النكبة بنية متواصلة يجب تفكيكها
Arab
2 days ago
share
يسعى الخطاب المهيمن إلى تأطير النكبة في أرشيفات الماضي، ليتحول الخامس عشر من مايو/أيّار من كل عام إلى مناسبة تحيي فيها ذكراها، وتروى قصص التهجير واللجوء، وتتحوّل أنقاض القرى المهجرة لمزارات نبكي على أطلالها، ويصبح واجبنا اتجاه النكبة "ألا تنسى". لكن هذا التأطير يمسح الحقيقة الفلسطينية: النكبة ليست ماضياً، ولا ذكرى، بل سيرورة مستمرة تعمل بكل طاقتها، وهي بنية سياسية واقتصادية واجتماعية، بدأت مع بدايات المشروع الصهيوني ولا تزال مستمرة حتّى اليوم، واضعةً نصب عينيها إزالة الفلسطينيين من أرضهم، وإحلال مجتمع بديل عنهم. لذا، لا يمكن اختزال النكبة بحدث، أو تاريخ، بل يجب أن توضع في سياقها الصحيح. أولًا: النكبة عملية إحلال مكاني لم تكن النكبة حدثًا، بل عمليةً تسعى من خلالها الصهيونية إلى إحلال مجتمع يهودي صهيوني بدلًا من الشعب الفلسطيني الأصلي، يستخدم فيها الاستيطان أداة محوٍ، ويسعى إلى إعادة هندسة المكان، وتغيير مجاله الجغرافي والديمغرافي. في هذه الحالة، أصبحت عمليات التهويد والتهجير المستمرة، وتحويل المدن والقرى الفلسطينية إلى جزر معزولة تحيطها المستوطنات، وتهجير أهالي قطاع غزّة من بيوتهم، واقعًا معاشًا كل يوم، وليس حدثًا ماضياً، ويرتبط هذا الواقع عضوياً مع عمليات الإزالة العرقية الّتي نفذتها الصهيونية عام 1948م. كما قدمنا سابقًا، ليست النكبة مجرد حدث تاريخي نحييه، بل عملية مستمرة مثّلت واقعًا ماديًا، وبنىً سياسيةً وقانونيةً واقتصاديةً واجتماعيةً تعمل على تفكيك الفلسطينيين والسيطرة عليهم ثانيًا: عملية سحق الجسد الفلسطيني والهيمنة عليه باعتبار الجسد أول الميادين الّتي تُمارس عليها القوّة الاستعمارية هيمنتها، تصبح النكبة عملية بنيوية تعمل على السيطرة على أجساد الفلسطينيين وإقصائهم، ويتحول الجسد إلى خريطة صغيرة يمارس عليها ما يمارس على الجغرافيا. ليست النكبة فعل التهجير فقط، بل أيضًا الممارسة المستمرة للسياسة الحيوية الّتي تدير حياة البشر بكل تفاصيلها، بهدف التحكم المستمر بها، مثل تحكم جيش الاحتلال بعدد السعرات الحرارية الّتي تدخل قطاع غزّة، أو تحديد من يحق له العلاج ومن يمنع عنه. تلعب المستوطنات والحواجز العسكرية في الضفّة الغربية دوراً لترويض الجسد الفلسطيني وحصاره، وتوضح عمليات الاعتقال والتعذيب في السجون، والإعدام المباشر على الحواجز كلّها أن النكبة بنية تسعى إلى سحق الأجساد الفلسطينية. ثالثًا: تتجسد النكبة في المؤسسات القانونية والعسكرية الصهيونية تمثل دولة إسرائيل؛ بمؤسساتها العسكرية والقانونية والسياسية، الثمرة المادية للنكبة. إذ ترسخت تلك المؤسسات على الجغرافية الفلسطينية كاملة من النهر إلى البحر، وتحولت إلى ذراع الفعل الذي يرتكب الجرائم الاستعمارية مثل الفصل العنصري والإبادة الجماعية والاستيطان. بناءً عليه، فإن مجرد بقاء الدولة اليهودية يمثّل استمرارًا للنكبة، والاعتراف بشرعيتها يعني الاعتراف بشرعية واقع النكبة. رابعًا: ليست النكبة ذكرى نحييها، بل بنية نفككها كما قدمنا سابقًا، ليست النكبة مجرد حدث تاريخي نحييه، بل عملية مستمرة مثّلت واقعًا ماديًا، وبنىً سياسيةً وقانونيةً واقتصاديةً واجتماعيةً تعمل على تفكيك الفلسطينيين والسيطرة عليهم، والتخلص منهم لإحلال مستوطنين يهود بدلًا منهم. هنا يجب أن نعي أن الاكتفاء بـ"إحياء" النكبة يزوّر حقيقة الواقع على الأرض، بل يجب أن يكون الخامس عشر من مايو/أيّار دعوة إلى تفكيك النظام الذي خلقه واقع النكبة، حتّى لا تتحول المأساة إلى طقس سنوي أو بكاء على الأطلال. ما معنى تفكيك النكبة؟ أولاً، يجب أن نعي آليات عمل النكبة، المتمثّلة بكل مؤسسات دولة إسرائيل وقوانينها، وتحليلها والنظر إليها بوصفها أدواتٍ لحماية واقع النكبة وترسيخه، بدًلا من الدعوة إلى التعايش معها (مثل حلّ الدولتين، أو ثنائية القومية، أو الكونفدرالية) أو النضال من خلالها (الاعتقاد بجدوى الترشح لانتخابات الكنيست أو السعي لنيل حقوق متساوية داخل الكيان). النكبة ليست ماضياً، ولا ذكرى، بل سيرورة مستمرة تعمل بكل طاقتها، وهي بنية سياسية واقتصادية واجتماعية، بدأت مع بدايات المشروع الصهيوني ولا تزال مستمرة حتّى اليوم ثانيًا، التأكيد على خطاب سياسي كوني، مبني على رؤية حقوقية إنسانية تنزع الشرعية عن واقع النكبة باعتباره واقعًا متمثّلاً بالاستعمار الاستيطاني، والفصل العنصري، والحكم العسكري، والإبادة الجماعية، وليس تقديم حلول للحركة الصهيونية لتجاوز هذا الواقع. هنا يجب التنويه إلى أن التفكيك لا يعني تحسين شروط الاضطهاد، بل التقويض التام للنظام الصهيوني؛ الثمرة المادية للنكبة.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows