Arab
منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 توعد رئيس وزراء الاحتلال الصهيوني رفقة ثلة من وزراء حكومته وشخصيات صهيونية سياسية وعامة عدّة بمحو المقاومة والقضاء عليها، ما اعتبره بعضهم مقدمةً لمرحلة جديدة ترسخ الاحتلال قوّةً إقليميةً ودوليةً صلبةً. طبعاً لم تنحصر التهديدات بكتائب عز الدين القسام فقط، بل طاولت كل فصيل أو جهة تقاوم الاحتلال داخل فلسطين وخارجها، عسكرياً وسياسياً، بما يشمل حركة مقاطعة الاحتلال الـ BDS. لكن؛ وبعد مضي ثلاثة أعوام عن تلك التهديدات، تكشف التفاصيل واقعاً مختلفاً عمّا رسمه الاحتلال وعمّا تصوره المتأسرلون هنا وهناك.
صمود أسطوري وضربات قاصمة
توضح قراءة الاعتداءات الصهيونية المتواصلة على الأراضي الفلسطينية ودول الإقليم حقيقتين متوازيتين، أولاهما؛ قدرة المقاومة على الصمود، استناداً إلى قدرة حاضنتها الشعبية على الصمود الأسطوري، بالرغم من فارق الإمكانيات الصارخ لصالح الاحتلال. والثانية؛ نجاح الاحتلال في توجيه ضربات أمنية وعسكرية قاصمة لفصائل المقاومة، خصوصاً لحزب الله اللبناني، وذلك في عمليتي البيجر واغتيال أمينه العام السابق حسن نصر الله.
من ذلك نلحظ سعي الاحتلال إلى تقويض الفعل المقاوم؛ بكل أنماطه وليس العسكري منه فقط؛ عبر استراتيجيات عديدة، فاتبع استراتيجية أمنية همجية سعت إلى تقويض أي حراك يفهم منه الاحتجاج على سلوك الاحتلال وأهدافه، وهو ما طاول الأخضر واليابس كما يقال شعبياً، من استهداف الحركة الطلابية داخل فلسطين وخارجها، إلى استهداف المشاهير والنجوم العالميين، مروراً باستهداف حركة المقاطعة وكل الأصوات المطالبة بوقف اعتداءات الاحتلال، حتّى الأصوات الداعمة للاحتلال منها (كما في التهجم على تصريحات أوروبية عديدة منها تصريحات فرنسية وأحياناً بريطانية).
امتدت هذه الاستراتيجية إلى استهداف حاضنة المقاومة الشعبية، بما يعرف بتدمير سبل الحياة/ العيش، عبر تدمير البنى العمرانية وشبكة الخدامات الأساسية، وصولاً إلى الحصار الخانق وسلب الحق في الطبابة والاستشفاء، بل وحتى في البقاء، عبر تكريس الظروف المؤدية إلى الموت جوعاً، مع العلم أنها ممارسات طُبقت في كلٍّ من الضفّة الغربية وقطاع غزّة على حدٍّ سواء، وبدرجة ما في لبنان أيضاً.
أما نموذج أو نمط الاستنزاف الثاني فهو استنزاف الاحتلال، وهنا تبرز أهمّية الجبهات المتتابعة/ المتعاقبة، إذ نلحظ أن الاحتلال في مواجهات مستمرة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 بين فلسطين ولبنان واليمن وإيران وسورية وبدرجة أقل العراق
وأخيراً سعى الاحتلال بمساعدة أميركية مباشرة إلى تصفية قادة المقاومة العسكريين منهم والسياسيين، من إسماعيل هنية ويحيى السنوار إلى حسن نصر الله وسواهم من القادة، مع ضرورة الإشارة إلى أن استخدام وصف الأخير بأحد قادة المقاومة لا ينفي عنه مسؤوليته القانونية والسياسية والأخلاقية عن الجرائم المرتكبة في سورية ولبنان، بقدر ما يركز على سبب اغتياله المباشر، بل والوحيد.
تجدد المقاومة
اعتقد معظم المتابعين بعد اغتيال حسن نصر الله في 27 سبتمبر/أيلول 2024 أن الحزب دخل مرحلته الأخيرة سياسياً وعسكرياً، أي على صعيد دوره في لبنان والإقليم، وعلى صعيد دوره في مقاومة الاحتلال ومخططات الهيمنة الصهيوأميركية، خصوصاً بعد اتّفاق وقف إطلاق النار الموقع في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024. كما تعزز هذا الاعتقاد في ظل صمت الحزب عن خروق الاحتلال المتتابعة للاتّفاق، مع ترديد الحزب لعبارة مفادها "أن للصبر حدوداً"، وبأن على الحكومة اللبنانية الضغط على الوسطاء لفرض التزام الاحتلال باتفاق وقف إطلاق النار.
تتصاعد القراءات الّتي تستبعد تجدد المقاومة داخل فلسطين اليوم أيضاً، وكأن سيطرة الاحتلال باتت واقعاً يستحيل تغييره، خصوصاً بعد نجاح الاحتلال في فرض اتّفاق وقف إطلاق نار هش مع المقاومة في قطاع غزّة، ونجاحه في تحييد قوى المقاومة الصاعدة في الضفّة الغربية، متمثّلة في كل من عرين الأسود وكتيبتي جنين وطولكرم وسواهم، طبعاً إلى جانب نجاحه في تحييد فصائل المقاومة التقليدية في الضفّة الغربية، ما أوحى بنجاح حملته العسكرية والأمنية نجاحاً مطلقاً.
لكن بعد تمدد اعتداءات الاحتلال على الإقليم، وتجديد اعتدائه على إيران في 28 فبراير/شباط 2026، وما تبعه من اغتيال المرشد الإيراني آية الله علي خامنئي، دخل حزب الله على خط المواجهة، فاتحاً جبهة قديمةً جديدةً مدفوعاً بسببين الأول؛ اغتيال المرشد الذي اعتبره خطاً أحمر، والثاني؛ استمرار انتهاكات الاحتلال لاتّفاق وقف إطلاق النار 2024. هنا لاحظ جل المتابعين وفي مقدمتهم الاحتلال الصهيوني ذاته نجاح الحزب في ترميم بنيته التنظيمية، إلى جانب تطوير أدواته واستراتيجياته، ما جعل الجبهة اللبنانية جبهةً صعبةً ومؤلمةً للاحتلال بالحد الأدنى.
حتمية تجدد المقاومة
إن تمادي الاحتلال في الاعتداءات، وإصراره على استكمال جرائمه المتراكمة، من جريمة الإبادة الجماعية إلى التطهير العرقي مروراً بالحصار والتهجير القسري والعقاب الجماعي، إضافةً إلى تصاعد الاستكبار الأميركي و الجشع والرغبة في السيطرة المطلقة (ليس في الإقليم فقط)، ذلك كلّه يمثّل العامل الأهمّ لتجدد المقاومة، بل وتوسعها إقليمياً وعالمياً، من هنا يمكننا فهم موجات التضامن المتصاعدة مع قضية فلسطين ومع لبنان، بل وحتّى مع إيران، فهي كذلك نمطٌ مقاومٌ ليس للاحتلال الصهيوني فقط، بل لداعمه وشريكه في الجرائم؛ الولايات المتّحدة. فلكل فعل ردة فعل توازيها في القوة وتعاكسها في الاتجاه كما تفسر قوانين الفيزياء الظواهر الطبيعية، وهو ما ينطبق كذلك على الظواهر الإنسانية، ففعل الاحتلال القسري، وفعل الاستغلال يولدان، لا محالة، ردة فعل توازي فعل الاحتلال وتعاكسه في الاتجاه، ما يجعلها فعلا مقاوماً صرفاً.
إذ يمارس الاحتلال فعلاً قسرياً على حاضنة المقاومة الاجتماعية، لذا فكلما تمادى أكثر بجرائمه (تدمير البنى التحتية والعمرانية، الإبادة الجماعية، العقاب الجماعي والتهجير القسري) تولّدت ردة فعل أقوى من قبل حاضنة المقاومة، فإن وجدت ردة الفعل هذه بنيةً تنظيميةً؛ ولو بالحدّ الأدنى، مع دعم مالي شبه ثابت؛ ولو كان بسيطاً، تحولت إلى فعل ملموس وذي تأثير، وكلما زاد تأثيره استقطب مزيداً من التأييد والدعم، وبالتالي توسعت حاضنته الاجتماعية أكثر.
وهو ما ينطبق تماماً على حالة حزب الله، الذي نجح في تنظيم صفوفه ولو بالحدّ الأدنى مستغلاً فترة انشغال الاحتلال بالاعتداء على فلسطين كلها، وعلى اليمن "جماعة أنصار الله الحوثي"، كما ساهمت اعتداءات الاحتلال المتواصلة على لبنان، وخصوصاً جنوبه، في توليد ردة فعلٍ شعبية لدى حاضنة المقاومة الاجتماعية، ما وفر؛ رفقة دور إيران في الدعم المالي؛ عوامل استعادة مقاومة الحزب لزخمها، وربّما نشهد مزيداً من التصاعد في حجم الفعل المقاوم ونوعه في المستقبل القريب.
تجدد المقاومة داخل فلسطين
تبدو ظروف العمل المقاوم بكل أنماطه أكثر صعوبة وتعقيداً في الأمد المنظور، إلّا أن ذلك لا يلغي تصاعد العوامل المحرضة على العمل المقاوم، وهو ما يؤدي إلى توالي عمليات فردية هنا وهناك. أما العمل المنظم الجماعي سواء في قطاع غزّة أو الضفّة الغربية فهو محكوم بعوامل متعددة، منها قدرة فصائل المقاومة؛ التقليدية أو غير التقليدية، على إعادة بناء قدراتها في ظل انشغال الاحتلال الصهيوني باعتداءاته المتواصلة داخل فلسطين وخارجها، إلى جانب العوامل المالية طبعاً، وذلك استناداً إلى تصاعد مشاعر الغضب الشعبي في ظل توالي الانتهاكات والجرائم والاعتداءات، ليس على البشر فقط، بل على الرموز الوطنية والدينية (القدس والأسرى)، إلى جانب الفعاليات الاستفزازية المتعمدة، التي يعتقد بعض قادة الاحتلال أنّها تثبيت لأمر واقع جديد، في حين أنّها تهيئة لبيئة مقاومة متجددة جديدة قادمة لا محالة.
لاحظ جل المتابعين وفي مقدمتهم الاحتلال الصهيوني ذاته نجاح الحزب في ترميم بنيته التنظيمية، إلى جانب تطوير أدواته واستراتيجياته، ما جعل الجبهة اللبنانية جبهةً صعبةً ومؤلمةً للاحتلال بالحد الأدنى
الاستنزاف والجبهات المتتابعة
يعتبر الاستنزاف عاملاً رئيسياً في كبح صعود الفعل المقاوم، أو في دفعه خطوات إلى الأمام، والاستنزاف هنا ذو بعدين؛ استنزاف فصائل المقاومة وحاضنتها الشعبية، واستنزاف الاحتلال وداعميه، فعلى الصعيد الأول؛ نلحظ أن فصائل المقاومة وحاضنتها الاجتماعية استنزفت كثيراً وتحديداً في قطاع غزّة، الأمر الذي عُبِّر عنه بتمسكها باتّفاق وقف إطلاق النار الموقع في أكتوبر/تشرين الثاني 2025 رغم انتهاكات الاحتلال المتكررة في القطاع المحاصر، وعليه فإن العودة إلى الاشتباك المباشر والصدام ستتوقف على مدى تمادي الاحتلال في اعتداءاته، وإصراره على الدخول في صراع عدمي لا يحمل حلولاً وسطية، فإن أصر الاحتلال على السلوك العدمي سيلقى مقاومةً أعادت ترتيب أوراقها، فمن الواضح أن المقاومة في الفترة الحالية تعمل على إعادة ضبط المشهد الغزي، من خلال ملاحقة المتعاملين مع الاحتلال، وترتيب الصف الداخلي الفلسطيني والمقاوم على حدٍّ سواء.
ينطبق الأمر ذاته على المقاومة في الضفّة الغربية، مع ملاحظة مستوى استنزاف أقل على الصعيدين الشعبي والعسكري، إلى جانب عوامل جغرافية أكثر ملاءمة للعمل المقاوم مقارنة مع نظيرتها في قطاع غزّة (تداخل مناطق سيطرة الاحتلال ومستوطنيه مع مناطق التجمعات الفلسطينية، إلى جانب الطبيعة الجغرافية خصوصاً في المناطق الجبلية)، في مقابل عوامل داخلية معيقة للفعل المقاوم في ظل توجهات سلطة حماية الاحتلال والتمدد الاستيطاني وانتشار الاحتلال العسكري.
أما نموذج أو نمط الاستنزاف الثاني فهو استنزاف الاحتلال، وهنا تبرز أهمّية الجبهات المتتابعة/ المتعاقبة، إذ نلحظ أن الاحتلال في مواجهات مستمرة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 بين فلسطين ولبنان واليمن وإيران وسورية وبدرجة أقل العراق، كما لا يمكن استبعاد الاستنفار الأمني (على الأقل) على حدوده مع الأردن ومصر، فضلاً عن استنزافه سياسياً وإعلامياً، وبدرجة ما اقتصادياً، استنزافاً مرهقاً بحدّه الأدنى، في ظل تصاعد موجات دعم الحقوق الفلسطينية، والأصوات المطالبة بمعاقبة الاحتلال وعزله، فضلاً عن تصاعد الجهود الشعبية العالمية لكسر حصار الاحتلال، خصوصاً في قطاع غزّة.
طبعاً مفهوم الجبهات المتعاقبة أو المتتابعة مفهوم جديد، ربّما كان جزءاً من سياسية تعمدتها قوى المقاومة الحالية، أو ربّما دفعت الأحداثُ باتجاه تبنيها (يرجح الكاتب الاحتمال الأول)، بكل الأحوال تساهم هذه الاستراتيجية في منح قوى المقاومة مزيداً من الوقت لإعادة التنظيم والتعبئة والتدريب والابتكار على الصعيدين الخططي والتقني، وهو ما شهدناه في جبهتي إيران ولبنان، خصوصاً الثانية، كما يؤدي إلى استنزاف الاحتلال وداعميه، وهو ما نلاحظه في الوقت الراهن على صعيدين، الأول؛ تراجع دعم الاحتلال على الصعيد الدولي، وهنا تبرز المواقف الأوروبية، وبدرجة ما مواقف ما يعرف بالمعسكر الغربي باستثناء الولايات المتّحدة، فضلاً عن شبه انقلاب كامل في المواقف الشعبية في معظم تلك الدول. أما الثاني؛ فيتمثّل في المستوى العسكري بكل مناحيه، سواء المرتبطة بجهود التعبئة العسكرية، الّتي يعاني فيها جيش الاحتلال من مستويات إرهاقٍ وإحباط مرتفعة، إلى جانب المستوى التقني الذي استنزف على امتداد السنوات الماضية، ما ساهم في انخفاض مستوى فاعلية المنظومات الدفاعية، وتراجع في فاعلية التكتيكات العسكرية المكررة على مدار الأعوام الماضية. تلك العوامل مجتمعة تساهم في زيادة فعالية فصائل المقاومة نتيجة استنزاف الاحتلال.
الخلاصة
يعتقد الكاتب أن نموذج نجاح حزب الله في تجديد قواه المقاومة هو نموذج قابل للتكرار في المدى المتوسط، بل ربّما في المدى القريب أيضاً، لذا قد نشهد نموذجاً مشابهاً داخل فلسطين في المرحلة المقبلة، خصوصاً في ظل استمرار جرائم الاحتلال وتصعيدها. كما يرى الكاتب أن الاحتلال ماض في مسار استنزافٍ سيكرس أزمته أكثر، كما سيسهم في قلب موازين القوى، أو على الأقل في تحسينها لصالح المقاومة هذه المرّة. وبناء عليه يرى الكاتب بأن مسارعة بعض الأطراف الفلسطينية والإقليمية إلى الارتماء في أحضان الاحتلال والاستسلام الكامل لرغباته وأهدافه ما هو إلّا عجز عن فهم الواقع وفهم آليات مجابهة قوى الظلم والاستغلال والاحتلال، ومن هنا يبقى الأمل في مستقبل أفضل فلسطينياً وإقليمياً ودولياً مرهوناً بقوى المقاومة الشعبية والمنظمة على حدٍّ سواء، وفي كل مواقعها الجغرافية من التظاهرات في واشنطن إلى حملات كسر الحصار اللاقانوني إلى تيارات المقاومة العنيفة وفصائلها.

Related News
هوايات يومية قد تحميك من الخرف
aawsat
5 minutes ago
الصين: أبحاث جريئة حول إنجاب الأطفال في الفضاء
aawsat
6 minutes ago