Arab
طالت الحرب. طالت كثيرًا. صحيح أنّنا "معتادون"، إن جاز القول على الحروب طالما أنّ هذا الكيان المُجرم والعدواني قابع جغرافياً بجانبنا، لكن الحرب طالت هذه المرّة كثيراً. وأكثر الناس إحساسًا باستطالتها واستيلائها على يومياتنا، هم أولئك النازحون الذين فرغت جيوبهم بتدمير العدو بيوتهم وأشغالهم، وبالتالي تعطّل موارد رزقهم، إن كانت زراعة أو صناعة، وظيفة في مدرسة أو في مستشفى. هكذا، أنفقوا مدّخراتهم على أجور الشقق البديلة لبيوتهم المُهدّمة، أو على مجرّد تأمين حاجيات أيامهم، ولو بالحدّ الأدنى في أماكن مكوثهم المؤقّت.
نزح الجنوب بغالبية أهله وكذا الضاحية الجنوبية لبيروت وبعض البقاع، كلّهم، إلى بقية البلاد. فازدحمت جغرافيتنا الضيّقة أصلاً، وامتلأت بهم المساكن والمدارس، وحتى أرصفة الطرقات التي اختنقت بعديد الخيم المؤقّتة.
وإن كان الكثيرون، خاصّة أصحاب الشقق المؤجّرة، قد استفادوا من تأجير ممتلكاتهم للنازحين، لا بل إنّ بعضهم استغلّ ظروفهم وقام بنهبهم حرفياً بإيجارات خيالية، فضلًا عن وضعهم تحت المُراقبة كما لو كانوا من الأعداء، إلا أنّ هذا "المورد"، حتى لهؤلاء المُستغلّين، جفّ أو سوف يجفّ قريباً.
فلقد طالت الحرب، وطال النزوح واستطاب قصر ذات اليد المقام. كما فرغت جيوب المُتضامنين الذين استهلَكت مبادرات فردية حاولت التعويض عن تقصير الدولة، ما تملكه أياديهم.
النازحون أصحاب مهن وأرض وقدرات، ونحن، بقية البلاد التي استضافتهم بحاجة إلى أشياء كثيرة، فلم لا نصطاد سوياً؟
لا مصلحة لأحد في هذا الوضع إن طالت الحرب أكثر. وهي طالت. فما العمل؟ كيف نقاوم؟ يبذل المقاومون أرواحهم على الجبهات، يقدّمون شبابهم ومستقبلهم لكي تبقى على الأقل أرضنا لنا ونبقى أحراراً. ونحن، ما الذي علينا أن نفعله بالمقابل؟ تصلنا يومياً نداءات استغاثة من كلّ مكان. نمدّ أيدينا إلى جيوبنا التي فرغت، فلا نجد فيها إلا القليل مما يمكن بعد تقاسمه.
انسوا الدولة. فهي فوق هشاشة كيانها المُهدّد بالانقراض، وفوق تآمر بعضها مع مافيا المصارف، حتى قبل الحرب، على سرقتنا، يتآمر بعضها الآخر اليوم على تمديد فترة النزوح، وعزل النازحين عن مواطنيهم بالفتن الداخلية الطائفية، وتصويرهم، وفق الهدف الإسرائيلي، خطراً على بقية المواطنين.
فما العمل؟
فلنفكّر: هؤلاء النازحون من هم؟ ما الذي كانوا يمتهنونه قبل تهجيرهم من بلداتهم ومدنهم ومزارعهم التي تبيدها إسرائيل بالقصف الحرّ وبالمبيدات والفوسفور الأبيض المُحرّم دولياً؟
لقد كانت لكلّ هؤلاء أشغال في مختلف نواحي الحياة. بينهم المزارع والطبيب، المُمرّض والسمكري، الميكانيكي والمهندس والأستاذ والبنّاء والسائق وصاحب المطعم أو الفرن... إلخ.
ألا يمكن أن نحاول استيعابهم بما هم مختصون به في أماكن نزوحهم؟ ألا يمكن أن نجد لهم أعمالاً يستطيعون من خلالها تأمين تكاليف معيشتهم ولو بالحدّ الأدنى للحفاظ على كرامتهم؟ كيف من المُمكن الاستفادة منهم، خصوصًا وأنّ الكثير من البلدات والقرى التي نزحوا إليها تفتقر إلى اليد العاملة في بعض أو كلّ تلك الاختصاصات التي ذكرتها فضلًا عن غيرها؟
اعرف مثلا أنّ قرية مثل قريتي بحاجة ماسة إلى نقطة صحية. فهي تفتقر حتى إلى مُسعفين يعرفون القيام بخدمة الإسعافات الأولية في حين إنّ أقرب مستوصف يبعد عشرات الكيلومترات، ولا نقل عامّاّ متوفّر.
هناك قرى تفتقر إلى جزّار أو فرن أو عمّال مزارع أو أساتذة للمدرسة أو حتى مقهى. فالنزوح من الريف لم يكن دوماً بسبب الحرب، بل لأنّ العائلات كانت تهجر قراها إلى الساحل والمدن وضواحيها من أجل تعليم الأولاد، ومن أجل الوظائف. وشيئًا فشيئًا صار الازدحام في المدن فرصة للعمل مع كثرة الناس، في حين فرغت القرى حتى من الخدمات الأساسية.
تفتقر أيضا بعض القرى إلى مزارعين أصحاب خبرة، وحتى إلى نقليات تؤمّن الوصول إليها، لأنّه، كما يعرف الجميع ليس هناك من نقل مشترك فعّال، خصوصًا في الأطراف. ألا يمكن أن يشتغل النازحون لتأمين خدمة كهذه؟
طبعًا هذه أفكار أولية تفتقر إلى التدقيق في التفاصيل حيث تكمن شياطين كثيرة، ليس أقلّها نقص الموارد، ولا أخرها اختيار بعض البلديات الامتناع عن المساعدة، تارة من محيط طائفي مُعاد، أو حتى من مؤسسات الدولة.
ليس لنا إلا بعضنا في هذا الخواء العظيم، هذا العراء المواطني. علينا قدح زناد عقولنا للابتكار، وهذا ما بدأت تباشيره تظهر فعلاً.
شعورك بأنّك تعمل، ولست فقط في حالة انتظار قاتلة، يساعدك على الاستمرار لتجاوز هذا الظرف المؤقّت
هناك بلديات بدأت التحرّك، كما في مبادرة اتحاد بلديات الضاحية التي دعت المواطنين لدعم أهلها بشراء حاجياتهم من تجارها أونلاين. وهناك أفكار أخرى كما في إنشاء منصّة تعرض وتحصي أصحاب المهن من النازحين مع أرقام هواتف تساعد على الاتصال بهم لتوظيفهم ولو موسميًا في أماكن نزوحهم. كلّ منا يستطيع أن يوفّق بين صاحب عمل وعامل. مثلًا صادفت صاحب باص صغير من أهل الجنوب نزح إلى بيروت واستأجر بيتاً بالقرب من العاصمة. تعارفنا وفكّرت بتقديمه إلى شركة سياحية ليعرض عليها تقديم خدمة إيصال المسافرين الذين يتعاملون معها، من وإلى المطار، مقابل أجر معقول تدفعه له الشركة. فهذه الخدمة قد تشجّع المسافرين على اختيار هذه الشركة من دون غيرها، خاصة إن كانوا من المتضامنين.
أمّا الممرضة التي تعرّفت إليها في خيمة من خيم النازحين فقد خطر لي أنّه من الممكن الاستفادة من خبرتها بالإقامة مع إحدى المسنات الوحيدات للاعتناء بها مقابل أجر شهري.
أحد الأطباء عرض على طبيب زميل له دُمِّرت عيادته في الضاحية، استخدام عيادته في أوقات لا يكون هو فيها، وقد يقلّده آخرون، خصوصاً إن كان الطبيب النازح من اختصاص آخر.
هكذا، سنوفّر لبعض أصحاب المهن أعمالاً مأجورة، تعينهم ماديا ونفسياً. فحين تنتج، خصوصاً في ظرف النزوح، فأنت تكسب قوت يومك بنفسك، حتى ولو كنت تحصل على إعانة. وشعورك بأنك تعمل ولست فقط في حالة انتظار قاتلة، يساعدك على الاستمرار لتجاوز هذا الظرف المؤقّت.
هناك مثل صيني شهير أحبّه كثيرًا يقول: بدلًا من أن تعطي المُحتاج سمكة، اعطه صنارة وعلّمه اصطياد رزقه. النازحون أصحاب مهن وأرض وقدرات، ونحن، بقية البلاد التي استضافتهم بحاجة إلى أشياء كثيرة، فلم لا نصطاد سوياً؟
Related News
المصريون يحتفلون بالعيد في الشواطئ والحدائق
aawsat
5 minutes ago
11 طعاماً تحتوي على بروتين أكثر من البيض
aawsat
7 minutes ago