Arab
يؤكد باحثون وعاملون في مجال الرعاية الصحية في الولايات المتحدة أن الحملة على المهاجرين التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب تُفاقم أزمات الصحة النفسية في أوساط المهاجرين، ما يهدد حياة بعضهم.
يملك مركز زوكالو هيلث للرعاية الصحية الأولية شبكة عيادات في كاليفورنيا وماريلاند، ويقدّم خدماته لعائلات لاتينية تستفيد من برنامج ميديكيد (Medicaid)، ويرصد الأثر الذي تُخلفه حملة ترامب الصارمة على الهجرة على الصحة النفسية، مؤكداً أن "تطبيق قوانين الهجرة يشكل ضغطاً حقيقياً على الصحة العامة للمستهدفين، وأن شخصاً واحداً من كل ثمانية واجه أفكاراً انتحارية، وهذه نسبة أكثر من ضعف معدل الأفكار الانتحارية لدى عموم السكان".
تقول المديرة التنفيذية للصحة السلوكية في "زوكالو هيلث"، صوفيا باجيس، وهي متخصصة في المعالجة الأسرية، لإذاعة "إن بي آر": "تظهر بيانات الفحوص خلال فترات تشديد الإجراءات ارتفاعاً واضحاً في مستوى الضيق النفسي. عانى أكثر من نصف المرضى من قلق شديد لدرجة أنه أعاق حياتهم اليومية، ونحو ثلاثة أرباعهم من الاكتئاب، والسبب هو الشعور العميق بالعجز، لأنه مهما بلغ حرصهم، سواء عبر تغيير نمط حياتهم اليومي أو بالبقاء في المنزل فترات أطول، يشعرون بأنهم لا يستطيعون حماية أنفسهم أو عائلاتهم. وكان فقدان السيطرة مزعزعاً للاستقرار في شكل كبير، ما زاد حدّة الاكتئاب والضيق النفسي الناتج عن الصدمة والأفكار الانتحارية، علماً أن عدداً كبيراً من المهاجرين المرضى يُعانون من صدمات نفسية سابقة نتيجة حوادث وقعت في بلدانهم الأصلية، وأثناء رحلاتهم إلى الولايات المتحدة".
وتقول مهاجرة تدعى إسبيرانزا (29 سنة)، متحدرة من ولاية أواكساكا في المكسيك، إنها وصلت مع زوجها وابنها البالغ حالياً 11 سنة إلى الولايات المتحدة في عام 2023، ثم رُزقت بابن آخر عمره تسعة أشهر حالياً، وتضيف: "كان زوجي يزرع قطعة أرض صغيرة نملكها في أواكساكا، وينتج أيضاً مشروب ميزكال الكحولي الذي يُستخرج من الصبار، لكن حياتنا كانت في خطر بسبب تهديدات عصابة محلية أجبرتنا على دفع المال مقابل زراعة أرضنا، وطالبت زوجي بأن يهرّب المخدرات لصالحها".
تتابع: "عندما ساءت الأمور في شكل كبير جمعنا أغراضنا وتوجهنا إلى الحدود المكسيكية - الأميركية. كانت الرحلة مرهقة لأن رجالاً يعملون لصالح العصابة لاحقونا حتى الحدود الأميركية، وأثرت هذه الضغوط النفسية والصدمة عليّ بشدة خلال مرحلة بناء حياة جديدة في كاليفورنيا. لم أكن أنام وكنت أعاني من خفقان في القلب، وأشعر بتعرق طوال الوقت. وأثر ذلك عليّ بشدة كوني امرأة وزوجة وأماً".
وتخبر أيضاً أن أعراضها تفاقمت حين بدأت إدارة الهجرة والجمارك الأميركية (ICE) حملات مداهمة في لوس أنجليس ومحيطها العام الماضي، وأن مخاوف الترحيل غمرتها عندما اضطرت إلى المثول أمام محكمة الهجرة، ثم دعمها معالجون نفسيون في مركز زوكالو هيلث، ما عزز ثقتها بنفسها ونظرتها إلى ظروفها، وساعدها في التغلب على نوبات الهلع التي كانت تعاني منها، إذ تعلمت أساليب لتهدئة نفسها عند الشعور بالقلق، مثل تمارين التنفس، والموسيقى، كما انضمت إلى كنيسة محلية حيث وجدت الدعم والمساندة. وتقول: "أستطيع الآن على الأقل التحدث مع آخرين، وأحياناً حتى الخروج إلى الشارع والمشي". وهي تنقل مهاراتها الجديدة إلى زوجها وابنها كي يستطيعا التأقلم في شكل أفضل مع الظروف.
إلى ذلك يُعدّ الخوف من انفصال الأطفال عن آبائهم أو مقدمي الرعاية الآخرين مصدراً رئيسياً للضغط النفسي على الأسر. وتقول المهاجرة الأفغانية خديجة رحماني: "يسمع ابني مجيب الرحمن (12 سنة) الكثير من الأخبار عن الهجرة في المدرسة، ويخشى أن أخرج وتلقي سلطات الهجرة عليّ، وُيترك وحيداً، وهو يقول حسناً إذا قبضوا علينا نحن الاثنين، على الأقل نكون معاً".
وتقول اختصاصية علم النفس للأطفال في مستشفى نايشن وايد في كولومبوس بولاية أوهايو، أريانا هوت: "المجتمعات المهاجرة معرضة فعلاً لخطر ارتفاع معدلات أعراض الصحة النفسية لدى الأطفال، وغالباً ما يعاني الأطفال اللاتينيون من معدلات أعلى لحالات مثل الاكتئاب والقلق، بسبب الضغوطات التي تواجهها الأسر للتكيّف مع ثقافة ولغة وبيئة جديدة، في ظل استمرار معاناتهم من صدمات الماضي. كما تواجه الأسر التمييز ما قد يزيد سوء الحالة النفسية للأطفال". تتابع: "كانت كل هذه الأمور موجودة فعلاً، ما عرّض هذه المجتمعات لخطر. وأضيف الآن عامل ضغط مزمن خاص بتدابير إدارة الهجرة".
وتذكر أريانا: "إذا كانت العائلة مختلطة يُدرك معظم الأطفال ذلك تماماً ويعيشون في خوف دائم مما قد يحدث لوالديهم. وقد أبعد آباء عن منازلهم وجرى ترحيلهم، ما زاد احتمال إصابتهم باضطراب ما بعد الصدمة أكثر من الضعف. وقد تظهر هذه الاضطرابات في أعراض جسدية، مثل آلام البطن والصداع وتغيّرات في النوم والشهية، وأيضاً في السلوك، وقد يصبح الأطفال أكثر تعلقاً بالآباء والأمهات وقلقين جداً ومتوترين، وربما أكثر هدوءاً وانطواءً اجتماعياً، ولا يرغبون في فعل الأمور التي اعتادوا عليها".
