Arab
وثقت إحدى كاميرات المراقبة في مدينة القدس المحتلة اعتداءً دفع خلاله مستوطن إسرائيلي راهبةً من الخلف، وعندما سقطت على الأرض بدأ المستوطن في ركلها حتّى أدمى رأسها، تبين لاحقاً أنّ الراهبة باحثة فرنسية تبلغ من العمر 48 عاماً. السؤال هنا: ما الذي يدفع مستوطناً إسرائيلياً إلى دفع راهبة والاعتداء عليها؟ وما حجم الاعتداءات التي نفذها المستوطنون على المسيحيين ولم توثقها كاميرات المراقبة؟ وهل الاعتداء على الراهبة فعل فردي أم منهجية وسياسة رسمية تديرها دولة إسرائيل بكامل مكوناتها؟
لم يكن الاعتداء على الراهبة الفرنسية الحادثة الأولى الموثقة والمعلنة؛ فتاريخ إسرائيل مُمتلئ بحوادث الاعتداء على المسيحيين وقتلهم منذ النكبة، ولم تتوقف الجرائم الإسرائيلية ضدّ المسيحيين على امتداد الجغرافية الفلسطينية. الملاحظ هنا، تحول الاعتداءات الإسرائيلية على المسيحيين إلى ظاهرة متكررة خلال السنوات الأخيرة؛ مثل البصق على رجال الدين؛ الشتائم؛ تدنيس القبور وحرق الكنائس والترهيب المستمر من أجل طرد المسيحيين من القدس والبلدة القديمة.
لم يعد استهداف المسيحيين في فلسطين مجرد حوادث متفرقة، أو سلوكاً فردياً لمستوطن متطرف، بل بات جزءاً من مشهد أوسع يتداخل فيه التطرف الديني مع المشروع السياسي والاستيطاني الإسرائيلي. ملمحه الأبرز أن ما يتعرض له المسيحيون في أرض الميلاد يكشف عن مخطط خطير وعميق، تحول فيه التطرف الديني والقومي داخل إسرائيل إلى ثقافة سياسية، وسلوك اجتماعي ومشروع، أنتج جيلاً يرى في الآخر؛ مسلماً كان أم مسيحياً؛ عائقاً يجب إهانته، أو حتّى قتله.
خلال انتفاضة الأقصى عام 2000، اغتال مستوطنون رجال دين مسيحيين في الضفّة الغربية، واستمرت عمليات إحراق الكنائس، والاعتداءات اليومية على المسيحيين، حتّى بعد انتهاء الانتفاضة
أصبحت الاعتداءات الإسرائيلية على المسيحيين في فلسطين عنواناً كبيراً مقلقاً يزحف ليأكل صورة الدولة الديمقراطية الّتي تحاول إسرائيل تسويقها للعالم، وتظن أن الكذب والتدليس قد يُرمم التآكل الحاصل. ففي 26 سبتمبر/أيلول 2025، زعم بنيامين نتنياهو في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتّحدة أنّ إسرائيل هي الدولة الوحيدة الّتي تحمي المسيحيين في الشرق الأوسط، وقال إن عدد سكان القدس المسيحيين تناقص بقوّة شديدة منذ أمسك المسلمون بزمام الحكم.
تجاهل نتنياهو ما نشرته صحيفة معاريف في 30 أغسطس/آب 2023، وقد نشرت الصحيفة مقالاً مطولاً لمعلقها السياسي ران إديليست بعنوان: "موجة الهجمات على المسيحيين يجب أن تكون أيضًا موضع اهتمام منظّمي الاحتجاجات"؛ وثق فيه أربعين هجوماً لمجموعات يهودية متطرّفة خلال الشهرين المنصرمين على السكان المسيحيين في القدس المحتلة. وأشار إلى أنّ الشرطة الإسرائيلية تمارس اضطهاد المسيحيين بالتواطؤ مع المعتدين.
ليس الكاتب هنا بصدد استحضار الاعتداءات الإسرائيلية على المسيحيين، فهي أكبر وأكثر من أن تُعد أو تحصى، لكن ومن باب تفنيد ادعاءات نتنياهو؛ يكتفي بذكر عيّنة من تلك الاعتداءات للانتقال إلى الجزء الأهمّ؛ أي دلالاتها ومعانيها وسياق قراءتها؛ فالهدف من استدعاء عينة من الاعتداءات الإسرائيلية على المسيحيين هو التشديد على أنّ ما يحدث ليس مجرد عمل فردي، بل خطة دولة وسياسة ممنهجة مقصودة. في 12 يناير/كانون الثاني 2023؛ هاجم مستوطنون كنيسة الأرمن في القدس؛ وخطوا عبارات تدعو إلى قتل المسيحيين، وقبل الحادثة بأسبوع اعتدى مستوطنون على مقبرة مسيحية إنجيلية في القدس المحتلة وعملوا على تخريب ثلاثين قبراً.
في عام 1967 اقتحم المستوطنون كنيسة بئر يعقوب للروم الأرثوذكس في نابلس شمال الضفّة الغربية، وذبحوا رئيس الكنيسة الأرشمندريت فيليمينوس. وفي عام 1998 قتل مستوطنون راهباً في كنيسة الشياح، على جبل الزيتون في القدس، وفي العام نفسه أطلق جندي إسرائيلي النار على المصلين في كنيسة الجثمانية للاتين بالقدس.
خلال انتفاضة الأقصى عام 2000، اغتال مستوطنون رجال دين مسيحيين في الضفّة الغربية، واستمرت عمليات إحراق الكنائس، والاعتداءات اليومية على المسيحيين، حتّى بعد انتهاء الانتفاضة.
خلال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزّة استشهد 44 مسيحياً نتيجة القصف الإسرائيلي المباشر الذي استهدف الكنائس في القطاع، ففي 20 أكتوبر/تشرين الأول 2023 قصفت إسرائيل الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية (كنيسة القديس برفيريوس)، وهي أقدم كنيسة في قطاع غزّة، وقد بنيت قبل 16 قرناً، وكانت إسرائيل تعلم بأن عائلات مسيحية ومسلمة قد لجأت ونزحت إلى الكنيسة. استشهد في القصف 18 شخصاً، معظمهم من الأطفال. وفي يوليو/تموز 2025 قصفت إسرائيل الكنيسة الكاثوليكية الوحيدة في قطاع غزّة (كنيسة العائلة المقدسة)، واستشهد في القصف ثلاثة أشخاص بينهم امرأتان، وعندما استفسر الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن الحادثة كان جواب نتنياهو أنّ الحادثة كانت بالخطأ!! هذا كلّه غيض من فيض.
أصبحت الاعتداءات الإسرائيلية على المسيحيين في فلسطين عنواناً كبيراً مقلقاً يزحف ليأكل صورة الدولة الديمقراطية الّتي تحاول إسرائيل تسويقها للعالم، وتظن أن الكذب والتدليس قد يُرمم التآكل الحاصل
لسنا أمام حادثة فردية، بل سياسة إسرائيلية رسمية يعلمها العالم ويدركها ويشاهدها، لكنه يكتفي بالشجب والإدانة. في التاسع من مايو/أيّار 2026 قال المقرر السابق للأمم المتحدة المعنيّ بفلسطين مايكل لينك: "إنّ الحكومة الإسرائيلية تريد محو الفلسطينيين بمن فيهم المسيحيون"، محذراً من تصاعد وتيرة الاعتداءات الّتي ينفذها مستوطنون إسرائيليون على المسيحيين الفلسطينيين، فهل سيستمر العالم في تجاهل الاعتداءات الإسرائيلية على المسيحيين حتّى لو طاولت هذه الاعتداءات راهبةً فرنسية؟ وماذا عن الرواية الغربية الّتي تُقدم نفسها حاميةً للحريات الدينية؟ ألا تضعها حادثة الاعتداء على الراهبة أمام اختبار أخلاقي، هل ستكتفي بالصمت؟ يبدو أن ذلك ما سيحدث، وهذا يعني أنّ إسرائيل ومستوطنيها مستمرون في مطاردة المسيح في أرض الميلاد.
إن الاعتداءات الإسرائيلية على المسيحيين في فلسطين ليست مجرد أخبار عابرة تُسجلها الكنائس، أو توثقها الكاميرات في أزقة القدس القديمة، بل أصبحت جريمةً مكتملةً موثقةً متدحرجةً، والسبب في ذلك صعود اليمين الديني المتطرف إلى مطبخ صناعة القرار الإسرائيلي، ما وفر غطاءً سياسياً وأمنياً وقانونياً لتطرف المستوطنين، لذلك لم يعد المستوطن يشعر بالخوف من المحاسبة والعقاب، بل أصبح أكثر جرأةً وعدوانيةً، لأنه يستمع لخطاب رسمي يتحدث عن السيادة اليهودية المطلقة، الّتي تعتبر كل من هو غير يهودي غير مرغوب فيه.
المستوطن الذي دفع الراهبة هو ابن بيئة أيديولوجية كاملة، تكونت عبر عقود داخل المدارس الدينية الاستيطانية، وتغذت على خطاب توراتي متشدد يعتبر القدس ملكيةً حصريةً لليهود، ويرى في غير اليهود غرباء "غوييم" يعيشون مؤقتًا في أرض يجب أن تُطهَّر رمزياً وديمغرافياً.
ستُفضي مواصلة إسرائيل مطاردة المسيح في أرض الميلاد من دون عقاب ومحاسبة إلى إفراغ الأرض المقدسة والمدينة الّتي تُقدم للعالم أرضاً للتعايش الديني تدريجياً من مكونها المسيحي التاريخي الأصيل.

Related News
المصريون يحتفلون بالعيد في الشواطئ والحدائق
aawsat
4 minutes ago
11 طعاماً تحتوي على بروتين أكثر من البيض
aawsat
6 minutes ago