلي الهيئات المنتخبة في المحافظات، مثل النقابات، وغرف التجارة والصناعة، واتحادات المرأة والمزارعين، بدلاً من الانتخاب المباشر. وأعلنت الحكومة أنها ستعدّل أكثر من 20 نظاماً مرتبطاً بالقانون، بعد إقراره نهائياً.
وتعليقاً على مشروع القانون، يقول الأمين العام لحزب التغيير الدكتور فوزان البقور، لـ"العربي الجديد"، إن "مشروع قانون للإدارة المحلية يجب أن يكون جزءاً من مسار التحديث السياسي الحقيقي، لا أن يتحول إلى خطوة تعيد إنتاج المركزية، بصيغة جديدة، وللأسف الصيغة التي أُحيل بها مشروع القانون إلى مجلس النواب تثير العديد من الملاحظات الجوهرية، خصوصاً في ما يتعلق بتقليص دور المجالس المنتخبة، وتوسيع صلاحيات المعيّن على حساب المنتخب، إضافة إلى إضعاف الدور السياسي والحزبي في الإدارة المحلية، وهو ما يتناقض مع جوهر مشروع التحديث السياسي الذي تحدثت عنه الدولة خلال السنوات الماضية، وما زالت تتحدث عنه".
ويرى أن "إلغاء أو إضعاف الانتخاب المباشر لمجالس المحافظات، وتقليص الاستقلال المالي والإداري، يعيدنا عملياً إلى مركزية القرار، بدلاً من تعزيز اللامركزية، وتمكين المحافظات من إدارة أولوياتها التنموية والخدمية"، ثم مضى قائلاً: "نحن لا نختلف مع الحكومة حول أهمية رفع كفاءة البلديات، وضبط الإنفاق، وتحسين الخدمات، لكن الإصلاح الإداري لا يجب أن يكون على حساب المشاركة الشعبية والتمثيل السياسي الحقيقي، لأن نجاح الإدارة المحلية يرتبط بوجود مجالس محافظات منتخبة تمتلك صلاحيات حقيقية، وليست شكلية تعبّر عن الديمقراطية شكلاً وموضوعاً".
ويضيف: "كما أن ما يثير الاستغراب، هو إطلاق وزير الإدارة المحلية وليد المصري قبل أيام فقط، لما سُمّي بـ"الحوار الوطني" حول مشروع القانون، وحديثه عن لقاءات مرتقبة مع الأحزاب السياسية بعد مؤسسات المجتمع المدني والقوى الشعبية، وبعض النخب السياسية، للاستماع إلى الملاحظات والآراء، ثم نفاجأ بعد أيام قليلة بإحالة مشروع القانون إلى مجلس النواب بهذه السرعة، الأمر الذي يطرح تساؤلات مشروعة حول جدية هذا الحوار وجدواه، وما إذا كانت مخرجاته وآراء القوى السياسية والمجتمعية أُخذت بعين الاعتبار فعلاً قبل اتخاذ القرار بإحالة المشروع".
ويشير البقور إلى أنه "سبق لنا في حزب التغيير أن عبّرنا بوضوح عن رفضنا لتجاهل الأحزاب السياسية في مشروع القانون، واعتبرنا أن استمرار هذا النهج قد يدفع باتجاه مقاطعة الانتخابات المحلية المقبلة، إذا بقيت القوانين بصيغتها التي تهمّش الحياة الحزبية، وتفرغ المجالس من دورها السياسي والرقابي الحقيقي".
بدوره، يرى أستاذ القانون الإداري والدستوري حمدي قبيلات، في حديث مع "العربي الجديد"، أن مشروع قانون الإدارة المحلية يأتي ضمن سلسلة من الإصلاحات التشريعية، استكمالاً لتنفيذ مخرجات لجنة تحديث المنظومة السياسية، والهادفة لتعزيز الممارسة الديمقراطية، وتعزيز المشاركة الشعبية في صنع القرار على المستوى المحلي، إلا أن المتمعن في هذا المشروع، يجد أنه يشكل تراجعاً عن النهج الديمقراطي المحلي الذي تبنته القوانين السابقة".
ويلفت إلى أن "فكرة اللامركزية على المستوى المحلي ممثلة بمجالس المحافظات بدأت بانتخاب كامل لأعضاء مجالس المحافظات وفقاً لقانون اللامركزية رقم (49) لسنة 2015، ثم جاء قانون الإدارة المحلية رقم (22) لسنة 2021، ليتراجع جزئياً عن النهج الديمقراطي، من خلال قصر الانتخاب المباشر على جزء من أعضاء مجالس المحافظات، وتعيين الجزء الآخر من ممثلي هيئات منتخبة من هيئاتها العامة ضمن المحافظة، إلا أن مشروع القانون الحالي تراجع كلياً عن فكرة الانتخاب المباشر، واكتفى بتعيين ممثلي جهات منتخبة ضمن المحافظة، كالنقابات، وغرف الصناعة والتجارة وغيرها". وتابع قائلاً: "ولعل هذا من ضمن أسباب ما أسماه المصري عدم حماسة المواطنين للانتخابات المحلية؛ لأنهم لم يعدوا يثقون بجدية النهج الديمقراطي على المستوى المحلية، ولقناعتهم بعدم قدرتهم على إيصال ممثلين حقيقين لمواقع صنع القرار على المستوى المحلي".
ويشير قبيلات إلى أنه لا يمكن التسليم بفشل المجالس السابقة، سواء المحافظات أو البلديات، لضعف إداراتها فقط كما يُروّج لذلك، لأن الضعف كان في الأدوات التي تملكها المجالس المحلية وعدم استقلالها حقيقة، خاصة في الجانب المالي، لا سيما مجالس المحافظات، التي لم تخرج عن فكرة المجالس الاستشارية التي كانت تتبع للمحافظ وفقاً لنظام التشكيلات الإدارية، في ظل هيمنة واضحة من السلطة المركزية ممثلة بالمجلس التنفيذي في إدارة شؤون المحافظة، وفي الوقت الذي كان يستهدف فيه هذا المشروع تعزيز مجالس الإدارة المحلية في الجانب الإداري، وتسويقها كنموذج للمشاركة السياسية، إلا أن القراءة المتأنية للمشروع تقول إننا خسرنا البعد الديمقراطي في الإدارة المحلية، ولم نكسب جانب الكفاءة في هذه المجالس.
ويرى قبيلات أنه يبقى أمام مجلس النواب فرصة لتجويد هذا المشروع، وتفادي الملاحظات التي تنتقص من فكرة اللامركزية والإدارة المحلية، من خلال تغليب جانب الانتخاب المباشر في تشكيل مجالس الإدارة المحلية، وعلى رأسها مجالس المحافظات، ووضع ضوابط تُقيِّد سلطة مجلس الوزراء عند وضع النظام الخاص بآلية تعيين المدير التنفيذي وصلاحياته، بحيث لا تتجاوز حدود كونه عضواً تنفيذياً وليس تقريرياً، ويتبع للمجلس البلدي ورئيسه، ولا يتجاوزهما بأي حال من الأحوال، على أن يلعب المجلس البلدي دوراً رئيساً في تعيينه، وكذلك إعادة النظر باختصاصات مجالس المحافظات، ووسائل ممارستها، بما يكفل استقلال هذه المجالس، وضمان قدرتها على ممارسة مهامها، بعيداً عن هيمنة المجالس التنفيذية عليها.

Related News
المصريون يحتفلون بالعيد في الشواطئ والحدائق
aawsat
6 minutes ago
11 طعاماً تحتوي على بروتين أكثر من البيض
aawsat
8 minutes ago