الأضاحي في مأرب… أسعار تُبدّد أحلام النازحين وتثقل كاهل السكان
Civil
4 days ago
share

يمن مونيتور/مأرب / من عبدالله العطار

قبل أيام من حلول عيد الأضحى، تبدو أسواق المواشي في محافظة مأرب مكتظة بالمتسوقين والباعة، حركة نشطة لا تعكس بالضرورة قدرة شرائية، بقدر ما تعكس حجم العجز لدى المواطنين، فمعظم الأسر، لا سيما النازحين، يكتفون بجولات طويلة بين أروقة السوق، يطلبون الأسعار ثم يغادرون بصمت، بعدما تحولت الأضحية إلى حلم بعيد المنال في ظل الانهيار الاقتصادي وارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق.

وفي مدينة مأرب، التي تستقبل ملايين النازحين من مختلف المحافظات، باتت أسعار الأضاحي عبئاً ثقيلاً يضاف إلى أعباء المعيشة المتفاقمة، في وقت تتراجع فيه القدرة الشرائية وتغيب فيه الحلول الكفيلة بتخفيف معاناة الأسر التي تعيش ظروفاً قاسية منذ سنوات الحرب.

أسعار قياسية

يقول تجار مواشٍ في أسواق المدينة وسوق الوادي إن أسعار الأغنام ارتفعت هذا العام بشكل ملحوظ مقارنة بالسنوات الماضية، نتيجة زيادة تكاليف النقل والأعلاف، إضافة إلى الطلب الموسمي المرتفع.

وفي جولة ميدانية لـ”يمن مونيتور” داخل أحد أسواق المدينة، يتبين أن سعر الأضحية “الماربية” الأكثر طلباً والأعلى جودة لا يقل عن 250 ألف ريال للأحجام الصغيرة، فيما تتراوح أسعار الأحجام المتوسطة والكبيرة بين 300 و450 ألف ريال، بحسب الوزن والعمر.

أما المواشي القادمة من منطقة المراوعة في سهل تهامة، والمعروفة محلياً باسم “المروعي”، فتأتي في المرتبة الثانية من حيث الأسعار، إذ تبدأ من نحو 180 ألف ريال وقد تتجاوز 300 ألف ريال، تبعاً للحجم والنوع.

ويعزو البائع محمد شويل هذا الفارق السعري إلى طبيعة تربية الأغنام الماربية واعتمادها على المراعي الطبيعية، إلى جانب الإقبال الكبير عليها باعتبارها الأفضل من حيث جودة اللحم والطعم، في حين تبقى الأغنام التهامية أقل سعراً رغم ارتفاع تكاليف نقلها إلى مأرب.

“نسأل ونعود”

في أحد أسواق المواشي شرق مدينة مأرب، وقف النازح محمد عبدالمعز يتأمل الأغنام المعروضة قبل أن يغادر دون شراء.

ويقول لـ”يمن مونيتور”: “منذ أسبوع وأنا أزور السوق يومياً تقريباً، لكن الأسعار فوق طاقتنا. كنت أظن أنني سأتمكن من شراء أضحية صغيرة لأطفالي، لكن أقل سعر وجدته يتجاوز راتبي بالكامل”.

ويضيف أن أسرته المكونة من سبعة أفراد تعتمد على مساعدات متقطعة وأعمال يومية غير مستقرة، مشيراً إلى أن الأولوية أصبحت لتأمين الغذاء اليومي والإيجار بدلاً من التفكير بالأضحية.

أما أم خالد، وهي نازحة من محافظة صنعاء وتعيش في أحد مخيمات الوادي، فتقول إن أطفالها يسألونها كل عام عن الأضحية كما كانوا يفعلون قبل النزوح، لكنها لم تعد قادرة حتى على الإجابة.

وتضيف بصوت متأثر: “العيد صار حملاً نفسياً ثقيلاً علينا، وليس مناسبة للفرح. الناس بالكاد تجد ثمن الدقيق والماء، فكيف ستشتري أضحية بمئات الآلاف؟”.

معاناة تشمل الجميع

ولا تقتصر الأزمة على النازحين، إذ يشكو مواطنون من أبناء المجتمع المضيف في مأرب أيضاً من الارتفاع الحاد في الأسعار، بما في ذلك الموظفون محدودو الدخل كالتربويين.

يقول أحد الموظفين الحكوميين: “حتى الموظف الذي يتقاضى راتباً لم يعد قادراً على شراء أضحية، فالراتب يذهب للإيجار والديون واحتياجات الأسرة الأساسية، بينما أسعار المواشي ترتفع بشكل جنوني كل عام”.

ويشير إلى أن عدداً من الأسر بدأت تتجه نحو الشراكة في شراء العجول أو التخلي عن الأضحية هذا العام.

من جهته، يرى العامل بالأجر اليومي علي الحرازي أن المشكلة لا تتعلق بالمواشي فقط، بل بالوضع الاقتصادي العام.

ويقول: “كل شيء ارتفع: المواد الغذائية، الإيجارات، المواصلات وحتى المياه. المواطن لم يعد يفكر في الكماليات، والأضحية باتت بالنسبة لكثيرين من الكماليات رغم رمزيتها الدينية والاجتماعية”.

أسباب متعددة

ويرجع تجار ومختصون ارتفاع أسعار الأضاحي إلى عدة عوامل متداخلة، أبرزها ارتفاع أسعار الأعلاف المستوردة، وزيادة تكاليف النقل بين المحافظات بسبب الوقود والرسوم في الطرقات، إضافة إلى تراجع الإنتاج المحلي نتيجة النزوح والجفاف وشح المراعي.

ويقول تاجر المواشي أحمد المروعي إن تكاليف نقل الأغنام من تهامة إلى مأرب تضاعفت خلال السنوات الأخيرة، إلى جانب الرسوم المفروضة في بعض النقاط.

ويضيف: “التاجر نفسه يعاني من الخسائر وارتفاع التكاليف، وفي النهاية يتحمل المواطن العبء الأكبر”.

كما أسهم تدهور سعر صرف العملة المحلية في رفع أسعار السلع المرتبطة بتربية المواشي، خصوصاً الأعلاف والأدوية البيطرية، ما انعكس مباشرة على أسعار البيع النهائية.

دعوات للتدخل

ودعا مسؤولون محليون وعاملون في المجال الإنساني إلى توسيع برامج الدعم النقدي والمساعدات الغذائية قبيل عيد الأضحى، للتخفيف من معاناة الأسر الفقيرة والنازحة.

ويقول عاملون إن آلاف الأسر في مخيمات النزوح بمأرب تواجه أوضاعاً معيشية حرجة، في ظل تراجع التمويلات الإنسانية خلال العامين الأخيرين.

وأشاروا إلى أن كثيراً من الأسر لم تعد قادرة على توفير الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية، ما يجعل شراء الأضاحي أمراً شبه مستحيل.

كما دعا ناشطون إلى تشديد الرقابة على الأسواق والحد من الاحتكار والمضاربة في أسعار المواشي، إلى جانب دعم مشاريع الثروة الحيوانية وتخفيف الأعباء عن المربين والتجار.

عيد بلا أضاحٍ

ومع استمرار الأزمة الاقتصادية وتراجع فرص العمل وارتفاع معدلات النزوح، يخشى كثير من السكان أن يمر عيد الأضحى هذا العام مثقلاً على آلاف الأسر التي ستكتفي بمشاهدة المواشي في الأسواق دون قدرة على شرائها.

وبينما يواصل باعة المواشي عرض بضائعهم على أمل تحسن الطلب مع اقتراب العيد، تبدو الحقيقة أكثر قسوة لدى أسر أنهكتها الحرب والفقر، حتى أصبحت الأضحية، التي كانت يوماً من أبرز مظاهر العيد في اليمن، حلماً مؤجلاً لدى كثيرين.

The post الأضاحي في مأرب… أسعار تُبدّد أحلام النازحين وتثقل كاهل السكان appeared first on يمن مونيتور.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows