السوريون يريدون أشياء كثيرة... ولكن
Arab
2 days ago
share
الإجابة عن سؤال ما الذي يريده السوريون ليس صعباً، ولا معقّداً، بل بسيطٌ وواضحٌ. إذ يريد عموم السوريين التعافي لبلدهم ومجتمعهم بعد 14 عاماً عانوا فيها الأهوال من القتل والسجن والتشريد والتدمير والفقر والجوع والخوف. لقد نجم من حقبة الأسدَين (الأب والابن)، ولا سيّما في حقبة الصراع المدمّر والدامي، تدمير سورية، بمعنى تخريب عمران البلد ومعظم بناه التحتية وتقويض مؤسّسات الدولة ومواردها، كما نجم منه تفكّك المجتمع، وتعميق (وترسيخ) انقسامات السوريين، الإثنية والطائفية والأيديولوجية والعشائرية والمناطقية والطبقية... نجم من هذا أنّ سورية اليوم، دولةً ومجتمعاً وأفراداً، في واقع غاية في الصعوبة والتعقيد. هذا ما يمكن ملاحظته حتّى بعد مرور قرابة عام ونصف العام على انهيار النظام وتفكّكه واختفائه بالشكل الغامض الذي شهدناه. لا يمكن الحديث عن انتخابات وديمقراطية من دون بناء الدولة ومؤسّسات دولة ودستور وإعادة بناء مجتمع السوريين بوصفهم مواطنين متساوين بناء على ما تقدّم كلّه، أعتقد أنّ أولويات عامّة السوريين اليوم تنصبّ على هدف واحد، تملّك الأمن والأمان، جسدياً ومعنوياً ومعيشياً. وتعني كلمة تملّك الحقّ الذي لا ينازعهم أحد عليه، لا سلطة ولا أيّ شيء آخر. هذا يعني أمن الحياة، وأنّ حرمة الجسد من أيّ انتهاك محفوظة حقّاً لكلّ فرد، رجلاً أو امرأة، من دون أيّ تمييز لأيّ سبب، وهو الحقّ الذي يفترض أن يكفله الدستور وينظّمه، من دون أيّ مواربة أو استدراك مهما كان شكله. يعني الأمن المعنوي شعور الإنسان بالحرّية الشخصية في حيّزه المكاني وفي رأيه ومواقفه، ولو كانت مختلفة أو معارضة، ولا ينتقص من هذه الحرّية أيّ شيء، ما دامت تعتمد الوسائل السلمية التي لا تضرّ بالدولة والمجتمع، فالحرّية هي التي تقوّي المجتمعات وتصون وحدتها، وتنظّم اختلافاتها. الأمن المعيشي يعني ضرورة توفير الظروف الاقتصادية المناسبة التي تمكّن الناس من العيش بطريقة كريمة، وهذا يعني توفير الحدّ الأدنى المطلوب لكلّ إنسان يعمل في القطاعَين، الخاصّ والعامّ، ليتمكّن من العيش الكريم، وتمنع الاستغلال، كما يعني ذلك إيجاد نظام عمل يتأسس على تكافؤ الفرص، والاستثمار في الكفاءات لكلّ المواطنين من دون تمييز. باختصار، السوريون في حاجة إلى الأمن والأمان بكلّ أشكالهما، الجسدية والمعنوية والمعيشية، هذا ما يفترض التركيز عليه في المرحلة الحالية، لأنّه ما يمهّد لما بعده، أي للسياسة والديمقراطية. وهذا لا يعني أنّ إلحاح السوريين على الديمقراطية والانتخابات وحرّية الأحزاب والحقّ في التظاهر أمراً يفترض التريّث أو التأجيل، فذلك يتوخّى لفت الانتباه إلى أنّ سورية اليوم، البلد والمجتمع والمواطنين الأفراد، في حاجة إلى نفض نصف قرن من الخضوع والإذعان والإفقار والرعب والتفكّك، أي إنّهم في حاجة إلى الخروج من الحفرة (حفرة حيّ التضامن واحدة منها)، لأنّ ما نتج من حكم الاستبداد مجموعة من الحفر، خروجنا منها كان كما وصّفها السيناريست سامر رضوان في مسلسله "الخروج إلى البئر"، فلطالما كنّا نخرج من حفرة إلى ما هو أعمق منها، فهذا معنى الكلام أنّ في مقدّمة أولويات السوريين الحفاظ على حياتنا من القتل ومن الجوع ومن الاعتقال، الجسدي والمعنوي، وبعدها تأتي الانتخابات والديمقراطية، لأنّ كلّ ما ينتج عن واقع العَوز لن يكون إلا صورةً عن الماضي الذي عشناه، أي انتخابات بلا حرّية، وديمقراطية شعاراتية. فلا يمكن الحديث عن انتخابات وديمقراطية من دون بناء الدولة، ومن دون مؤسّسات الدولة، ومن دون صوغ دستور، ومن دون إعادة بناء مجتمع السوريين بوصفهم مواطنين متساوين. المهمّة الأساسية اليوم لمن يريد أن يبني أسس الدولة، هو توجيه القرارات بما يخدم أولويات السوريين المسألة اليوم ليست مباراة بين سلطة ومعارضة، إذ ثمّة مشكلة في الاثنين، فالأولى ما زالت تحبو وفي حاجة إلى ترشيد، بما في ذلك مراقبتها ومساءلتها ومحاسبتها، لتعيين أين أصابت وأين أخطأت وماذا يمكن لها أن تفعل لبناء الدولة بالتدرّج، لكن التدرّج المبني على قواعد صلبة وقانونية ومؤسّسية. وفي الجانب المقابل، ينطبق هذا على المعارضة، علماً أنّ هذه غير واضحة المعالم، ولا تعبّر عن نفسها ببنية واضحة، ولا يوجد تمثّلات مجتمعية تعبّر عنها، لذا تبدو معزولةً أو ليست ذات صدى في الشارع، مع الأسف، وهذا نتاج نصف قرن من محو السياسة وتحريم الأحزاب في سورية، ونتاج تخبّط قوى المعارضة، التي بدت ظاهرة أفراد أكثر منها ظاهرة حزبية، مع كلّ الاحترام للتضحيات والمجهودات التي بذلت طوال نصف القرن الماضي. ما يعني أنّ المهمّة الأساسية اليوم لمن يريد أن يبني أسس الدولة، هو توجيه القرارات بما يخدم أولويات السوريين، لأنّ الأهم حالياً أن تدرس القيادة الانتقالية في سورية قراراتها كلّها بتأنٍ، وبطريقة تؤدّي إلى بناء دولة مؤسّسات وقانون، وأن تفتح المجال لمناقشة قراراتها وتوجّهاتها في الفضاء السوري العام لتعزيز الثقة بين المواطن ودولته الوليدة، ولعلّ هذا سيكون أوضح من خلال تعزيز الثقة بالمؤسّسة التشريعية، وذلك باختيار الكفاءات المتمكّنة والأكاديمية لرفد المجلس التشريعي بثلثه المتبقّي من دون النظر إلى المحاصصات على حساب الأولويات.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows