ذلك الانتباه القديم
Arab
3 days ago
share
بعض الطفولات لا تنتهي فعلاً، لا لأنّها تبقى في الذاكرة فحسب، بل لأنها تستمر داخل الجسد نفسه، في تفاصيل كثيرة منه، في طريقة الجلوس، والانتباه، والاستماع، وحتى في الطريقة التي يشعر بها الإنسان بالأمان من دون أن يفكّر في الأمر مباشرة. أفكّر أحياناً في ذلك الكاتب الذي خرج من طفولة قاسية في أطراف الجوع والعنف والخوف. بعد ذلك قضى حياته كلّها تقريباً يكتب بشكل أو بآخر عن ذلك الطفل الذي لم يغادره بالكامل. لم تكن قوّة كتابته في الصدمة وحدها، بل في أنّه كشف شيئاً يعرفه كثيرون بصمت. تحدّث بصدق عاري جعل القارئ يشعر أنّ الرجل، حتى وهو يتحدّث عن الحانات والنساء والشوارع والمنافي الصغيرة، كان ما يزال يتحرّك بالجهاز العصبي نفسه الذي تشكّل في طفولته الأولى.  يمكن أحياناً ملاحظة ذلك في تفاصيل تبدو عادية جداً. يدخل بعض الناس مقهى مزدحماً، فتتحرّك عيونهم تلقائياً نحو الأبواب والمخارج قبل أن يجلسوا. يختارون المقاعد التي تمنحهم رؤية واضحة للمكان، أو يشعرون براحة خفيفة حين يكون ظهرهم إلى الحائط. لا يفكّرون في الأمر كثيراً، كأنّه مجرّد تفضيل شخصي أو تفصيل شخصي عابر. لكن بعض التفاصيل الصغيرة ليست صغيرة فعلاً. أحيانًا تكون آثاراً بعيدة لشيء تعلّمه الجسد في وقت مُبكّر جداً، ثم احتفظ به حتى بعد أن تغيّرت الحياة كلّها. إنّها نتيجة عملية لما تعلّمه الجسد مُبكّراً: الطمأنينة مرتبطة بالقدرة على مراقبة ما يحدث وتوقّع تفاصيله. لم تكن قوّة كتابته في الصدمة وحدها، بل في أنّه كشف شيئاً يعرفه كثيرون بصمت أتذكّر أنني، في إحدى المدن الأوروبية قبل سنوات، كنت أجلس مع صديق في مطعم صغير قرب محطة قطارات. لم أكن قد التقيته منذ سنوات طويلة مرّت عليه خلالها أحداث كثيرة. كان المكان هادئاً، والموسيقى خافتة في الخلف، والناس يتحدّثون بأصوات منخفضة. ومع ذلك، كان صديقي يلتفت كلّ بضع دقائق نحو الباب كلّما دخله شخص جديد. لم يكن مُرتبكاً، ولم يكن يبدو خائفاً. كان يتحدّث ويضحك بصورة طبيعية ويحدّثني عن نجاحاته الأخيره، لكن جزءاً صغيراً منه بقي هناك، قرب الباب، يراقب العالم من دون توقّف. كنت أعرف شيئاً عن طفولته الصعبة، وأعرف أيضاً أنّ حدثاً مؤلماً كان قد مرّ مؤخّراً بأحد أطفاله. لكنني يومها رأيت، للمرّة الأولى بوضوح، كيف تبقى بعض التجارب القديمة حيّة داخل الجسد حتى بعد مرور سنوات طويلة، وكيف تستطيع أحداث جديدة أن تعيد إيقاظها بهدوء. لم يكن الأمر توتّراً واضحاً، بل يقظة خفيفة يصعب إطفاؤها بالكامل. في البداية بدا الأمر مجرّد عادة شخصية، لكنني أدركت لاحقاً كم يحمل بعض الناس طفولتهم داخل أجسادهم من دون أن ينتبهوا. كأنّ شيئاً قديماً يواصل الحراسة بصمت، حتى بعدما تنتهي الأسباب الأولى للخوف. يومها فكّرت أنّ بعض الناس لا يغادرون أماكنهم القديمة بالكامل، حتى وهم يعبرون قارات كاملة. الطمأنينة مرتبطة بالقدرة على مراقبة ما يحدث وتوقّع تفاصيله وهناك من ينتبه أكثر مما ينبغي إلى نبرة الصوت أو التغيّرات الصغيرة في تعابير الوجوه. يقرأ التوتّر قبل أن يُقال، ويلتقط الإشارات الخفية بسرعة تكاد تكون مرهقة. ليست موهبة اجتماعية دائماً، بل بقايا يقظة قديمة، تعلّمها الطفل حين كان عليه أن يفهم مزاج البيت قبل أن ينقلب فجأة. حتى الأصوات تصبح مختلفة أحياناً. باب يُغلق بقوّة. صراخ بعيد. حركة مفاجئة في مكان مزدحم. أشياء تمرّ عابرة عند كثيرين، لكنها تترك داخل آخرين ارتجاجاً خفيفاً لا يُرى بسهولة. ليس لأنهم أضعف، بل لأنّ أجسادهم تعلّمت، في وقت مبكّر جداً، أن تبقى متأهّبة. وربّما لهذا أيضاً يميل بعض الناس إلى تجنّب الخلافات حتى وهم غير مقتنعين. لا خوفاً دائماً، بل لأنّ التوتّر نفسه يبدو مرهقاً أكثر ممّا ينبغي. كأنّ الجهاز العصبي يفضّل السلامة على المواجهة، حتى لو جاء ذلك أحياناً على حساب الوضوح أو الرغبة أو حتى الكرامة. كلّما تقدّمت في العمر، بدأت أرى هذه الأشياء بطريقة أقلّ قسوة. ما نسميه أحياناً "طبعاً" أو "تعقيداً" قد يكون في أحيان كثيرة مجرّد محاولات قديمة للبقاء. الطفل الذي عاش طويلاً في جو غير آمن، لا ينسى ذلك بالكامل حين يكبر. قد ينجح ويسافر ويبني حياة مستقرة، لكن شيئاً داخله يظلّ يراقب العالم بدرجة أعلى قليلاً من اللازم. بعض الناس لا يغادرون أماكنهم القديمة بالكامل، حتى وهم يعبرون قارات كاملة وربما لهذا ظلّ ذلك الكاتب، بكلّ حدّته وصدقه البديع، قريباً من الناس رغم قسوته الظاهرة. لأنّ كثيرين رأوا داخل كتابته شيئاً يعرفونه من دون أن يملكوا الكلمات له. رأوا أثر الطفولة حين تتحوّل من مرحلة عابرة إلى طريقة كاملة في الإحساس بالحياة. مع كلّ ذلك، لا أظن أنّ فهم هذه الأشياء يجب أن يقود إلى الشفقة على الذات. على العكس. هناك شيء يهدأ حين يفهم الإنسان أنّ بعض ما يحمله داخله لم يكن ضعفاً، بل محاولات مُبكّرة للنجاة. وأنّ هذا الانتباه الزائد وهذا الحذر، وحتى ذلك التعب الخفي الذي يرافق البعض في الأماكن المزدحمة أو العلاقات المُتوتّرة، لم يكن دائماً علامة خلل، بل أثراً قديماً لرغبة عميقة في البقاء. وعندما يرسل الجسد إشارات الحذر والتوتّر والانتباه، لم يكن يحاول إيذاءه، بل حمايته بالطريقة الوحيدة التي عرفها يوماً. ربما لا نتحرّر بالكامل من طفولتنا. لكننا، مع الوقت، قد نتعلّم أن ننظر إليها بقدر أقل من الخوف، وبشيء أكبر قليلاً من الرحمة.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows