Arab
جوليانا أماتو لومومبا، ابنة الزعيم الكونغولي التاريخي، باتريس لومومبا، أحد أبرز رموز التحرّر الوطني في أفريقيا وأول رئيس وزراء للكونغو بعد الاستقلال عن بلجيكا عام 1960، شخصية سياسية وثقافية ودبلوماسية بارزة في بلدها، وقد شغلت مناصب حكومية، منها وزارة الثقافة والفنون. وهي تواصل الدفاع عن الإرث السياسي والفكري لوالدها الذي اغتيل عام 1961 في سياق الصراعات الدولية والحرب الباردة والتدخلات المرتبطة بالاستعمار البلجيكي.
وفي مقابلة مع إذاعة فرنسا الدولية RFI، أعادت السيدة تسليط الضوء على جانب إنساني وسياسي بالغ الأهمية من تاريخ العلاقات الأفريقية العربية، وخصوصاً بين الكونغو ومصر في عهد جمال عبد الناصر. وأوضحت أن والدها، ومع شعوره المبكر بأنه مستهدف وأن اغتياله بات احتمالاً كبيراً بعد استقلال الكونغو، سعى إلى تأمين الحماية لأسرته، فتوجّه بطلبات إلى عدة زعماء أفارقة بارزين آنذاك، لاستضافة أسرته. لكن الرئيس الغيني سيكو توري أعرب عن تخوفه من عدم قدرته على هذا، بسبب هشاشة الوضع الأمني، كما أن الرئيس الغاني كوامي نكروما لم يتمكّن من الاستجابة بالشكل المطلوب في تلك المرحلة الحساسة. أما عبد الناصر فوافق فوراً على استقبال الأسرة في مصر، رغم أنه وباتريس لومومبا لم يلتقيا قط. وتؤكد جوليانا أن العلاقة بينهما كانت قائمة على وحدة الرؤية الفكرية والسياسية، إذ كانا يؤمنان بمقاومة الاستعمار، ودعم استقلال أفريقيا، وبناء دول وطنية قوية، وتعزيز التضامن بين شعوب الجنوب. وأفادت بأن القوات المصرية العاملة ضمن قوات الأمم المتحدة في الكونغو خلال أزمة 1960 لعبت دوراً أساسيّاً في إخراج عائلة لومومبا وتأمينها ونقلها إلى القاهرة، في لحظة كانت البلاد تغرق فيها في الفوضى والصراع الدولي المرتبط بالحرب الباردة والتدخلات الأجنبية، خصوصاً البلجيكية. وتتقاطع هذه الرواية مع شهادات مراد غالب الذي كان سفيراً لمصر في الكونغو في تلك المرحلة، وتحدّث لاحقاً عن الدور المصري في دعم استقلال الكونغو ومواجهة النفوذ الاستعماري البلجيكي ضمن الرؤية التحرّرية لعبد الناصر.
وكشفت جوليانا لومومبا عن بعد رمزي وثقافي مهم، أنّ الرئيس عبد الناصر قرّر أن تتلقّى أسرة لومومبا تعليمها في المدارس الفرنسية في القاهرة، رغم أن العلاقات المصرية الفرنسية آنذاك كانت متوترة بشدة، بعد مشاركة فرنسا إلى جانب بريطانيا وإسرائيل في العدوان الثلاثي عقب قرار تأميم قناة السويس عام 1956. فقد كان عبد الناصر، بحسب روايتها، يؤمن بأن أبناء لومومبا سيعودون يوماً إلى الكونغو، وأن عليهم أن يكونوا مهيئين ثقافيّاً ولغوياً للعب دور في مستقبل بلادهم الفرنكوفونية. وقالت إنها تعلمت الفرنسية في مصر وليس في الكونغو، وهو ما يعكس طبيعة تلك المرحلة التي تحولت فيها القاهرة إلى مركز رئيسي لحركات التحرّر الأفريقية والعربية. ووصفت عبد الناصر بأنه كان "أباً روحيّاً" لها، إذ لم يكتفِ باستضافتهم سياسيّاً، بل أحاطهم برعاية إنسانية مباشرة، فكان يستقبل الأطفال ويلعب معهم ويوفر لهم أفضل ظروف التعليم والحياة، ما يعكس جانباً أقل تداولاً في شخصية عبد الناصر ودوره الأفريقي، ليس زعيماً سياسيّاً داعماً لحركات التحرّر فحسب، بل أيضاً شخصية تعاملت مع أبناء تلك الحركات ببعد إنساني وأبوي.
لعبت القوات المصرية العاملة ضمن قوات الأمم المتحدة في الكونغو خلال أزمة 1960 دوراً أساسيّاً في إخراج عائلة لومومبا وتأمينها ونقلها إلى القاهرة
وفي سياق ترشّحها لمنصب الأمين العام للمنظمة الدولية للفرنكوفونية (OIF)، تحرص جوليانا لومومبا على تقديم نفسها امتداداً فكرياً وسياسيّاً لإرثَي باتريس لومومبا وعبد الناصر، أي لإرث التحرّر الوطني والسيادة والكرامة والانفتاح على الثقافات المختلفة. وهي تؤكد أن مشروعها لا يقوم على منطق الهيمنة أو الصراع، بل على رؤية تعتبر الفرنكوفونية فضاءً للحوار والتعددية والسلام والتنمية والتعليم والحلول السلمية للنزاعات. وعندما سُئلت عمّا إذا كان ترشيح بلادها لها يدخل ضمن التنافس السياسي مع رواندا، خصوصاً وأن منصب الأمين العام تشغله منذ 2017 لويز موشيكيوابو القادمة من رواندا، رفضت اختزال المسألة في إطار نزاع بين دولتَين، رغم أنها لم تُنكر وجود توتّرات سياسية وأمنية بين كينشاسا وكيغالي. وأكدت أن الفرنكوفونية يجب ألّا تتحوّل إلى أداة استقطاب جيوسياسي، بل إلى منصّة لتعزيز الحوار والتفاهم والسلام، ليس في أفريقيا فحسب، بل أيضاً في أزمات دولية أخرى، مشيرة إلى الوضع في لبنان وفلسطين والتوترات بين تايلاند وكمبوديا.
كما أعربت عن أسفها لخروج جمهوريات من المنظمة الدولية للفرنكوفونية، معتبرة أن المنظمة يجب ألّا تكون فضاءً للإقصاء أو العقوبات السياسية، بل إطاراً للحوار واحترام السيادة الوطنية والكرامة والاستقلالية السياسية. ودعت إلى فتح حوار مع هذه الدول، وفهم حساسياتها المرتبطة بتاريخ النفوذ الفرنسي، خصوصاً بعد الانقلابات في المنطقة منذ عام 2022، وما تبعها من إنهاء للوجود العسكري الفرنسي، وتقليص للعلاقات الدبلوماسية مع باريس، بالتوازي مع تأسيس اتحاد دول الساحل الذي يضم مالي والنيجر وبوركينا فاسو، في ظل تصاعد أدوار لروسيا والصين وأميركا وتركيا داخل أفريقيا، وفي ظل ما تعانيه هذه الدول الثلاث من هجوم ومحاولات زعزعة تقوم بها مجموعات جهادية متشدّدة مرتبطة بتنظيم القاعدة ومنظمات قومية انفصالية.
تحرص جوليانا لومومبا على تقديم نفسها امتداداً فكرياً وسياسيّاً لإرثَي باتريس لومومبا وعبد الناصر
ويكتسب ترشّح جوليانا لومومبا بعداً إضافيّاً بالنظر إلى أن الكونغو الديمقراطية أصبحت اليوم أكبر دولة ناطقة باللغة الفرنسية من حيث عدد السكان، متجاوزة حتى فرنسا نفسها، إذ يتجاوز عدد سكانها 115 مليون نسمة، فيما تُعد عاصمتها كينشاسا أكبر مدينة ناطقة بالفرنسية، ورغم وجود لغات وطنية كبرى، مثل اللينغالا والسواحلية والتشيلوبا والكيكونغو، تبقى الفرنسية اللغة الجامعة، أو "لغة العمل" التي تسمح بالتواصل بين المجموعات الإثنية واللغوية المتعدّدة داخل الدولة. ومن هنا، ترى جوليانا لومومبا أن مستقبل الفرنكوفونية لم يعد مرتبطاً بتاريخ فرنسا الاستعماري فحسب، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بالتحولات الديموغرافية والثقافية والسياسية في أفريقيا نفسها، إذ انتقل مركز الثقل الحقيقي للغة الفرنسية تدريجيّاً من أوروبا إلى أفريقيا.
ويضاف إلى هذا أنّ التنافس داخل الفضاء الفرنكوفوني لا ينفصل عن التوازنات التاريخية بين فرنسا وبلجيكا من جهة، والكونغو ورواندا من جهة أخرى. فباريس تُتهم داخل بعض الأوساط الكونغولية بأنها أقرب إلى رواندا في النزاع القائم في شرق الكونغو، بينما تبدو بلجيكا، بحكم التاريخ والجالية الكونغولية الكبيرة فيها، أكثر قرباً نسبيّاً من الكونغو الديمقراطية، رغم الإرث الثقيل للاستعمار البلجيكي الذي ما زالت آثاره حاضرة بقوة. وقد شهدت بلجيكا في السنوات القليلة الماضية نقاشاً واسعاً حول هذا التاريخ، وصل إلى تشكيل لجنة برلمانية خاصة لدراسة الحقبة الاستعمارية، قبل أن يُعرب ملك بلجيكا فيليب عن "أسفه العميق" لما جرى خلال تلك المرحلة، من دون الوصول إلى اعتذار رسمي كامل.
وقالت جوليانا لومومبا إنها تلقت دعماً واستقبالاً إيجابيَّين من أكثر من 15 دولة، سواء في كندا أو في الكونغو وغيرهما من دول فرنكوفونية، وإن فضلت عدم الكشف عن كل تفاصيل اتصالاتها الدبلوماسية. ويبدو أنها تراهن على الثقل الديموغرافي والثقافي للكونغو داخل العالم الفرنكوفوني، وعلى الرمز التاريخي لاسم لومومبا، وعلى تصاعد الرغبة الأفريقية في إعادة تعريف الفرنكوفونية بعيداً عن الهيمنة التقليدية، وتحويلها إلى فضاء عالمي أكثر توازناً واحتراماً للسيادة والتعددية الثقافية والحوار بين الشعوب.

Related News
المصريون يحتفلون بالعيد في الشواطئ والحدائق
aawsat
8 minutes ago
مانشستر يونايتد يقترب من حسم صفقة إيدرسون لاعب أتالانتا
aawsat
10 minutes ago
11 طعاماً تحتوي على بروتين أكثر من البيض
aawsat
10 minutes ago