من الفيلا إلى الغابة... إسرائيل والحدود المتحركة
Arab
2 days ago
share
لم يسقط الجدار الأمني الإسرائيلي في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 بوصفه المادّي فقط، بل سقطت صيغة كاملة من النظرية الأمنية التي تراكمت على مر السنوات أيضاً. فقد تعاملت إسرائيل طويلًا مع الجدار باعتباره منظومة ضبط شاملة، تجمع العائق المادي والكاميرات والمجسات والاستخبارات سعيًا إلى تحقيق الردع. داخل هذا التصور، كان الافتراض أن الخطر يبقى قابلاً للإدارة ما دام محصوراً خارج المجال الإسرائيلي، وبأن التفوق التكنولوجي والعسكري يسمح لها بالمراقبة من بعيد والتدخل عند الضرورة. لكن أظهر الهجوم المباغت قصور هذه الفرضية، إذ لم تكمن المشكلة في ثغرة بالسياج، أو تعطل في الإنذار وحدهما، إنّما يكمن في الثقة المفرطة بأن الحدود الصلبة تنتج الأمن بنفسها. من هنا بدأ التحول الأعمق في التفكير الإسرائيلي، إذ لم يعد السؤال: كيف تحمي إسرائيل نفسها عبر الجدار؟ إنّما: كيف تجعل الأمن يبدأ من أرض الخصم، وكيف تحوّل المجال المحيط بحدودها إلى جزء خاضع لمنظومتها الأمنية؟ وكانت الإجابة العملية: إقامة مناطق عازلة داخل أراضي "العدو". تختصر استعارة "الفيلا في الغابة" هذا السياق والتحول معاً، إذ استخدمها إيهود باراك في خطاب ألقاه في سانت لويس في 1996/2/11 بصفته وزيراً للخارجية. حينها تحدث باراك عن إسرائيل بوصفها "فيلا حديثة ومزدهرة وسط غابة وحشية ومتخلفة"، وذلك في سياق الدفاع عن مسار السلام، لكنه قدّمه من موقع القوة، وربطه بالتفوق العسكري والاستعداد الدائم للحرب والدفاع في بيئة ترمي إلى إزالة إسرائيل. في جنوب لبنان، تتعامل إسرائيل مع الحدود بوصفها نقطة انطلاق لا خط نهاية، تظهر هذه المقاربة في صيغة "خط الدفاع الأمامي" أو "الخط الأصفر"، حيث تسعى إلى إنشاء عمق أمني داخل الأرض اللبنانية يتيح للجيش المراقبة، وإطلاق النار، والمناورة قبل الوصول إلى الحدود الدولية وظف بنيامين نتنياهو استعارة باراك في سياق دفاعي أكثر وضوحاً، ففي فبراير/شباط 2016 وخلال جولة على الحدود مع الأردن ربط حماية "الفيلا" بسياسة إحاطة إسرائيل بالجدران الأمنية والعوائق الذكية. ثم عاد بعد السابع من أكتوبر إلى الاستعارة نفسها، لكنّه منحها معنى هجومياً أوضح. ففي خطاب تخريج دورة ضباط في الجيش الإسرائيلي في 2026/2/19، قال إن إسرائيل لم تعد تستطيع الاكتفاء بتصور "فيلا في الغابة" وتختبئ خلف الجدار، فإذا لم تذهب أنت إلى الغابة، فإن الغابة تأتي إليك". وهنا تعبير واضح عن التحول في السلوك الإسرائيلي نحو المبادرة إلى الفعل. يضع وزير المالية بتسلئيل سموتريتش هذا المسار داخل تصور  أوضح، ففي مقابلة مع صحيفة بشيفع اليمينية، قال إن "تصور الفيلا في الغابة انتهى"، وأضاف أن إسرائيل لا تدافع عن نفسها داخل حدودها فقط، بل تتجه نحو تصور أوسع بكثير. كما أشار سموتريتش إلى أنه يأمل أن تشمل التحالفات الجديدة الّتي ستبنيها إسرائيل مستقبلًا إقامة قواعد عسكرية إسرائيلية في دول أخرى. في السياق ذاته، اتسع النقاش الإسرائيلي حول "الفيلا في الغابة" أيضاً، إذ لم يعد السجال حول دلالتها اللغوية أو الرمزية، إنما حول ما تكشفه من خلل في التصور الأمني الإسرائيلي. يقدّم الباحثان في مركز دادو، عينات غفنر غولدشتاين وعميحاي دنينو، هذا الخلل من زاوية السياسة الّتي اعتمدت على الجدران والردع واحتواء التهديد والحفاظ على الوضع القائم، ورأت إسرائيل نفسها دولةً غربيةً منفصلةً عن بيئتها الإقليمية، في وقت كان خصومها يطورون قدراتهم ويختبرون نقاط ضعفها. من هنا يدعو الباحثان إلى تجاوز الدفاع من خلف الأسوار، والانتقال إلى سياسة أكثر قدرة على التأثير في البيئة المحيطة بإسرائيل. ويكمل هذا النقاش الباحثان إيال فِخت وإيتاي حيمينيس من نفس المعهد، من خلال صيغة "ملكة الغابة"، الّتي تنقل الاستعارة من صورة الدولة المحتمية داخل حدودها إلى دولة تعمل بوصفها فاعلاً إقليمياً يسعى إلى بناء ترتيبات أمنية ملائمة لمصالحه. الخط الأصفر: حدود داخل أرض الخصم يمثّل الخط الأصفر في قطاع غزّة تطبيقاً مباشراً لتحول في المقاربة الأمنية الإسرائيلية بعد السابع من أكتوبر. فيشير المصطلح إلى استراتيجية "المناطق العازلة داخل أراض العدو". إذ ظهر الخط بعد وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، عندما نشر الجيش الإسرائيلي حينها خريطة السيطرة داخل قطاع غزّة ثم أعاد نشرها في 14 من الشهر نفسه مع تحذير السكان من الاقتراب من الخط أو عبوره. وبحسب تحليل مركز "تمارور" فإن الخط الأصفر يضع 57.8% من مساحة قطاع غزّة تحت السيطرة الإسرائيلية المباشرة. وتتوزع هذه النسبة بواقع 68.3% من محافظة خان يونس، و62.9% من محافظة رفح، و64.3% من محافظة غزّة، و43.8% من محافظة شمال غزّة، و21.9% من محافظة دير البلح. وقد أخذ الخط اسمه من المكعبات الإسمنتية الصفراء التي ظهرت ميدانياً في 20 أكتوبر 2025، وحددت مساره على الأرض. لا تتحدّد أهمية الخط الأصفر بحجم المساحة الّتي يقتطعها من قطاع غزّة، إنّما بالوظيفة الّتي يؤديها داخل القطاع. فهو لا يعمل جداراً حدودياً يفصل بين إسرائيل والقطاع، إنّما آليةً تنقل المجال الأمني الإسرائيلي إلى داخل القطاع. وتدعم معطيات تحقيق هآرتس في 26 مارس/آذار 2026 هذا المعنى، إذ أشار التحقيق إلى أن إسرائيل أبقت نحو 54% من مساحة القطاع تحت سيطرتها، وأن الجيش أقام ما لا يقل عن 32 موقعاً عسكرياً حول الخط وفي مناطقه القريبة، بينها سبعة مواقع أضيفت بعد وقف إطلاق النار. كما نفذ الجيش عوائق أرضية تجاوز طولها 17 كيلومتراً، أي نحو 45% من طول الخط البالغ 40 كيلومتراً، مع بنى تحتية للكهرباء والإضاءة والاتصالات والإسفلت في بعض المواقع.  وظف بنيامين نتنياهو استعارة باراك في سياق دفاعي أكثر وضوحاً، ففي فبراير/شباط 2016 وخلال جولة على الحدود مع الأردن ربط حماية "الفيلا" بسياسة إحاطة إسرائيل بالجدران الأمنية والعوائق الذكية وينعكس الخط مباشرة على السكان، إذ تقلص الحيز المتاح لنحو 2.1 مليون فلسطيني إلى أقل من نصف المساحة التي عاشوا فيها قبل الحرب. ويعزز الحديث عن الخط البرتقالي هذا الاتجاه، فقد أشار تقرير للأونروا في 18 مارس/آذار 2026 إلى حيز عازل إضافي قريب من الخط الأصفر تدفعه إسرائيل من الشرق إلى الغرب، وتربط العمل الإنساني داخله أو عبره بتنسيق مسبق مع الجيش. وهذا يعني أن نموذج السيطرة لا يقوم على خط ثابت، إنّما على مجال أمني قابل للتحريك والتوسيع، يحدد حيز حركة الفلسطينيين وفق القرار العسكري الإسرائيلي. لبنان وسورية... توسيع النموذج في جنوب لبنان، تتعامل إسرائيل مع الحدود بوصفها نقطة انطلاق لا خط نهاية، تظهر هذه المقاربة في صيغة "خط الدفاع الأمامي" أو "الخط الأصفر"، حيث تسعى إلى إنشاء عمق أمني داخل الأرض اللبنانية يتيح للجيش المراقبة، وإطلاق النار، والمناورة قبل الوصول إلى الحدود الدولية. ووفق ما نقلته صحيفة معاريف في 19 أبريل/نيسان 2026 عن تقارير محدّثة للجيش الإسرائيلي، يمتد هذا الخط على نحو 1,700 كيلومتر مربع في جنوب لبنان، أي قرابة 16% من مساحة لبنان، وبعمق يتراوح بين 7 و10 كيلومترات من الخط الأزرق. في جنوب سورية، يتكرر المنطق نفسه بعد سقوط نظام الأسد؛ فقد وسّعت إسرائيل حضورها في المنطقة العازلة ومواقع قريبة من جبل الشيخ، وقدمت ذلك بوصفه إجراءً لمنع تموضع أي قوى في الجولان. عملياً، تعمل إسرائيل على تحويل المجال المحيط بالجولان إلى منطقة استباق ومراقبة وضغط، بما يجعل الحدود فضاءً أمنيًا قابلاً للتوسيع لا خطاً سياسياً ثابتاً. الاستيطان وتثبيت المؤقت هنا يدخل الاستيطان بوصفه أداة لتثبيت السيطرة ومنح الإجراء العسكري المؤقت قابلية الاستمرار. ففي جنوب لبنان، تطرح حركة "عوري تسافون" تصوراً يرى أن الأمن يمر عبر الاستيطان جنوب نهر الليطاني، وهو ما عبّر عنه البروفيسور عاموس عزاريا، أحد أبرز المبادرين في مشروع الاستيطان خلال مقابلة مع "القناة 7"، حين ربط بين تحقيق أمن إسرائيل؛ لا سيّما مستوطنات الشمال؛ بالوجود الاستيطاني الإسرائيلي في جنوب لبنان. أما في جنوب سورية، فتقدم حركة "رواد الباشان" تصوراً مشابهاً، إذ تربط إدامة الوجود العسكري الإسرائيلي بإقامة مستوطنات في جنوب سورية، الّتي تسميها وفق التصور التوراتي "الباشان". وبهذا المعنى، لا يظهر الاستيطان امتداداً أيديولوجياً مجرداً، إنّما أداةً لتحويل الانتشار العسكري إلى واقع، وإعادة تعريف الحدود من خط فاصل إلى نطاق سيطرة قابل للتحريك والتوسيع. ختامًا، لم تعد الحدود في التصور الإسرائيلي بعد السابع من أكتوبر خطوطاً ثابتةً للدفاع، إنّما تحولت إلى مجالات قابلة للتحريك والتوسيع، وفق مبدأ نقل السيطرة العسكرية إلى أرض الخصم، عبر إقامة مناطق عازلة وخطوط انتشار جديدة وحرية حركة ونار للجيش الإسرائيلي. وفي السياق ذاته، يتكامل الاستيطان مع هذا المنطق بوصفه أداةً لتحويل الإجراء العسكري المؤقت إلى واقع ميداني أطول مدى.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows