في مؤتمر حركة فتح وما بعده... هل تنشئ فتح حزبها؟
Arab
2 days ago
share
طويت صفحة مؤتمر حركة فتح الثامن، الذي كان عنوانه "انتخابات جاءت بتسعة وجوه جديدة من أصل 18 في لجنة الحركة المركزية"، بما يعادل نصف الأعضاء. مع تجديد واسع على مستوى المجلس الثوري، جاءت فيه النساء بمراكز متقدمة، تسجل هذه المقالة ملاحظات عدّة حول مخرجات المؤتمر، ونتائجه. كما تطرح المقالة تساؤلات عدّة حول أثر هذا التجديد في فاعلية الحركة، وقدرتها في مواجهة التحديات. الأسئلة التي تطرح أكثر من 2500 عضو مقارنة بحوالي 1400 عضو في المؤتمر السابق الذي عقد عام 2016، مثّلت المؤتمر السابق حوالي 17 لجنة عملت في نقاشات معمقة على مدار خمسة أيام لوضع رؤية فتحاوية حول القضايا المركزية، العلاقة مع السلطة والمنظّمة، الوحدة الوطنية، قطاع غزّة، البرامج الاجتماعية والاقتصادية الحركية، الأسرى، وغيرها. وخرج المؤتمر بخريطة طريق ورؤية واضحة مفادها تفعيل منظّمة التحرير عبر عقد المجلس الوطني، وإنجاز برنامج البناء الوطني وبرنامج العمل الحركي، ومواصلة العمل على التدويل. على العكس من ذلك، اقتصرت أعمال المؤتمر الأخير على ثلاثة أيّام فقط، طغت عليها العملية الانتخابية، من دون نقاش حقيقي وعميق ومنهجي للأسئلة الكبرى الملحة، فيما توسعت قاعدة المشاركين بحضور كتل جديدة وازنة أهمّها الأسرى، وهي كتلة عكست حضورها بالنتيجة، لكن أيضاً حضر سؤال آليات اختيار الأعضاء وقواعده بقوّة في نقاشات الفتحاويين على الفضاء العام قبل المؤتمر وبعده. تسعى فتح من خلال هذه التركيبة إلى ترميم علاقتها بالشارع والجمهور، في الضفّة الغربية وقطاع غزّة، حيث برزت خلال السنوات الماضية، وخصوصاً خلال الانتخابات المحلية الأخيرة، شروخاً واضحةً وفجوةً في العلاقة بين فتح والشارع مع بيانه الختامي، لم يخرج المؤتمر باستجابات وافية للتحديات الراهنة، فرغم الزخم الإعلامي والاهتمام الشعبي بالمؤتمر، بصفته نقطة تجديد للحركة السياسية الوطنية الّتي تمسك بزمام السلطة الوطنية ومنظّمة التحرير، إلّا أن الأسئلة المصيرية الّتي يطرحها الشارع الفلسطيني بقيت معلقة بعد المؤتمر، وأبرزها سؤال أدوات مواجهة الإبادة المستمرة في قطاع غزّة، والاستيطان الإحلالي في الضفّة الغربية، وأدوات مواجهة قضم المؤسسة السياسية، وأسئلة الوحدة الوطنية، وبرنامج الصمود وتمكين الهوية الوطنية الجامعة. تركيبة المؤتمر وإفرازاته إلى جانب كتلة الأسرى الوازنة، ظهرت ظهوراً لافتاً كوادر فتح الميدانية في الضفّة الغربية، وذراع الحركة الطلابية- الشبيبة، والمرأة، بحضور واسع، وذلك على حساب الكادر العتيق في الحركة، الذي أبدى عدد منه غضبه على هذا الاستثناء عبر وسائط التواصل الاجتماعي. عكست التركيبة نفسها على نتائج الانتخابات، فحضر الكادر الميداني والشاب، إلى جانب الأسرى، على حساب الكادر العتيق في الحركة، إذ تراجع حضور قدامى العسكريين، والكادر ذي التجربة الأكبر رغم ترشح أعداد كبيرة منه. أما على مستوى اللجنة المركزية؛ فحضر حضوراً غير مسبوق ثلاثة من ممثلي الأسرى، على رأسهم مروان البرغوثي، الذي حاز على أعلى الأصوات، كما حضر ثلاثة من أصحاب التجربة في العمل العام والميداني، في ما حضر لأوّل مرّة ممثّل عن الشبيبة بعمر 45! إلى جانب ذلك، وفي ظل الجدل حول التوريث والخلافة، اعتبر كثيرون أن حصول نجل الرئيس، ياسر عباس، على الموقع الثامن ضمن 18 عضواً فائزاً بانتخابات اللجنة المركزية، يسقط فرضية التوريث في ظل عدم توقع حيازته على موقع قيادي حاسم في تركيبة الحركة. استنتاجات عامة يحسب لحركة فتح عقد انتخاباتها بالتزامن في أربع مواقع مختلفة، رام الله وغزة وبيروت والقاهرة، وتحسب لها قدرتها على التماسك وترميم صفوفه، رغم مؤشرات الضعف والصدمات والتصدعات كلّها، الّتي أصابتها خلال العقد الماضي. تصاعدت الخشية الفتحاوية من تحول هذه التصدعات إلى انفصال تام في خضم تجربة الانتخابات التشريعية، الّتي كان من المزمع عقدها عام 2021، حين قدمت "اتجاهات" فتح المختلفة قوائم عدّة وازنة، وصفت كل منها بالتيار الذي يسعى إلى الحصول على مساحة سياسية واسعة في الفضاء الفلسطيني، ما قاد لإجراءات فصل طاولت أعضاء وازنين في المجلس الثوري. لكن، وخلال العام الماضي ظهرت خطوات متسارعة للملمة الحالة الفتحاوية، عبر قرارات التراجع عن فصل أعضاء المجلس الثوري ممن عارضوا نهج الحركة الرسمي، وصولاً إلى الانتخابات الحالية. لكن هذه الانتخابات تركت "تيار دحلان" خارج المعادلة تماماً، ما يبقي سؤال هذا التيار مفتوحاً ومراوحاً بين تسوية سياسية كبرى مع الحركة، أو انفصال تام؛ فشلت به تيارات سبقته وخرجت من فتح. لكن ما أفرزت هذه الانتخابات، يطرح سؤالاً أكثر عمقاً حول فتح: هل تسير الحركة نحو تغيير هويتها تغييراً كاملاً؟ وهل يبقى برنامج "البناء الوطني" هو الأساس "برنامج حصري لتحقيق المشروع الوطني"؟ ولعل تركيبة الهيكلان الأعلى في الحركة يشيران إلى ذلك. تسعى فتح من خلال هذه التركيبة إلى ترميم علاقتها بالشارع والجمهور، في الضفّة الغربية وقطاع غزّة، حيث برزت خلال السنوات الماضية، وخصوصاً خلال الانتخابات المحلية الأخيرة، شروخاً واضحةً وفجوةً في العلاقة بين فتح والشارع، بسبب تآكل "التنظيم"، وهو الجسم الوسيط بين فتح الرسمية والمواطن. لكن يأتي هذا المسار التنظيمي في سياق إبادة وإحلال يضع الحركة أمام تحديات أكبر تبقى مطالبة بالإجابة عنها. الأسئلة الكبرى استطاعت الحكومة الإسرائيلية الحالية ضرب السلطة الفلسطينية بمقتل، إذ يحتجز بتسلئيل سموتريتش أموال المقاصة؛ الّتي تمثّل عصب حياة السلطة، منذ عام تقريباً احتجازاً كاملاً، ما انعكس على الاقتصاد والسياسة والمجتمع. فعلى المستوى الاقتصادي، أدى تعطل دفع رواتب الموظفين إلى شلل في الدورة الاقتصادية التي تعطلت مدخلاتها الأخرى، كما تراجعت الخدمات العامة وعلى رأسها الصحة والتعليم، وتوسعت اعتداءات المستوطنين المنظمة والعنيفة توسعاً غير مسبوق، من دون أيّ ردة فعل رسمية، ووسط تجاهل دولي. مع بيانه الختامي، لم يخرج المؤتمر باستجابات وافية للتحديات الراهنة، فرغم الزخم الإعلامي والاهتمام الشعبي بالمؤتمر، بصفته نقطة تجديد للحركة السياسية الوطنية الّتي تمسك بزمام السلطة الوطنية ومنظّمة التحرير أمام هذا الواقع، على فتح الإجابة عن السؤال الذي يتم طرحه مراراً وتجاهله تكراراً: ما علاقة فتح بالسلطة؟ الإجابة عن هذا السؤال بقرار وسياسات واضحة تقود إلى أسئلة أكبر: ما هو برنامج فتح الاقتصادي لتعزيز صمود الفلسطيني على أرضه، ودعم صلابته بمواجهة هذه الاعتداءات؟ وكيف تفكر فتح بالصمود الشامل؟ وما هي خططها لدعم الخدمات ومواجهة سياسات الإحلال والاقتلاع؟ أما السؤال الأهم فهو: هل يمكن أن تفضي هذه الانتخابات، والتي وازتها تجربة مماثلة- وإن كانت غير علنية- في حركة حماس، إلى وحدة وطنية حول برنامج وأدوات جمعية؟ فقد استطاعت فتح عبر انتخاباتها، وما سبقها من انتخابات محلية، تأكيد وحدة الضفّة الغربية وقطاع غزّة نظرياً، لكن الوحدة العملية بحاجة إلى نقاشات أعمق في مرحلة يعتبر هامش المناورة الفلسطيني فيها الأضيق على الإطلاق. الإجابة عن هذه الأسئلة تتطلّب من القيادة الجديدة ورشة عمل عاجلة ومفتوحة، تقوم على إدماج فتحاوي ووطني في نقاش القضايا الكبرى، خصوصا أن هذه الانتخابات تأتي، سياسياً، ضمن سلسلة خطوات تتضمن إقرار دستور، وانتخابات مجلس وطني قادمة في نوفمبر/تشرين الثاني، والّتي ستعقد تعريف فتح إن لم تحسم هذه الأسئلة. من المتوقع أن تقوم الحركة خلال الأشهر القادمة بالاقتراب من الشارع بشكل أكبر، وتوسيع حضورها في قطاع غزّة، بالتوازي مع محاولة بناء إطار دبلوماسي استراتيجي، لكن كل هذه الخيارات تبقى محدودة من دون تحقق شرطين: دعم إقليمي حقيقي، وحوار وطني شامل. وليس المقصود هنا أن تعود الحوارات الفتحاوية الحمساوية إلى المناورات السابقة ذاتها، بل المطلوب حوار يجمع كل الفواعل في الداخل والخارج، وهدفه الأساس إعادة لحمة الداخل بالشتات، وتوفير تكافل وطني جمعي، وتوحيد الجهود في بوتقة واحدة. أما على مستوى العلاقة مع السلطة والنظام السياسي بتحولاته، فربما سيكون على فتح، في لحظة ليست بعيدة، إنشاء حزب سياسي يعكس برنامجها سياسياً، كي يصبح جسراً بين فتح الفصيل والنظام السياسي، ومدخلاً للفصل العملي بين السلطة ومنظّمة التحرير، بما يتواءم مع الدستور وقانون الأحزاب إذا أقرّا.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows