Arab
بذريعة تعزيز قدرات البنوك المركزية للعراق ولبنان وليبيا في مكافحة غسل الأموال والاحتيال، أبرمت شركة K2 Integrity عقوداً مع الدول الثلاث، لتهندس التدفقات المالية بما يتّسق مع المصالح السياسية الأميركية والإسرائيلية.
- على مدار السنوات الثلاث الماضية، أبرمت شركة "K2 Integrity" المتخصّصة في التدقيق والاستخبارات المالية صفقات مع البنوك المركزية في العراق ولبنان وليبيا، والهدف المعلن تعزيز قدرات الدول هذه على مكافحة غسيل الأموال والاحتيال، إلّا أنّ نطاق عمل الشركة يتجاوز بكثير "الاستشارات التقليدية"، إذ تتماشى رقابتها على تدفقات الأموال على نحوٍ وثيق مع المصالح السياسية الأميركية والإسرائيلية. ومن المثير للاهتمام أنّ القيادة العليا للشركة تتألف من مسؤولين سابقين في وزارة الخزانة الأميركية، ممن كان لهم دور بارز في تفكيك ما اعتبرته واشنطن شبكات لتمويل الإرهاب في أعقاب أحداث 11 سبتمبر، بالإضافة إلى تطوير العقوبات التي تستهدف إيران وحلفاءها، وكوريا الشمالية، وروسيا.
تلك الروابط غير المباشرة بين شركة "K2 Integrity" وإسرائيل مقلقة، ولا سيّما أن العلاقات مع تل أبيب تشكل جريمة جنائية في العراق ولبنان وليبيا، علاوة على تصاعد دورها في المنطقة منذ 7 أكتوبر/ تشرين الثاني 2023، واتساقاً مع ذلك، مارست واشنطن ضغوطاً على الدول العربية لخنق الشبكات المالية الإيرانية، وقد جرى جزء من هذه الجهود عبر شركة "K2 Integrity"، تزامناً مع شن حرب مدمرة على طهران، ومن أجل التعمق أكثر في ما سبق، يرسم التحقيق خريطة لشبكة العلاقات التي تربط بين "K2 Integrity" وواشنطن وتل أبيب في ظل عصر جديد من المراقبة المالية لدول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
مقاتلون في بدلات رمادية
صعد رجل يرتدي بدلة داكنة ونظارات إلى المنصة وجلس مقابل مقدم الفعالية. كان ذلك في عام 2013، وقد حضر إلى "مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية" "the Centre for Strategic & International Studies" في العاصمة واشنطن لمناقشة كتابه الصادر حديثاً بعنوان "حرب الخزانة" "Treasury’s War".
تتألف القيادة العليا لشركة K2 Integrity من مسؤولين سابقين في وزارة الخزانة الأميركية
خلال العقد الماضي انصبّ جلّ اهتمام المؤلف، خوان زاراتي، في عمله بوزارة الخزانة الأميركية على تصميم ترسانة واشنطن من الأسلحة المالية رداً على أحداث 11 سبتمبر. ووفقاً لكتاب زاراتي، فبينما كانت التحالفات التي تقودها الولايات المتحدة تغزو العراق وأفغانستان، كان هناك "مقاتلون في بدلات رمادية" يشنّون "حرباً مالية" ضدّ أعداء واشنطن ومن يمولهم، بما في ذلك جماعات مثل القاعدة وحزب الله اللبناني وإيران.
بصفته نائب مستشار الأمن القومي لمكافحة الإرهاب، كان زاراتي من بين المهندسين الذين ساعدوا الولايات المتحدة الأميركية على استغلال سيطرتها على النظام المالي العالمي لتجميد حسابات من اعتبرتهم داعمين للتطرّف الراديكالي، بغض النظر عمّا إذا كان أولئك "مسؤولين جنائياً" أم لا.
وكانت إيران من بين الأعداء الذين خاض زاراتي معركة ضدهم أثناء عمله في وزارة الخزانة، وبحسب ما جاء في كتابه فإنّ "البنك المركزي الإيراني كان على استعداد لأن يكون مركزاً مصرفياً للأنشطة غير المشروعة"، وأن وزارة الخزانة الأميركية يمكنها الاستفادة من ضعف البنك وتطبق عليه أدوات "العزلة المالية". وبات عزل إيران عن النظام المالي العالمي هدفاً مرة أخرى لسياسة الولايات المتحدة في 8 مايو 2018، عندما انسحب الرئيس دونالد ترامب من الاتفاق النووي الإيراني الذي تفاوض عليه سلفه باراك أوباما في عام 2015.
لم يكن زاراتي وحده في وزارة الخزانة؛ إذ يسلط كتابه الضوء أيضاً على زميلَين عملا معه جنباً إلى جنب في الوزارة لتحويل الموقِع الريادي للولايات المتحدة في النظام المالي العالمي إلى سلاح، وهما: دانيال غلايسر وتشيب بونسي.
تكشف برقيات دبلوماسية أميركية مسربة نشرها موقع "ويكيليكس" كيف أنّ بونسي، الذي كان يمثل وزارة الخزانة بصفته مديراً لمكتب السياسات الاستراتيجية لتمويل الإرهاب والجرائم المالية، قد حضر سلسلة من اجتماعات الخبراء حول "تمويل الإرهاب" عُقدت في براغ وكانت جزءاً من قمة الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في عام 2009.
ووفقاً للبرقيات، شهدت الاجتماعات ضغط بونسي على قادة الاتحاد الأوروبي لتغيير نهجهم تجاه العقوبات المتعلقة بالإرهاب، والتي كانت تتطلب تحديد صلة بين الأموال والأعمال العنيفة لكي يجري فرض عقوبات على كيان ما.
خلال غداء عمل، كرّر بونسي "مراراً وتكراراً" أنّ الحكومة الأميركية لا ترى الخدمات الاجتماعية التي تقدمها حماس وحزب الله منفصلة عن الأعمال العنيفة التي تقوم بها أجنحتهما المسلحة، بغض النظر عن أن الغالبية العظمى من التمويل يُنفق على هذه الخدمات، وأوضَح أن واشنطن تريد من بروكسل "تصنيف حزب الله ككل" جماعةً إرهابية واتخاذ "أقوى الإجراءات المضادة الممكنة ضد إيران".
في غضون ذلك، شغل غلايسر منصب نائب مساعد وزير الخارجية لشؤون تمويل الإرهاب والجرائم المالية، وخلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين قام برحلات إلى الأردن ومصر والكويت والمملكة العربية السعودية للضغط على دول المنطقة لمواءمة سياساتها لمكافحة غسل الأموال مع سياسات مجموعة العمل المالي الدولية (the Financial Action Task Force) المعروفة اختصارا بـFATF وحرب واشنطن العالمية على الإرهاب، كما لعب دوراً أيضاً في تطوير أنظمة العقوبات الأميركية ضد إيران وكوريا الشمالية وروسيا.
وتكشف البرقيات المسربة أن غلايسر ناقش في اجتماعات مع الحكومة الإسرائيلية استراتيجية فرض ضغوط اقتصادية على إيران وتصنيف المؤسسات الخيرية التابعة لحركة حماس ووضعها على قوائم الحظر المالي.
وتركزت جملة من جهود غلايسر على تضييق حركة تدفقات الأموال النقدية عبر الحدود ومراقبة أنشطة الجمعيات الخيرية الإسلامية، باعتبارها قنوات تتلقى من خلالها الجماعات، "التي صنفتها واشنطن إرهابيةً"، دعماً مالياً.
خصخصة الحرب المالية على الإرهاب
بعد انتهاء فترة عملهم في وزارة الخزانة، خلع زاراتي وبونسي وغلايسر زيهم الرسمي وانتقلوا بسلاسة عبر "الباب الدوار" الفاصل بين العمل في القطاعَين العام والخاص، إذ أسّسوا شركة باسم (Financial Integrity Network (FIN في عام 2014.
لاحقاً، استحوذت على شركتهم K2 Intelligence وهي شركة متخصّصة في مكافحة الجرائم المالية (تأسست في عام 2009 من عائلة كرول)، ليشكلا معاً كياناً جديداً في 2019 بإسم "K2 Integrity"، وشغل فيها المسؤولون الثلاثة المخضرمون في وزارة الخزانة مناصب قيادية عليا.
وأسس جول كرول (المولود عام 1941) شركة "جيه كرول أسوشيتس" (J. Kroll Associates)، التي عُرفت لاحقاً باسم "كرول إنك" (Kroll Inc)، في عام 1972. والشركة التي حققت نجاحها الأول في كشف الفساد بقطاع الطباعة الأميركي، وسّعت عملياتها لاحقاً من مجرد تحقيقات مأجورة لتشمل الأعمال الجنائية، والخدمات الاستشارية المالية، وإدارة المخاطر. وبفضل نجاحات كرول، بما في ذلك تتبع الأصول المرتبطة بطاغية هايتي جان كلود دوفالييه "بيبي دوك"، والرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، ولاحقاً نُسب إليه الفضل في ابتكار صناعة التحقيقات الخاصة المؤسسية الحديثة Private Investigators.
ورغم الألقاب والنجاحات التي حققها كرول الأب، فإنّ مسيرته المهنية لم تخلُ من الجدل؛ إذ واجهت شركته اتهامات بالتستر على رجل مال مريب أُدين لاحقاً بإدارة "مخطط بونزي" للاحتيال بقيمة 7 مليارات دولار، وإن كان جول كرول قد نفى لاحقاً تعمد التستر، مدعياً بدلاً من ذلك أن شركة "كرول إنك" قد "أخطأت التقدير".
وفي وقت لاحق من عام 2004، باع كرول شركته التي تحمل اسمه إلى مجموعة التأمين العملاقة "مارش آند مكلينان" (Marsh & McLennan) مقابل 1.9 مليار دولار أميركي.
وفي عام 2009، أسس جول وابنه الأكبر جيريمي شركة (K2 Global Consulting)، وهي شركة تحقيقات جديدة غيّرت اسمها التجاري إلى (K2 Intelligence) في عام 2012، قبل أن تستحوذ على شركة (FIN) وتتحول إلى (K2 Integrity) في عام 2019. ولم يتسنَّ الوصول إلى جول كرول للتعليق، بينما لم يقدم جيريمي كرول تعليقاً حتى وقت النشر.
ويمثل تركز المسؤولين السابقين في مجال العقوبات في الإدارة العليا لشركة "K2 Integrity" خروجاً عن المألوف مقارنةً بالشركات الدولية الأخرى التي كان من المحتمل أن تكون في وضع يسمح لها بتقديم خدمات مماثلة لعملاء "K2 Integrity" في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. فبينما يمتلك عادةً كبار المسؤولين في الأربع الكبار (كبرى شركات الخدمات المهنية الأربع في العالم وهي ديلويت Deloitte وبرايس ووترهاوس كوبرز PwC وإرنست ويونغ EY وكي بي إم جي KPMG) سجلات حافلة في مجالات التدقيق أو الضرائب أو الاستشارات، نجد أن قيادات "K2 Integrity" هم مسؤولون سابقون متخصصون في فرض العقوبات. ولم يرد زاراتي ولا غلايسر ولا بونسي على طلبات التعليق الموجهة إليهم.
روابط مع تل أبيب
عمل كوبي بامبيليا، المدير التنفيذي لشركة "K2 Integrity"، مدعياً عاماً سابقاً في إسرائيل كما أنه رائد متقاعد في الجيش. قبل الاندماج مع شركة FIN، كان لدى "K2 Intelligence" شركة تابعة في تل أبيب، وهي "K2G Global"، التي كانت مسؤولة عن التحقيقات السيبرانية. وفي عام 2017، فصلت عائلة كرول هذا الفرع ليصبح شركة مستقلة للأمن السيبراني تعرف اليوم باسم "BlueVoyant"، ورغم هذا الانفصال لا تزال "K2 Intelligence" هي أكبر مساهم في "BlueVoyant".
وتضمنت قيادة "BlueVoyant" العديد من المسؤولين الاستخباراتيين السابقين؛ فمديرها العالمي لقسم استخبارات التهديدات رون فيلر كان يشغل سابقاً منصب نائب قائد "الوحدة 8200". وتُعد هذه الوحدة – التي خدم فيها فيلر لما يقرب من 26 عاماً – الذراع السيبرانية للقوات المسلحة الإسرائيلية المسؤولة عن التجسس على الفلسطينيين. كما أن رئيس وحدة استخبارات الشبكة المظلمة (الدارك ويب) في الشركة غاد غولدشتاين كان لواءً سابقاً في جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشين بيت)، ومن بين القادة البارزين فيها. ومن بين القادة البارزين الآخرين في الشركة، السياسي البريطاني بيتر ماندلسون، سيّئ السمعة والمقرب من جيفري ابستين، والذي شغل منصب رئيس الأعمال الأوروبية.
علاقات K2 Integrity مع وزير خزانة ترامب
حصلت BlueVoyant على 250 مليون دولار في جولة تمويل قادتها شركة Liberty Strategic Capital، وهي شركة استثمار خاصة أسسها ويرأسها ستيفن منوشين الذي انضم إلى مجلس إدارة شركة الأمن السيبراني. وكان منوشين قد شغل منصب وزير الخزانة في الإدارة الأولى للرئيس الأميركي دونالد ترامب (2017-2021) ولعب دوراً حاسماً في حملة العقوبات المعروفة بـ"الضغط الأقصى" ضد إيران.
وتستثمر شركة منوشين بكثافة في قطاعي التكنولوجيا والأمن السيبراني الإسرائيليين، اللذين يُعتبران حاسمين لأمن إسرائيل، وتمتلك مكتباً في تل أبيب. وأفادت تقارير بأن يوسي كوهين، المدير السابق للموساد الإسرائيلي، كان يناقش لفترة من الوقت الانضمام إلى الشركة.
وقد أثارت الصلات المفترضة بين اسرائيل وشركة "BlueVoyant" مخاوف بشأن الاتفاق بين البنك المركزي العراقي وشركة "K2 Integrity"، إذ يجرّم القانون العراقي الصادر عام 2022 التطبيع أو إقامة علاقات مع الكيان الصهيوني، بما في ذلك على سبيل المثال لا الحصر المجالات الدبلوماسية أو الاقتصادية أو العسكرية أو الأمنية أو الثقافية.
وفي إفادة مكتوبة، أوضح مكتب "أسامة طعمة للخدمات القانونية والاستشارات" في بغداد أن إدانة أي كيان بانتهاك قانون مناهضة التطبيع يتطلب إثبات وجود صلة قانونية مباشرة مع إسرائيل مثل أن تكون مسجلة في إسرائيل أو تخضع لسيطرة قانونية إسرائيلية مباشرة، مشيراً إلى أنه بناءً على ذلك قد لا ينطبق القانون على شركة "k2".
الضغط على بغداد
كان من النتائج المباشرة لـ"الحرب العالمية على الإرهاب" التي شنتها الولايات المتحدة عقب 11 سبتمبر/ أيلول 2001 توسع النفوذ الإيراني في العراق عقب الإطاحة بنظام صدام حسين، إذ سعت الجمهورية الإسلامية إلى عرقلة التحالف الغربي عبر دعم فصائل عقائدية موالية لها والتأثير على العملية السياسية ومنع تشكيل حكومة صديقة للولايات المتحدة.
ورداً على ذلك، أطلقت وزارة الخزانة الأميركية وكان يعمل بها آنذاك أعضاء من القيادة العليا الحالية لشركة "K2 Integrity"، حملة تضييق ضد إيران سعت عبرها للربط بين المؤسسات المالية للجمهورية الإسلامية ودور الحرس الثوري الإيراني لزعزعة استقرار احتلال العراق الذي قادته الولايات المتحدة.
الاحتيال على مزاد الدولار اليومي
بعد الغزو الأميركي للعراق، صممت وزارة الخزانة الأميركية إطار عمل، بناءً عليه أصبحت عائدات النفط العراقية تُحتجز في الولايات المتحدة لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، ويعقد البنك المركزي العراقي مزاداً علنياً يومياً لبيع هذه الدولارات للبنوك العراقية وشركات الصرافة والوساطة الماليّة، وهو ما اعتمدت عليه الشركات العراقية في استيراد السلع التي تحتاجها البلاد بشكل كبير.
وكثيراً ما كانت واشنطن تثير اتهامات ومخاوف بأن العملة الأميركية يتم تحويلها وضخها في جيوب النخب المحلية والشبكات الإجرامية، وذلك عبر شراء الدولارات المعروضة في المزاد لتمويل "واردات وهمية" لم تصل إلى العراق أبداً، وأن جزءاً على الأقل من هذه الدولارات، إن لم يكن معظمها، يتوجه إلى إيران، وذلك في ظل سنوات من العقوبات الأميركية التي أدت إلى حرمان الحكومة هناك من العملة الصعبة.
ومثالاً على ذلك ما شهده عام 2012 من ارتفاع في الطلب على الدولار بنحو 50%، في ردة فعل على تشديد العقوبات الغربية على الجارتين سورية وإيران، ووصفه حينئذ نائب محافظ البنك المركزي العراقي بـ"هجوم العملة" على الدينار العراقي.
لكن منذ عام 2022، ضغطت وزارة الخزانة الأميركية والبنك الاحتياطي الفيدرالي على القطاع المالي العراقي لمنع تدفق الدولار إلى إيران وسورية عبر عدة إجراءات، منها تعيين مسؤولين متشددين تجاه طهران معروفين بـ"صقور إيران" في مناصب عليا في البنك، ما أدى إلى تبني سياسات أكثر عدوانية. وفي تصريحات خاصة، كشفت مصادر على دراية بالعلاقة بين المؤسسات المالية العراقية والسلطات الأميركية تهديد الولايات المتحدة بقطع إمدادات الدولار من حساب العراق في بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك لضمان امتثال البنك المركزي العراقي.
وتُظهر بيانات البنك المركزي العراقي المتاحة للجمهور أن مسؤولين رفيعي المستوى اجتمعوا مع ممثلين عن وزارة الخزانة والبنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي سبع مرات على مدار عام 2022.
وكشفت المصادر لمعد التحقيق، أن البنك المركزي العراقي وقع عقدين مع شركة "K2 Integrity" في عام 2023، كان الأول في أوائل فبراير/ شباط لتدقيق معاملات البنك الذي أتم توقيع العقد الثاني في أغسطس/ آب لمراجعة أداء البنوك التي يُعتقد أنها قامت بمعالجة معاملات مشبوهة. ووفقاً لمصادر طلبت عدم الكشف عن هويتها، منحت هذه العقود الشركة الأميركية وصولاً غير مقيد تقريباً إلى بيانات معاملات البنك المركزي وأنشطته التجارية.
وبلغت الضغوط الأميركية على العراق ذروتها في يوليو/تموز 2023، عندما منعت الولايات المتحدة 14 بنكاً عراقياً من إجراء معاملات بالدولار الأميركي، ما أدى إلى عزلها عن النظام المالي الدولي. وزعم مسؤولون أميركيون، استناداً إلى تحقيقات أجرتها شركة "K2 Integrity"، أن البنوك المدرجة على القائمة السوداء قامت بغسل أموال بالدولار نيابة عن أفراد خاضعين للعقوبات ولصالح الحكومة الإيرانية.
وتنظر بعض الجماعات العقائدية الموالية لإيران في العراق إلى الطرق المختلفة التي تسعى بها وزارة الخزانة الأميركية للتأثير على التدفقات المالية بما يتماشى مع مصالح أميركا على أساس أنها "احتلال اقتصادي" بحسب ريناد منصور، مدير مبادرة العراق في تشاثام هاوس، مضيفاً في تصريحات خاصة أن "آخرين قد يقولون إن النظام كان فاسداً لفترة طويلة لدرجة أن هذا الأمر ضروري لتنظيف القطاع المصرفي". ولم يرد كل من البنك المركزي العراقي أو شركة "K2 Integrity" على طلباتنا للتعليق.
غموض عقد المصرف المركزي اللبناني
وقع المصرف المركزي اللبناني "BdL" عقداً مدته ثلاث سنوات بقيمة 12 مليون دولار أميركي مع شركة "K2 Integrity" في منتصف عام 2025، وقدمه باعتباره ضرورياً لخروج لبنان من القائمة الرمادية للجنة مجموعة العمل المالي المعروفة بـ "FATF"، والتي تضم بلداناً تعتبر اللجنة أن أنظمتها لمكافحة غسل الأموال ومكافحة الإرهاب ضعيفة، ما يعرضها لخطر الانعزال عن النظام المالي العالمي.
ورغم أن الكثيرين من اللبنانيين يدركون ضرورة إزالة لبنان من هذه القائمة، إلا أن نواباً ومحللين سلطوا الضوء على مخالفات إجرائية شابت الاتفاقية المبرمة بين البنك المركزي وشركة "K2 Integrity". فقبل أشهر فقط من توقيع العقد، كانت وحدة الاستخبارات المالية التابعة للبنك المركزي اللبناني قد أنشأت لجنة مع مرفق الاتحاد الأوروبي العالمي لمكافحة غسل الأموال، ما دفع كثيرين إلى التساؤل عن الحاجة إلى عقد مكلف مع شركة أجنبية يستمر حتى عام 2028 بينما حددت مجموعة العمل المالي "FATF" عام 2026 موعداً نهائياً لخروج لبنان من القائمة الرمادية.
ورغم تقديم النائبة بولا يعقوبيان استفساراً رسمياً مع عدد من النواب الآخرين إلى الحكومة اللبنانية ومصرف لبنان بشأن طبيعة العقد قبل أسابيع من توقيعه، لم يلتزم أياً منهما بتقديم رد مكتوب، وبقي استفسار النواب دون إجابة، إلى أن أعلن المصرف عن الاتفاق أمراً واقعاً.
وفي إفادة مكتوبة، قالت يعقوبيان إن الاتفاق نوقش "خلف أبواب مغلقة"، وإن غموض عمليات الشراء الحكومية "قوض الثقة في الحكومة ووكالاتها على مدى عقود".
وبينما ينص قانون الشراء العام في لبنان على أن تخضع جميع الكيانات الحكومية لإجراءات تضمن الشفافية والمنافسة في المناقصات تحت إشراف هيئة الشراء العام، تحايل المصرف المركزي على ذلك بالاستشهاد باستثناء حالات محددة بدقة تشمل الأمن السيبراني، والأنظمة المصرفية الأساسية، والبنية التحتية الحساسة التي لا يمكن الكشف عن مواصفاتها علناً لأسباب أمنية.
ورفض تقرير قانوني رسمي صادر عن رئيس هيئة الشراء العام اللبنانية نُشر في أواخر أغسطس 2025 ادعاء المصرف المركزي بأن الاتفاقية مع شركة "K2 Integrity" تندرج ضمن الفئات التي تتطلب السرية، وكشف أن هيئة الشراء العام لم تطّلع على تفاصيل الصفقة. وبناءً على ذلك أحيلت القضية إلى مكتب المدعي العام، لكن حتى يومنا هذا لم يوضح البنك المركزي تفاصيل الاتفاقية.
الجدير بالذكر أن شركة عائلة كرول كانت ضمن القائمة المختصرة لإجراء تدقيق جنائي للمصرف المركزي اللبناني في عام 2020 في أعقاب الأزمة المالية اللبنانية، ولكن بسبب الصلات المفترضة بين الشركة وإسرائيل، رسى عقد تدقيق البنك المركزي اللبناني على شركة Alvarez & Marsal الأميركية. ولم يرد كل من مصرف لبنان المركزي ولا شركة "K2 Integrity" على طلبات التعليق حتى موعد النشر.
تشديد الخناق على موارد حزب الله المالية
كُلفت شركة "K2 Integrity" برسم خريطة للاقتصاد النقدي في لبنان (الكاش)، الذي نما وهيمن عقب انهيار القطاع المصرفي في عام 2019، في ظل أن الاقتصادات النقدية معروفة بغموضها الشديد وتخلق ظروفاً مثالية للتدفقات المالية غير الخاضعة للرقابة.
وتستهدف واشنطن منذ عهد زاراتي وغلايسر وبونسي في وزارة الخزانة منع إيران من استخدام النقد لتحويل الأموال إلى حزب الله، وزاد الإصرار على ذلك في عهد ترامب في ظل ما يُنظر إليه حالياً باعتباره ضعفاً ملحوظاً لإيران. وفي هذا السياق، فُرضت عقوبات منذ 2007 على مؤسسة "القرض الحسن" المرتبطة بحزب الله، كما جعلت إسرائيل فروعها في لبنان هدفاً رسمياً لهجماتها منذ عام 2024، إلا أن منظمة العفو الدولية طالبت بالتحقيق في ما جرى باعتبار عمليات القصف جرائم حرب لانتهاكها القانون الدولي.
ومن غير الواضح ما إذا كانت المعلومات التي جمعتها شركة "K2 Integrity" خلال أنشطتها قد استُخدمت لاستهداف عمليات تهريب الأموال النقدية التي يقوم بها حزب الله، لكن في نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، أي بعد أشهر قليلة من بدء شركة "K2 Integrity رسم خريطة الاقتصاد اللبناني، أصدر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) التابع لوزارة الخزانة الأميركية عقوبات اتهمت أفراداً بتحويل عشرات الملايين من الدولارات نقداً من إيران إلى حزب الله باستخدام مكاتب الصرافة اللبنانية.
صحناوي وغلايسر
في منتصف عام 2025، وقف رجلان في بهو مركز كينيدي للفنون المسرحية في واشنطن، وذراعا كل منهما خلف الآخر، يبتسمان للكاميرا.
على اليسار عدي عزرا، مغني تينور (أعلى طبقة صوتية غنائية لدى مطربي الأوبرا الرجال)، شارك في أوبرا "ثيودور" التي تتناول حياة ثيودور هرتزل، الأب الروحي للصهيونية. وعلى اليمين أنطون صحناوي، مصرفي ومنتج سينمائي لبناني مقيم في موناكو، قام بتمويل "مبادرة الأوبرا الأميركية-الإسرائيلية"، التي أسسها دانيال غلايسر، المسؤول في شركة "K2 Integrity" ، عقب "رحلة عمل إلى تل أبيب".
يشغل صحناوي منصب رئيس مجلس إدارة ومساهم الأغلبية في بنك سوسيتيه جنرال في لبنان "SGBL"، وهو ثالث أكبر بنك في لبنان من حيث الأصول وهو خاضع لرقابة مصرف لبنان المركزي.
وراء الكاميرا تقف هاجر الشمالي، وهي مسؤولة سابقة في وزارة الخزانة الأميركية ومستشارة لصحناوي، وكانت قد وصفت علاقته مع غلايسر ذات مرة قائلة إنهما "صديقان مقربان".
يشغل صحناوي منصب عضو في مجلس إدارة معهد النزاهة المالية "IFI" إلى جانب غلايسر وتشيب بونسي، ويقدم المعهد خدمات التدريب في مجال الامتثال ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. وقد لعب المعهد منذ عام 2025 بالشراكة مع البنك المركزي العراقي "CBI" وشركة K2 Integrity دوراً في تدريب الموظفين في ثلاثة بنوك عراقية: البنك الوطني العراقي، والبنك العراقي الأول، وبنك التنمية الدولي.
وتواجه تعاملات صحناوي تحقيقات متعددة بشأن اتهامات بجرائم مالية؛ إذ تستهدف سوسيتيه جنرال دعوى قضائية في الولايات المتحدة تتعلق بمزاعم غسل الأموال، فيما يتهمة المدعون بالمسؤولية عن الأضرار التي تسبب فيها حزب الله، نظراً لأن أحد البنوك التي استحوذ عليها سابقاً، وهو البنك اللبناني الكندي، تقاعس عن إغلاق حسابات تابعة للحزب بعد اندماج البنكين في عام 2011.
ورغم هذه الدعاوى، يمثل صحناوي لواشنطن وتل أبيب حليفاً رئيسياً لـ"مقاتلي الخزانة" الذين يرتدون البدلات الرمادية. ولم يرد صحناوي على طلبنا للتعليق قبل موعد النشر.
وزارة الخزانة تدخل الحرب مرة أخرى
في مقال أكاديمي نُشر عام 1998، جادل خوان زاراتي، الذي يشغل حالياً منصب المدير الاستراتيجي في شركة "K2 Integrity"، بأن فائض العسكريين السابقين سيقوم في أعقاب انتهاء الحرب الباردة ببيع خدماتهم للحكومات في بلدان الجنوب.
وتنبأ زاراتي أيضاً بأن الحكومات لن تتمكن أبداً من كسب ولاء هؤلاء المرتزقة حقاً بسبب الروابط الشخصية والمهنية العميقة التي تربطهم بالمؤسسة الدفاعية في وطنهم. وبدلاً من ذلك، فإنهم "سيعملون بصفة وكلاء للسياسة الخارجية الأميركية تحت ستار المشاريع الخاصة".
في وقت لاحق، صوّر زاراتي نفسه وزملاءه في وزارة الخزانة على أساس أنهم أطراف متحاربة في حرب مالية ضد أعداء الولايات المتحدة، يخوضونها باستخدام الشركات الوهمية والعقوبات والتدفقات المالية.
والسؤال هو: عندما غادر "المقاتلون ذوو البدلات الرمادية" الحكومة الأميركية ووصلوا في النهاية للإشراف على عمليات شركة "K2 Integrity" في العراق ولبنان وليبيا، هل كانوا "يعملون بصفة وكلاء للسياسة الخارجية الأميركية تحت ستار المشاريع الخاصة"؟
النسخة الإنجليزية من التحقيق : The New Arab
ساهم في التحقيق من العراق: دانا طيب منمي وسعاد الصالحي.

Related News
هوايات يومية قد تحميك من الخرف
aawsat
9 minutes ago
الصين: أبحاث جريئة حول إنجاب الأطفال في الفضاء
aawsat
10 minutes ago